الاولويات الاقتصادية للحكومة المقبلة

عباس الصباغ

2026-01-27 04:13

 ليس بخافِ عن الجميع ان الخلافات والانشقاقات السياسية المستديمة والمستعرة بين النخب السياسية منذ التغيير النيساني 2003 ولحد الان، قد حالت دون اجراء اي اصلاح اقتصادي ملزم للواقع الاقتصادي-المالي للعراق، اي لجميع حكومات مابعد التغيير النيساتي 2003.

 والامر ذاته ينسحب على قبل ذلك التغيير المزلزل حيث اعتمدت الدولة العراقية النموذج الاشتراكي بتشديد قبضتها على مفاصل الاقتصاد واحتكرت وسائل الانتاج وتوزيع الثروات، وان تركت بعض الهامش المعقول نسبيا للقطاع الخاص الا انه لم يكن كافيا ليلعب دورا محوريا في الاقتصاد العراقي، الذي بقي عليلا ومترنحا واسيرا لبرميل النفط وماتجود به بورصة البترول في الاسواق العالمية، منذ ان تحول النفط بعد اكتشافه في بدايات القرن العشرين المنصرم الى رقم فاعل ومؤثر في جميع الموازنات العراقية طيلة عهود الدولة العراقية الحديثة.

 وزاد الطين بلة بعد التغيير النيساني وصعود حكومات منتخبة "ديموقراطيا" فلم تقم هذه الحكومات -رغم التغييرات الاقتصادية والطاقوية الكثيرة والتي ارتبط اكثرها بالنفط والطاقة المتجددة- بمعالجة الاختالالات البنيوية الهائلة في تصحيح مسيرة الاقتصاد العراقي، ومن عدة نواحٍ :

الاولى محاولة الخروج من احتكار برميل النفط الذي يسم الاقتصاد العراقي بالريع المفرط والثانية التوجه العملي وليس الشعاراتي والانشائي الذي لابد منه، نحو تنويع الايرادات الاقتصادية (كالصناعة (التحويلية مثلا) والزراعة والسياحة كالدينية (على سبيل المثال) والاستثمار لتكون مرادفة للنفط. إن مراجعة السياسة الاقتصادية وتنويع الايرادات يجب أن يكونا هدفين استراتيجيين شاملين وواضحين، من أجل النهوض والتطور في ظل تحديات اقتصادية صعبة يمكن أن نواجهها.

 ولكي نتجنب أن تتأثر حياة المواطنين ومستوى معيشتهم بها، يجب أن نتطلع إلى رسم مسار اقتصادي آخر للبلاد لا يبدأ ببرميل البترول، بل بعوائد المصانع والمزارع والسياحة خاصة الدينية منها، فالكثير من الدول خاصة بعض الدول الخليجية وبعض دول العام الثالث توصف اقتصاداتها بالريعية ولكن ليس بالريعية المفرطة والشاذة كالعراق الذي تمأسس اقتصاده على اسس ريعية ثابتة وبقى طيلة عقود طويلة من عمر الدولة العراقية الحديثة تحت رحمة سعر البرميل مايعرض تمويل الموازنات المالية الى خطر مستديم..

 وهناك تجارب ناجحة قامت بها عدة دول منتجة للنفط في المنطقة كالسعودية وتوصف اقتصاداتها بالريعية ونجحت في خفض نسبة الايرادات النفطية في الموازنة إلى حوالي 50 بالمئة، من خلال تبنيها لخطوات اقتصادية مهمة متنوعة، تمثلت في الرسوم التي فرضتها على مختلف الانشطة الاقتصادية مع الاهتمام بالقطاع السياحي، خصوصا الجانب الديني منه ما أدى إلى رفع الايرادات إلى نسبة مرتفعة. وكذلك دولة الامارات، التي بلغت فيها نسبة الايرادات غير النفطية في الموازنة إلى حوالي 77 بالمئة من مجموع ايرادات الموازنة العامة. 

وقبل كل شيء يجب تحرير الاقتصاد العراقي من قيود المركزية الاشتراكية الشديدة وفسح المجال للقطاع الخاص ليكون مرادفا للقطاع العام وبدونه لن يكون اصلاح اقتصادي بالمرة، ونتمنى تحقيق الحلم الاقتصادي المؤجل والذي لم ير النور طيلة الحكومات المتعاقبة بكافة عهودها وهو (الصندوق السيادي) والذي باشرت به الكثير من الدول النفطية ومنها بعض الخليجية لاستثمار فيوضات براميل النفط (الريع النفطي) لأغراض اقتصادية انتاجية واستثمارية وليست استهلاكية، ولغرض اخر هو ضمان مستقبل الاجيال اللاحقة من الثروات وعدم تنفيذ شعار (اصرف مافي الجيب ياتيك مافي الغيب).

 وبدون انتهاج خارطة طريق للاصلاح الاقتصادي يبقى التقشف وسياسة شد الاحزمة على البطون سيد الموقف وكان الله في عون الفقير في هذا البلد.

ذات صلة

استمرار الحراك الشعبي في العراق: هل هو غضب عابر أم حالة مزمنة؟الأكراد قومية بلا دولة.. بين فشل الاحتواء ومأزق الانفصالالمثقفون والبحث عن البدئياتالخلاف السعودي الإماراتي غير المسبوقمجلس السلام: من النظام الدولي القيمي إلى نظام الصفقة السيادية