برفقة أميرة بابلية

د. جليل وادي

2026-01-18 12:06

لا يحق لنا التفاخر بماضينا اذا لم نقم له اعتبارا، فما معنى أن نقول نحن من علّم البشرية القراءة والكتابة، ونقلها من الظلمة الى النور، وان أجدادنا أول من سن القوانين، وحولوا حياة الغابة الى مكان تسوده العدالة، في حين يقف حمورابي صاحب المسلة الشهيرة في ساحة تيبّست أرضيتها وتعطلت نافورتها، يعلوه التراب، حائرا لا يلقى اهتماما من العابرين، لم نكلف أنفسنا زرع شجرة او حتى وردة في ساحته، او في الطريق المؤدي لبوابة عشتار.

وقفت محبطا وانا أشرح لبناتي دور هذه المدينة في التاريخ، بينما تسللت الى وجوههن رغبة في مغادرتها، على عكس حماسهن العالي عندما اقترحت عليهن زيارتها، ومع ذلك أجبرتهن بطريقتي على دخولها برغم التردد. 

لمحت سهما يشير الى متحف نبوخذ نصر، ففرحت بأني سأريهن بعضا مما خلفه الأجداد، لكننا فوجئنا بأن المتحف مغلق، واصلنا المسير نحو القاعة الملكية، فلم نر ما يشير الى فخامة هذه التسمية، ليس سوى جدران ونفايات متناثرة خلفها، لا أحد موجود لنسأله عن بعض مشاغلنا، ولا وجود لإجراءات توحي بفخامة المكان وقدسيته الأثرية.

ذكّرني هذا بما رأيت في متحف اسطنبول الاسلامي الذي يرابط في مدخله فارس أنيق على صهوة جواد أدهم بملابس عثمانية، يتجمهر حوله السائحون لالتقاط الصور التذكارية، لا شيء في بابل سوى الجدران، ولم يضعوا شيئا يُلهي السياح، او يجعلهم يتأملون فيه، تعرقت خجلا من بناتي اللواتي دائما ما أحثهن على قراءة تاريخنا العظيم.

جلست القرفصاء على دكة القاعة الملكية وقد أغمضت عيني يائسا، فاذا بي أرى جنديين بابليين يقفان عند مدخل بوابة عشتار، وان مرشدة بزي الأميرات البابليات ترافق كل سائح يدخل المدينة، كم هي جميلة الأميرة التي تجولت معنا، شارحة لنا من على شاشة عملاقة معلقة قبالة القاعة الملكية شوارع وأزقة المدينة التي شغلت الدنيا بأسرها، وقالت: في نهاية كل اسبوع تستعرض سرية من الجيش البابلي في شارع الموكب، لذلك دعتنا الى الزيارة في هذا التوقيت، وأكدت بأنها ممتعة للغاية، لاسيما في وقت الغروب، لمت نفسي لعدم القيام بذلك، كما اقترحت الأميرة البابلية على العائلة تناول كأس من العصير البابلي الذي تقدمه حسناء لا تقل جمالا عن الأميرة التي ترافقنا، كم لذيذ هذا العصير بأكوابه الفخارية المطلية بلون فيروزي.

وأضافت: يمكنكم للانتقال الى المعابد ركوب عربتين ملكيتين لأن واحدة لا تكفيكم، ففيها ستشمون رائحة لم تعهدوها، وستلتقون بالكهنة، وسيخبروكم بما يجري في معابدنا، وكيف نقيم الصلوات، وستسمعون من التعويذات ما يجعلكم تعرفون كيف أهلنا يمارسون طقوسهم، وقد تعيشون في عالم غير مألوف لديكم.

أعجبت بناتي بالأميرة البابلية، وتعلقن بأذيال ثوبها الطويل، وأحطن بها كدوران طفل حول امه في سوق مزدحم، الى درجة ان كاميرا أحداهن امتلأت ذاكرتها لكثرة الصور التي التقطتها، فاستعارت موبايل اختها لإكمال توثيق الجولة، لطيف ركوب عربة يجرها حصان أشهب اللون، يقودها واقفا حوذي بلباس المعركة، وأكدت الأميرة بأن لديهم العديد من العربات.

لكنها فضلت ان نستقل عربة عسكرية من تلك التي قاتل بها البابليون أعدائهم لكي يسيطروا على العالم من حولهم، واستدركت ألم تسمعوا ان أحد ملوكنا لقب بملك الجهات الأربع؟. أمسكت ابنتي بكتف الحوذي، اذ كادت أن تسقط، صرخت امها بصوت عال، ففززت من حلم يقظتي، حينها وجدت نفسي قبالة قصر صدام الذي بناه على تلة عالية ابان الحرب مع ايران، تحيط بنا حقول (الطرطيع) والعاقول وأشجار زرعت بعشوائية، وجذوع نخل يابسة ملقاة على الأرض، بدا جليا التذمر والملل على وجوه بناتي، طلبت احداهن قنينة ماء، لكن لا أحد يبيعه في المكان الذي نحن فيه، والمسافة الى بوابة عشتار حيث الأكشاك صارت بعيدة.

وبما ان قصر صدام قريب، وجدت من المناسب أن يطلعن على القصر، لكن ذلك لم يتحقق، اذ خُط على لوحة معدنية تالفة بان القصر مغلق لأغراض الصيانة، عندها صرنا نبحث عن أقرب منفذ للخروج من المدينة، ولم يعني لنا شيئا رؤية أسد بابل.

ذات صلة

أسباب تراجع احترام الطلاب لمعلميهم.. وسبل معالجتهاجدلية الولاية الثانية والثالثةتاريخ طويل من الخيانةالحوار السياسي: بين ازمة النخب ونخب الازمةمقاربة بسيكوسوسيولوجية للكائن البشري عند ايريك فروم