الأكراد قومية بلا دولة.. بين فشل الاحتواء ومأزق الانفصال

د. عقيل كريم الحسناوي

2026-01-27 04:25

تُعدّ القضية الكردية من أكثر قضايا الشرق الأوسط تعقيدًا، لا لأنها تتعلق بقومية كبيرة بلا دولة فحسب، بل لأنها تكشف خللًا مزدوجًا: خلل الدول الوطنية في إدارة التعدد، وخلل المشروع القومي الكردي في التعامل مع فكرة الدولة ذاتها. فالسؤال الجوهري لم يعد محصورًا في: لماذا لم يحصل الأكراد على دولة؟، بل بات أعمق: هل سعت الحركات الكردية فعلًا إلى الاندماج في الدولة الوطنية، أم أنها اختارت، وعيًا أو ضمنيًا، مسار القطيعة والتمرد الدائم؟

لا شك أن الأكراد تعرضوا تاريخيًا لسياسات تهميش وإنكار وقمع في العراق وسوريا وإيران وتركيا، وهو ما أسهم في نشوء وعي قومي حادّ قائم على الذاكرة الجَمعية للمظلومية. غير أن تحويل هذه المظلومية إلى مرتكز دائم للسياسة، بدل كونها نقطة انطلاق نحو مشروع مواطنة، أدى مع مرور الزمن إلى إنتاج خطاب قومي مغلق يرى الدولة المركزية كيانًا معاديًا بطبيعته، لا إطارًا يمكن إصلاحه أو التشارك فيه. وهكذا، تحوّلت العلاقة من صراع على الحقوق داخل الدولة إلى صراع على الدولة نفسها.

في العراق، تجسّد هذا المسار بوضوح. فمنذ منتصف القرن العشرين، لم تكن العلاقة بين الحركات الكردية والحكومة المركزية علاقة تفاوض مستقر، بل علاقة تمرد مسلح متكرر، اتخذ أشكالًا سياسية وعسكرية متعددة. وعلى الرغم من أن الدولة العراقية ارتكبت أخطاء جسيمة بحق الأكراد، فإن الحركات الكردية بدورها اختارت السلاح والتمرد المستمر كأداة رئيسية للتعامل مع المركز، حتى في الفترات التي كان فيها هامش السياسة متاحًا. وبعد عام 2003، ومع حصول إقليم كردستان على اعتراف دستوري واسع وصلاحيات غير مسبوقة، لم يتطوّر الخطاب الكردي باتجاه تعزيز الدولة الاتحادية، بل اتجه نحو ترسيخ منطق الانفصال العملي: مؤسسات مستقلة، سياسة نفطية منفردة، قوات مسلحة خارج القيادة الاتحادية، وخطاب سياسي لا يرى في بغداد سوى طرف تفاوضي مؤقت.

الأخطر من ذلك هو التطبيع مع الارتباط الخارجي بوصفه خيارًا سياسيًا مشروعًا. فقد أقامت بعض القيادات الكردية علاقات وثيقة مع قوى إقليمية ودولية، لا بوصفها أدوات ضغط داخل إطار الدولة، بل كبدائل عن الدولة نفسها. هذا السلوك لم يضعف فقط فكرة السيادة الوطنية، بل جعل القضية الكردية رهينة لحسابات خارجية متقلبة، غالبًا ما استُخدمت فيها الورقة الكردية ثم جرى التخلي عنها عند تغيّر المصالح.

في سوريا، اتخذ المشهد طابعًا أكثر حدة. فمع اندلاع الحرب، لم تسعِ القوى الكردية إلى صياغة عقد وطني سوري جديد، بل سارعت إلى بناء كيان سياسي–عسكري مستقل بدعم مباشر من قوى أجنبية. ورغم رفع شعارات الإدارة الذاتية والديمقراطية، فإن الخطاب القومي ظل حاضرًا بقوة، يقوم على إعادة تعريف الانتماء السياسي على أساس إثني، لا وطني. وقد أسهم ذلك في تعميق الانقسام السوري، وتحويل المناطق الكردية إلى ساحات صراع بالوكالة، لا إلى نموذج اندماج وطني.

أما في إيران، فان الدولة الإيرانية تعتمد نموذج "الاحتواء الصامت": لا إنكار كامل، ولا اعتراف فعلي. تُدار المناطق الكردية أمنيًا، وتُعامل أي مطالبة بالحقوق السياسية بوصفها تهديدًا للأمن القومي. هنا، يتجلى الاحتواء بوصفه احتواءً فوقيًا، مشروطًا بالطاعة لا بالمواطنة. وفي المقابل، لا يطرح الأكراد في إيران مشروع انفصال شامل، بل مطالب إصلاحية داخل الدولة.

على الرغم من اختلاف السياق، فإن النزعة ذاتها تظهر في الخطاب القومي لبعض الحركات الكردية، التي ترى في الدولة المركزية كيانًا غريبًا عنها، وتتعامل مع الانتماء الوطني بوصفه انتماءً مفروضًا لا خيارًا سياسيًا. ويُضاف إلى ذلك أن بعض الخطابات الكردية تتبنى موقفًا صريحًا يختزل الهوية في القومية وحدها، بحيث يُقال صراحة: أنا كردي، لا عراقي ولا سوري ولا إيراني، وهو خطاب لا يمكن أن يُنتج دولة، بل يُنتج صراع هويات مفتوحًا.

إن التعصّب القومي، حين يتحول إلى أيديولوجيا سياسية مغلقة، لا يكون أداة تحرّر، بل يصبح آلية مقاومة لفكرة الدولة نفسها. فهو يرفض القانون الوطني، ويشكك في المؤسسات العامة، ويبرر العنف والتمرد باسم الهوية، ويُقصي أي إمكانية لبناء مواطنة مشتركة. والمفارقة أن هذا المسار يُعيد إنتاج الدولة الضعيفة ذاتها التي يشكو منها الأكراد، ويُكرّس منطق الكيانات المتنازعة بدل الدولة الجامعة.

إن مأزق الأكراد اليوم لا يكمن فقط في كونهم قومية بلا دولة، بل في ازدواجية الموقف: المطالبة بالحقوق من الدولة، مع إنكار شرعيتها؛ السعي للاعتراف الدولي، مع رفض الانتماء الوطني؛ التنديد بالتهميش، مع ممارسة الإقصاء القومي المضاد. وفي ظل هذا التناقض، لا يمكن لأي مشروع كردي أن ينجح، ولا لأي دولة أن تستقر.

فالقضية الكردية ليست صراعًا بين خير وشر، بل هي نتيجة فشل مزدوج:

- فشل الدول في بناء دولة مواطنة تستوعب التعدد.

- وفشل النخب الكردية في تجاوز منطق القومية المغلقة نحو مشروع سياسي جامع.

الدولة الكردية.. حلم مشروع أم مأزق واقعي؟

لا يمكن إنكار مشروعية الطموح الكردي في تقرير المصير من حيث المبدأ، فهو حق معترف به دوليًا. لكن الإشكالية تكمن في الانتقال من الحق إلى التطبيق. فإقامة دولة كردية في منطقة شديدة التشابك القومي والجيوسياسي تثير أسئلة عميقة:

- هل ستؤدي الدولة القومية الكردية إلى حل المشكلة، أم إلى إعادة إنتاجها بصيغة جديدة؟

- كيف ستتعامل هذه الدولة مع الأقليات داخلها؟

- وهل ستنجو من منطق التعصّب الذي عانت منه هي نفسها؟

إن التجارب التاريخية تُظهر أن الدولة القومية الصلبة نادرًا ما تنجح في مجتمعات متعددة، ما لم تُبنَ على أساس المواطنة لا القومية المغلقة.

الخلاصة أن حل القضية الكردية لا يمرّ فقط عبر إصلاح الدولة المركزية، بل يتطلب أيضًا مراجعة جذرية للمشروع القومي الكردي نفسه: الانتقال من منطق الهوية التصادمية إلى منطق المواطنة، ومن التمرد الدائم إلى الشراكة السياسية، ومن الارتهان للخارج إلى بناء مستقبل داخل الدولة. من دون ذلك، ستبقى القومية بلا دولة، وستبقى الدولة بلا مواطنين.

فالحل لا يكمن في الاحتواء القسري، ولا في الانفصال التعصّبي، بل في إعادة تعريف الدولة والهوية معًا. إن مأزق الأكراد اليوم لا يكمن فقط في كونهم قومية بلا دولة، بل في وقوعهم بين دولتين متقابلتين: دولة مركزية فشلت تاريخيًا في بناء عقد وطني عادل، ومشروع قومي لم يحسم خياره بين المواطنة والانفصال. وفي غياب رؤية مشتركة تعيد تعريف الدولة بوصفها إطارًا جامعًا للتنوع، سيظل الأكراد –ومعهم دول المنطقة– أسرى صراع مفتوح، لا غالب فيه إلا من يملك القوة، ولا خاسر فيه إلا فكرة الدولة ذاتها.

..........................................

 مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

ذات صلة

استمرار الحراك الشعبي في العراق: هل هو غضب عابر أم حالة مزمنة؟المثقفون والبحث عن البدئياتالخلاف السعودي الإماراتي غير المسبوقمجلس السلام: من النظام الدولي القيمي إلى نظام الصفقة السياديةالعراق 2026: الدولة والنظام السياسي والمجتمع والاقتصاد