مجلس السلام: من النظام الدولي القيمي إلى نظام الصفقة السيادية

قراءة تحليلية في مشروع ترامب لإعادة هندسة العالم

محمد عبد الجبار الشبوط

2026-01-27 04:19

يشكّل «مجلس السلام» المعلن في دافوس في كانون الثاني 2026 لحظة كاشفة في تاريخ التحولات الدولية المعاصرة، ليس فقط لأنه يقترح آلية جديدة لإدارة النزاعات، بل لأنه يعلن عملياً نهاية مرحلة كاملة من التفكير في النظام الدولي كما تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وبداية طور جديد يمكن وصفه بأنه نظام الصفقة السيادية فوق القيم والمؤسسات.

أولاً: من الأمم المتحدة إلى مجلس السلام – انهيار الشرعية القيمية

نشأ النظام الدولي بعد 1945 على فكرة مركزية مفادها أن السلام يُبنى عبر منظومة قيمية قانونية مشتركة: سيادة الدول، القانون الدولي، تعددية المؤسسات، وتقييد القوة عبر الشرعية الجماعية، وهو ما تجسّد في الأمم المتحدة ومؤسساتها المتفرعة.

غير أن الفشل المتكرر في إنهاء الصراعات الطويلة، وتآكل مصداقية القانون الدولي بفعل ازدواجية المعايير، فتح الباب أمام نماذج بديلة لا تحاول إصلاح النظام القائم بل تجاوزه بالكامل.

«مجلس السلام» لا يسعى إلى تحديث الأمم المتحدة، بل إلى استبدالها فعلياً بهيكل أكثر بساطة، أقل قيوداً، وأكثر مباشرة في الربط بين الأمن والاستثمار والصفقات الكبرى.

ثانياً: مركزية الزعيم بدل مركزية المؤسسة

أخطر ما في ميثاق المجلس لا يكمن في أدواته الاقتصادية أو الأمنية، بل في بنيته السلطوية الصريحة. تنص المادة الثانية على تنصيب دونالد ترامب رئيساً للمجلس بصلاحيات توقيع نهائية وحق فيتو مطلق، ما يحوّل المجلس من منظمة دولية إلى كيان فوق دولي يتمحور حول شخصية واحدة.

هذا النموذج يقطع مع فكرة «الحوكمة الجماعية» ويستبدلها بما يمكن تسميته الزعامة الإمبراطورية المعولمة، حيث تُختزل الشرعية الدولية في قرار فردي، وتُدار السياسة العالمية بعقلية رجل الصفقات لا رجل القانون.

ثالثاً: السلام بوصفه استثماراً لا قيمة

يُعاد تعريف السلام في هذا الميثاق تعريفاً جذرياً: لم يعد حالة سياسية-قانونية، بل مشروعاً اقتصادياً مشروطاً بالتمويل والامتثال.

العضوية الدائمة تُشترى بمليار دولار، والمكافأة ليست أمناً جماعياً بل أولوية في العقود وإعادة الإعمار، أما العقوبة فهي الإقصاء من شبكات التجارة والطاقة.

بهذا المعنى، يتحول السلام من حق إنساني كوني إلى امتياز مالي، وتتحول الدول الفقيرة أو المنهكة من أطراف في النظام الدولي إلى زبائن محتملين في سوق السلام الجديد.

رابعاً: غزة كنموذج تطبيقي للنظام الجديد

تكليف المجلس بإدارة «منطقة غزة الاقتصادية الحرة» يمثل أول اختبار عملي للفلسفة الجديدة.

المنطقة تُنزَع عنها السيادة والسلاح معاً، وتُدار اقتصادياً وأمنياً من هيئة دولية غير منتخبة، في نموذج أقرب إلى الوصاية الاقتصادية الأمنية منه إلى حل سياسي عادل.

هذا النموذج لا يعالج جذور الصراع بقدر ما يسعى إلى تحييده اقتصادياً، عبر استبدال الحقوق الوطنية بمنطق الاستقرار الوظيفي، وهو ما قد يحقق هدوءاً مؤقتاً لكنه يراكم انفجارات مستقبلية أعمق.

خامساً: لماذا امتنعت أوروبا؟

رفض دول أوروبية وازنة مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا التوقيع لا يعود إلى اعتراض تقني، بل إلى إدراك عميق بأن هذا المجلس يقوّض الأسس التي قامت عليها أوروبا ما بعد الحرب: القانون، التعددية، والحد من الشخصنة في السلطة.

في المقابل، انجذاب دول ذات أنظمة سلطوية أو براغماتية عالية يعكس استعداداً للتعامل مع عالم بلا معايير ثابتة، حيث القوة الاقتصادية تحل محل الشرعية السياسية.

سادساً: نحو نظام عالمي ما بعد أخلاقي

«مجلس السلام» ليس مبادرة سلام بقدر ما هو إعلان نهاية النظام الدولي القيمي وبداية نظام جديد يقوم على:

 • شخصنة القرار العالمي

 • خصخصة السلام

 • ربط الأمن بالتمويل

 • تهميش القانون الدولي

 • إحلال الصفقة محل المبدأ

إنه نظام يُدار بعقلية الإمبراطورية لا بعقلية الشراكة، ويعبّر عن لحظة عالمية فقدت الثقة بالمؤسسات، فسلّمت مصيرها لزعيم يَعِد بالحل السريع مهما كان الثمن.

خاتمة

قد ينجح «مجلس السلام» في تحقيق تسويات سريعة، وفرض هدن اقتصادية، وإدارة مناطق منهكة بكفاءة تقنية، لكنه في العمق يفتح الباب أمام عالم أقل عدالة، وأكثر هشاشة، تُدار فيه الإنسانية كملف استثماري لا كقيمة عليا.

إنه ليس بديلاً عن النظام الدولي فحسب، بل نقيضه الفلسفي والأخلاقي، ونذير مرحلة يصبح فيها السلام صفقة، والسيادة امتيازاً، والشرعية توقيعاً واحداً.

ذات صلة

استمرار الحراك الشعبي في العراق: هل هو غضب عابر أم حالة مزمنة؟الأكراد قومية بلا دولة.. بين فشل الاحتواء ومأزق الانفصالالمثقفون والبحث عن البدئياتالخلاف السعودي الإماراتي غير المسبوقالعراق 2026: الدولة والنظام السياسي والمجتمع والاقتصاد