العراق 2026: الدولة والنظام السياسي والمجتمع والاقتصاد

د. عماد عبد اللطيف سالم

2026-01-27 04:17

لن يكون بوسع أيّ حكومة عراقيّة قادمة (سيتم تشكيلها في عام) 2026 انجاز أي "تغيير" (أو اصلاح حقيقي) في المجالات كافة، ما لم يقم "النظام السياسي" القائم في العراق حالياً بتغيير (وتجديد) ذاته.. وينطوي ذلك على "إعادة تشكيل" طبيعة وخصائص التكوين والأدوار والوظائف الرئيسة لهذا النظام. هذه هي "الأولوية" الحاسمة التي تشكّل خط الدفاع الأخير عن وجود العراق، دولةً وكياناً وأُمّة.

الأولوية الآن هي أن يمتلك العراق "نظام سياسي"، و"قوى" سياسية قادرة على بناء "دولة حديثة" لا يتم تقاسم "مؤسساتها" على وفق الترتيبات السياسية العقيمة القائمة على مباديء التخادم والزبائنية والمحاصصة والعصبيّة و"الغنيمة".. هذه "الترتيبات" التي تتم ادارتها من خلال التوافقات والصفقات قصيرة الأجل.

هذه الدولة "البديلة"، التي تقوم على حماية وصيانة "مصالح سيادية- وطنية- عُليا"، وعلى وفق أحكام واشتراطات "عقد اجتماعي جديد"، هي وحدها القادرة على خلق ديناميكيات سياسية واقتصادية "تراكميّة" في العمل و "مُستدامَة" في الأثر، تعمل على نقل العراق (على مراحل) إلى أوضاع أفضل وأكثر تطوّراً اجتماعياً واقتصادياً، و "حضاريّاً" أيضاً.

دون انجاز ذلك سيكون من العبث الحديث عن "اصلاح" ما في مجالات التخلّف العراقي كافّة.

إنّ خطّ الشروع الأوّل لقيام النظام السياسي في العراق بتغيير نفسه‘ هو قيامه بتفكيك "بُنية" الفساد مُتعدّد الأبعاد في مفاصل الادارة والعمل والسلوك السياسي والاقتصادي و "القِيَمي" أيضاً.

دون تفكيك و"سقوط" وانهيار "بُنية" الفساد هذه لن يتمكّن النظام السياسي في العراق من انجاز أو تحقيق أيّ شيء ذي جدوى، باستثناء "إعادة انتاج" نفسه و"تدوير" رموزه، وترسيخ "نمط انتكاسي" للتنمية تكون وظيفته الرئيسة، ليس التنمية الشاملة المُستدامة، بل العمل باستمرار على دعم الركائز والمقومات الكفيلة بإبقاء كلّ شيء على ما هو عليه الآن.

إنّ هدر وتبديد المال العام، وسوء تخصيص واستخدام الإيرادات (النفطية وغير النفطية) الهائلة، وغياب عدالة التوزيع، وتصميم السياسات المالية والنقدية وتكييف أدواتها لخدمة منظومات الحكم والسيطرة على السلطة والثروة، هي الأسباب الرئيسة للأزمات المالية –الاقتصادية، والاختلالات الإنتاجية- الهيكلية- المُزمِنة في العراق.

وهذه "الظواهر" كلّها ليست سوى "نتائج منطقيّة" لإصرار "منظومات" الحكم في العراق على ترسيخ ديناميكيات وميكانزمات بُنية الفساد، إلى درجةٍ أصبح معها الفساد جزءاً رئيساً من بُنية النظام السياسي ذاته.

إنّ استهداف "المنظومات" المُتحَكِّمة بإدارة بُنية الفساد العراقية، وتفكيكها، واضعاف قدرتها على الهيمنة على الفائض الاقتصادي الفعلي "المُصادَر" من قبلها الآن و "المُستقطَع" من دورة الدخل القومي والناتج المحلي الإجمالي، وتحسين إدارة الموجودات والأصول العامة، ومراجعة أنماط السلوك والعمل والإدارة في مرافق تقديم الخدمات الحكومية، وتحديث أساليب وطرق الاستثمار والجباية المرتبطة بها.. كل ذلك سيعمل على زيادة نسبة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، وفي زيادة حصّة الإيرادات غير النفطية من اجمالي الإيرادات العامة، وسيعمل بكفاءة على تفعيل دور القطاع الخاص في عملية "تنويع" الاقتصاد العراقي.

إنّ السياسات والإجراءات (قصيرة ومتوسطة المدى)، والخطط والاستراتيجيات (طويلة المدى) التي تعتمد توجّهات كهذه، ستوفّر للدولة موارد ماليّة وماديّة هائلة بوسعها تمويل الانفاق العام التشغيلي (الهائل والانتقائي والمُنفَلِت)، دون الحاجة (غير محسوبة الأثر) الى استخدام أسلوب "الصدمة" للحد من الأعباء الاقتصادية والمالية الهائلة للأنفاق "التشغيلي" العام، واللجوء بدلاً من ذلك إلى انتهاج عمليات وسياسات "انضباط" واعادة هيكلة للمالية العامة، وإجراءات خفض تدريجية لـ "فاتورة" الرواتب والأجور الباهظة (بأنواعها كافة).. هذه "الرواتب" التي أسهمت سلوكيات النظام السياسي، وانتهاجه لمبدأ "مقايضة الريع النفطي بالصوت الانتخابي" في تحويلها إلى عبء اقتصادي ومالي كارثي طيلة عشرينَ عاماً.

واهمٌ جداً من يعتقد أنّ زيادة نسبة مساهمة الإيرادات غير النفطية إلى اجمالي الإيرادات العامة يمكن تحقيقها (فقط) من خلال زيادة الضرائب والرسوم وتخفيض الدعم الحكومي وبالتالي زيادة الكلفة المجتمعية لهذه "الإصلاحات" التي سيتحمل عبئها (وبدرجة أساسية) أصحاب الدخل المحدود والفئات الهشة من السكان.

إن "أثر" هذه الإجراءات في زيادة الإيرادات العامة غير النفطية سيكون محدوداً جداً، وبتكلفة سياسية واجتماعية باهظة.

استناداً لما تقدّم سيجد النظام السياسي في العراق نفسه في مواجهة مأزق "وجودي" عندما يعمل على وفق قاعدة "وضع العربة أمام الحصان"، ويبدأ في تطبيق إجراءات تقشفيّة ستكون بمثابة تراجُع عن "مكرماته" السابقة التي قدّمها بسخاء غير مدروس لمجتمعه وقواعده الشعبية ومواطنيه، لأنّ هذه "المكرمات" هي إنجازه الوحيد، وهي المصدر الرئيس لـ" شرعيته" منذ تأسيسه وممارسته للسلطة في العراق قبل أكثر من عشرين عاماً.

و في مواجهة الكثير من التحديّات(الخارجية والداخلية)، والأزمات (الاقتصادية والاجتماعية) المُزمنة، ستكون عملية "إعادة بناء" نظام سياسي "جديد" هي الخيار السليم والمجدي والوحيد لإعادة بناء عراق مُعاصِر، مُستجيب للتحديّات، وقادر على التكيّف للمتغيّرات، وقابل للاستدامة.

يقف العراق الآن على "حافّةِ الجُرف"، وعلى هذه "الحافّة" يجِدُ نفسه مُحاصَراً بعوامل كثيرة تعمل على تسريع وتيرة دفعه نحو هاوية سحيقة، اذا لم يعمل "نظام سياسي" عراقي كفوء، وبوتائر سريعة، على منع حدوث ذلك قبل فوات الأوان.

وفي هذا السياق فإنّ "الرموز" السياسية التي اختبر العراق قدراتها وسلوكياتها في الحكم والتصرّف والسلوك والإدارة من خلال حكوماته المتعاقبة طيلة العقدين الماضيين، هي غير مؤهلّة قطعاً (وعلى الاطلاق) لفعل أيّ شيء غير ترسيخ واستدامة أنماط إدارة عامّة، وتصرفات وسلوكيّات شخصيّة، قادت العراق إلى المستويات الحالية من الخراب السياسي والسياسي والمجتمعي، وإلى الأوضاع العامة التي يختبرُ العراقيّونَ تداعياتها المريرةَ الآن.

تأسيس نظام سياسي كفوء، وبناء دولة مؤسسات حديثة ورصينة، هما العاملان الحاسمان في خلق البيئة (والظروف الموضوعية) اللازمة والمناسبة، والكافية والضرورية، للشروع بعملية طرد "العملة الرديئة" من السوق، والاستعانة بأفضل العقول والخبرات العراقية القادرة على إدارة و"قيادة" بلد يستحقّ "زعامات" و "رئاسات" و "وقيادات" و "وجوه" جديدة تكون هي "العملة الجيّدة" القادرة على ضبط الإيقاع السياسي والاقتصادي في "سوق" العراق العظيم، وفي "سوق" التحالفات والعلاقات و"الصفقات" السياسية والاقتصادية الدولية أيضاً.

ذات صلة

استمرار الحراك الشعبي في العراق: هل هو غضب عابر أم حالة مزمنة؟الأكراد قومية بلا دولة.. بين فشل الاحتواء ومأزق الانفصالالمثقفون والبحث عن البدئياتالخلاف السعودي الإماراتي غير المسبوقمجلس السلام: من النظام الدولي القيمي إلى نظام الصفقة السيادية