اقتصاد يلفظ أنفاسه: على ماذا تراهن الحكومة المقبلة؟
مصطفى ملا هذال
2026-01-17 05:28
في ظل المؤشرات المتزايدة على تدهور الوضع الاقتصادي، وغياب سياسات حكومية محفزة قادرة على كبح التراجع أو إطلاق دورة نمو حقيقية، تجد الحكومة القادمة نفسها أمام اختبار مصيري، فماذا هذا الاختبار؟ هذا الاختبار يحتم عليها أمرين مهمين، هما إما إدارة الأزمة بعقلية تقليدية تُعمق الخسائر، أو تبني مسار إصلاحي شجاع يعيد للاقتصاد قدرته على النهوض، وفي هذا المقال نحاول رسم خارطة طريق واقعية لكيفية مواجهة الحكومة المقبلة للوضع الاقتصادي الراهن، مع تشخيص مكامن الخلل واقتراح أدوات قابلة للتنفيذ.
الخطوة الأولى التي لا يمكن تجاوزها هي ضرورة تشخيص الأزمة ومعرفة الأمراض التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، على الرغم من أن بعض الأعراض بدت واضحة منذ عقدين أو أكثر ومنها أو أهمها: إنه اقتصاد ريعي أحادي الاتجاه، يعتمد على النفط كمصدر وحيد للتمويل، وبالتالي هذا الاعتماد الكلي على المشتقات النفطية جعل منه اقتصاداً هزيلاً لا يقوى على مواجهة التحديات التي تعصف في المنطقة وتؤثر بشكل أو بآخر على النظم الاقتصادية في المنطقة وبضمنها العراق الذي يعد الأضعف من ناحية إدارته وليس موارده.
ولو انتقلنا إلى بقية الأعراض ستواجهنا أزمة تراجع ثقة القطاع الخاص نتيجة غياب الاستقرار التشريعي والمالي، وتضارب القرارات الحكومية، الأمر الذي جعل رؤوس الأموال تهرب إلى الخارج، دون وضعها في مشروعات استثمارية تدر بالأرباح وتعظم الحالة الاقتصادية بشكل أو بآخر. الخللان آنفا الذكر أديا إلى ارتفاع نسبة البطالة خاصة بين صفوف الشباب، من الخريجين وغيرهم، يقابل ذلك تضخم في التوظيف الحكومي غير المنتج، نتيجة ضغط الرأي العام وخوفاً من النزول إلى الشارع، كل هذه المقدمات قادت إلى نظام اقتصادي غير واضح المعالم، يزداد فيه الإنفاق الاستهلاكي بدلاً من الإنفاق الإنتاجي التنموي.
ومن دون الاعتراف الصريح بهذه المشكلات، ستبقى أي معالجات تقدم عليها الحكومة القادمة مجرد حلول شكلية، فهي مطالبة بتغيير فلسفة التعامل مع الاقتصاد، عبر الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل الاستباقي ويتحقق ذلك من خلال إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد؛ فالإصلاح لا يعني بالضرورة انسحاب الدولة بالكامل، بل تحولها من مشغل مباشر إلى منظم وداعم، لذا عليها القيام بوضع قواعد حماية المنافسة، وتوفير بيئة مستقرة، مع ترك مساحة أوسع للقطاع الخاص ليقود النمو.
بينما الإجراءات التقليدية التي اتبعتها الحكومة الحالية لا يمكن لها أن تنهض بالوضع الاقتصادي المتعثر، الأمر الذي يضع المعنيين أمام مسؤولية كبيرة تتمثل في رسم سياسات تحفيزية حقيقية لا شكلية، ذلك أن التحفيز الاقتصادي لا يقتصر على القروض أو الإعفاءات المؤقتة، بل يشمل تخفيض كلف الإنتاج بضمنها (الطاقة، الضرائب، الرسوم)، فضلاً عن تبسيط الإجراءات الإدارية وإلغاء التعقيدات غير الضرورية.
أمام الحكومة القادمة تحديات جمة يصعب السيطرة عليها أو مواجهتها، لكنها ليست كذلك إذا اعتمدت التنويع الاقتصادي وتبنته بشكل عملي وليس شعاراً عابراً، نقول هذا ذلك أن من أكثر العناوين تكراراً في الخطاب الحكومي هو "تنويع مصادر الدخل"، لكنه غالباً يبقى حبراً على ورق. الحكومة القادمة مطالبة بتحويل هذا شعار إلى خطة زمنية واضحة من خلال إحياء القطاعات المهملة مثل الزراعة والصناعة التحويلية، وربطها بسلاسل إنتاج وتسويق حديثة، كذلك دعم الاستثمار في الاقتصاد الخدمي (النقل، اللوجستيات، السياحة، التكنولوجيا)، وأخيراً إعطاء الاقتصاد الرقمي مساحة أكبر بوصفه أقل كلفة وأكثر قدرة على استيعاب الشباب.
أمام الحكومة المقبلة فرصة أخيرة لا تحتمل التأجيل، الوضع الاقتصادي الحالي لا يترك مجالاً للمناورة أو الحلول المؤجلة، فلم يعد أمامها سوى خيارين، إما الاستمرار في سياسات التسكين، وما يعنيه ذلك من تدهور أعمق، أو الشروع بإصلاحات مؤلمة لكنها ضرورية، تعيد للاقتصاد قدرته على التنفس ثم النهوض. ويبقى الرهان الحقيقي ليس على الموارد، بل على القرار السياسي، وعلى الشجاعة في مواجهة الواقع بدل الهروب منه.