قرار مجلس الوزراء التقشّفي في الميزان
احمد طلال عبد الحميد البدري
2026-01-26 04:35
أصدر مجلس الوزراء قراره المرقم (11) لسنة 2026 المتضمن المصادقة على توصيات المجلس الوزاري للاقتصاد، والمتضمنة جملة من الإجراءات التقشفية تتعلق بالوظيفة العامة، وتحديداً ما ورد في الفقرة (ثالثاً) منه والتي تنال شريحة الموظفين؛ كعدم احتساب الشهادة التي يحصل عليها الموظف أثناء الخدمة، واعتماد الشهادة الدراسية التي جرى عليها التعيين أول مرة، وإيقاف احتساب الشهادات بدءاً من تاريخ 2/1/2026 لمن لم يُشمل بالإجازة الدراسية، وإيقاف النقل والتنسيب إلى الوزارات التي يتمتع موظفوها بمخصصات محددة، وإيقاف الابتعاث إلى الخارج على حساب الدولة ولجميع الاختصاصات ولمدة (5) سنوات. ولنا على القرار المذكور التعليق الآتي:
خدمة مدنية
1. إن موضوع حصول الموظف على شهادة أولية أو عليا أثناء الوظيفة منظم بموجب المادة (50) من قانون الخدمة المدنية رقم (24) لسنة 1960 المعدل، وتعليمات منح الإجازة الدراسية رقم (165) لسنة 2011؛ ذلك أن الموظف في مركز تنظيمي يخضع للأنظمة والقوانين النافذة ولا يجوز لقرار تنظيمي أن يلغي نصوص القانون، حيث يعد هذا القرار معيباً بعيب مخالفة القانون وعيب عدم الاختصاص لتعدي القرار على السلطة التشريعية، هذا إذا افترضنا أن الغاية التي تغياها مصدر القرار -وهي تحقيق المصلحة العامة- كون عيب الغاية عنصراً نفسياً خفياً، ولذلك اعتبر الفقه هذا العنصر في القرار الإداري عنصراً احتياطياً، مع ملاحظة أن منح الإجازة الدراسية سلطة تقديرية للوزير المختص وكان بالإمكان توجيه الوزراء بتضييق العمل بهذا الاختصاص التقديري.
2. إن النقل والتنسيب أيضاً منظم بموجب القانون وبعض قرارات مجلس قيادة الثورة (المنحل)، ومنها القرار رقم (75) في 9/2/1989، وهي تقع ضمن الصلاحية التقديرية للإدارة، وممكن إيقاف أو الحد من استخدامها من صاحب الاختصاص بتوجيهات داخلية أو شفوية بدلاً من إصدار قرار تنظيمي يتعدى على اختصاص جهة إدارية أدنى وهي اختصاص الوزير. وكان الأحرى البحث عن أسباب رغبة الموظفين في النقل لتلك الوزارات والمتمثلة بسوء توزيع المخصصات؛ إذ إن بعض الوزارات لا تتقاضى أي مخصصات عدا المخصصات الواردة في قانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم (22) لسنة 2008 المعدل -كوزارة الثقافة على سبيل المثال لا الحصر- مقابل مخصصات موظفي وزارة النفط وموظفي مجلس الوزراء والرئاسات الثلاث التي تصل إلى نسبة تتراوح (100% - 500%) من الراتب الاسمي في بعض الوظائف، وهذا يؤشر عدم العدالة والموضوعية والشفافية في منح المخصصات، وحسب علمنا أخفقت اللجان المشكلة من قبل الحكومة لتلافي الاختلافات في الرواتب والمخصصات.
3. إن موضوع الابتعاث على حساب الدولة أيضاً منظم بموجب القانون، وبسبب عدم توفر التخصيص المالي ومنذ فترة ليست بالقليلة توجهت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى الزمالات الدراسية مع تحمل الجامعات المستضيفة كافة الأجور الدراسية، وهي أيضاً صلاحيات تقديرية للوزير المختص يمكن تنظيمها باتباع سياسات معينة للدراسة خارج العراق على حساب الحكومة العراقية، مع ملاحظة أن نقل خدمات الموظف الوظيفية لا تتم إلا بعد تأييد الوزارة المنقول إليها الموظف توفر التخصيص المالي بما يسد فرق الراتب بين الوزارتين، مع الإشارة للاستثناءات الكثيرة الممنوحة لفئات معينة من ضوابط نقل الخدمات وهي تمثل تراكمات لقرارات إدارية ومالية غير مخططة لفترة طويلة.
تنفيذ قوانين
4. إن مجلس الوزراء واستناداً للمادة (80/ثالثاً) من دستور 2005 يمارس اختصاص إصدار الأنظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين فقط، ولا يملك إصدار اللوائح (الأنظمة) المستقلة التي تتضمن قواعد موضوعية عامة ومجردة لها قوة التشريع، وبالتالي لا يجوز لمجلس الوزراء إصدار قرارات تخالف القوانين النافذة.
5. إن الوضع القانوني للحكومة بموجب القرار التفسيري الأخير للمحكمة الاتحادية العليا هي حكومة تصريف الأمور اليومية، والتي عرفتها المادة (42/ثانياً) من النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2019 المعدل بأنها: (ثانياً: يقصد بتصريف الأمور اليومية: اتخاذ القرارات والإجراءات غير القابلة للتأجيل التي من شأنها استمرار عمل مؤسسات الدولة والمرافق العامة بانتظام واضطراد، ولا يدخل من ضمنها مثلاً اقتراح مشروعات القوانين أو عقد القروض أو التعيين في المناصب العليا في الدولة والإعفاء منها أو إعادة هيكلة الوزارات والدوائر). وقد حاول البعض تبرير الخروج عن تصريف الأعمال اليومية بالظرف الطارئ الاقتصادي والتعكز على مشروعية الأزمات، في حين أن إعلان حالة الطوارئ من اختصاص مجلس النواب استناداً للمادة (61/تاسعاً) من الدستور. أما أمر السلامة الوطنية رقم (1) لسنة 2004 الذي أصدرته سلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة فيعالج حالة واحدة وهي حالة تعرض الشعب العراقي لخطر حالّ وجسيم يهدد الأفراد في حياتهم وناشئ عن حملة مستمرة للعنف يمنع تشكيل الحكومة أو المشاركة السياسية، ولم يتطرق إلى حالات الحرب والكوارث الطبيعية والأوبئة، ولا يمكن تطبيق هذا النص عملياً لعدم انطباقه من ناحية ولتعطله بصدور دستور 2005، وكان يفترض على مجلس النواب إصدار تشريع ينظم حالة الطوارئ في حال إعلانها.. والله ولي التوفيق.