حظر أستراليا غير المسبوق لوسائل التواصل الاجتماعي: تجربة حية للعلماء

Nature Masterclasses

2026-01-13 02:30

في الأسبوع الثاني من ديسمبر الماضي، غدت أستراليا أول دولة في العالم تحرم الأطفال دون سن السادسة عشرة من استخدام معظم منصات التواصل الاجتماعي. أثار القرار سخط الكثير من المراهقين في البلاد، لكنه يقدم لعلماء الاجتماع تجربة حية لدراسة آثار تحجيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على اليافعين.

وكانت شركات التكنولوجيا قد مُنحت عامًا كاملًا لابتكار وسائل لمنع المراهقين في البلاد من استخدام منصاتها، بما فيها «فيسبوك»، و«إكس»، و«رديت»، و«يوتيوب»، و«ثريدس»، و«سنابتشات». كما كان يتعين عليها أن تتخذ، اعتبارًا من يوم الأربعاء الموافق السابع عشر من ديسمبر الماضي، خطوات حازمة لمنع الشباب من إنشاء حسابات أو الاحتفاظ بحساباتهم القديمة، وإلا ستُواجه غرامات قد تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي (33 مليون دولار أمريكي). 

وبالفعل فرضت دول أخرى، من بينها فرنسا والدنمارك وأسبانيا، قيودًا على استخدام المراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي، أو أعلنت عزمها على ذلك، غير أن أيًّا من هذه السياسات لم يبلغ من الشمولية والاتساع ما وصلت إليه أستراليا، التي صرحت حكومتها بأن وسائل التواصل الاجتماعي تضر بالصحة النفسية للمراهقين، إذ تؤدي إلى فقدانهم للنوم نتيجة لتصميمها الباعث على الإدمان، كما تعرضهم لمحتوى ضار. غير أن بعض الباحثين يرون أن الأدلة على ضرر وسائل التواصل الاجتماعي غير حاسمة، إذ يشكل التواصل مع الأقران عبر الإنترنت نظام دعم حيوي لبعض الشباب، لا سيما أولئك المنتمين إلى الأقليات والمقيمين في المناطق النائية. تحدثت دورية Nature إلى الباحثين الذين سوف يتناولون آثار الحظر بالبحث والدراسة.

آفاق جديدة للبحث العلمي

سوزان سوير، طبيبة وباحثة متخصصة في صحة المراهقين بمعهد مُردوخ لأبحاث الأطفال بمدينة مِلبورن الأسترالية، مثلت بداية الحظر في الأسبوع الثاني من ديسمبر بالنسبة لها دخولها في المرحلة التالية من أبحاثها. فخلال الشهرين السابقين لبدء الحظر، حاورت سوير وزملاؤها 177 مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 13 و16 عامًأ حول استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي، والوقت الذي يقضونه أمام الشاشات الإلكترونية، وصحتهم النفسية قبل تفعيل الحظر. وتعتزم هي وزملاؤها إجراء استبيان للمراهقين مرة أخرى بعد ستة أشهر، لمعرفة ما إذا كان الحظر قد أثر على استخدامهم للمنصات أو على صحتهم النفسية. كما سيجري الباحثون استبيانًا لآباء المشاركين حول سوء استخدام أبنائهم للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

تشهد البحوث المعنية بالأمر أيضًا تعاونًا بحثيًّا آخر يجمع بين المعهد الأسترالي لبحوث الأطفال، وجامعة وسترن أستراليا، وجامعة إديث كوان، وجميعها تقع في مدينة بيرث، والذي سوف يدرس ما إذا كان الحظر يطرح تحديات تربوية جديدة أمام الآباء وما هي الصراعات الأسرية التي قد تنشأ نتيجته.

ومن جانبها ترى آماندا ثيرد، الباحثة بجامعة ويسترن سيدني بأستراليا المتخصصة في تتبع أنماط استخدام الأطفال للتكنولوجيا، أن هذا الحظر يفتح نافذة لجمع معطيات حول أثر السياسات التي تضيق الخناق على وصول اليافعين إلى الإنترنت وفضاءات التواصل الاجتماعي. وهي تعتزم دراسة أنماط انخراط المراهقون في التكنولوجيا والإنترنت، والكيفية التي قد تشهد بها تفاعلاتهم المباشرة وجهًا لوجه تحولًا في أعقاب الحظر.

لكنها ترى أنه قد يصعب تحديد ما إذا كانت أية تغييرات تطرأ هي نتيجة مباشرة للحظر أم لأسباب أخرى، كالسياسات التي تهدف إلى جعل الإنترنت أكثر أمانًأ: فمثلًا، كان من المزمع في وقت لاحق من شهر ديسمبر الماضي، أن تطبق على شركات التكنولوجيا معايير صناعية جديدة تهدف إلى حماية الأطفال من التعرض لمحتوى جنسي صريح أو عنيف على الإنترنت. لكنها تستدرك قائلة إن حظر وسائل التواصل الاجتماعي قد يضعف بعض الجهود المدروسة الرامية إلى بقاء الأطفال على هذه الوسائل مع جعل تجربتهم آمنة ومثمرة: "يرمي الحظر إلى إبعاد الأطفال عن هذه المنصات بالمرة".

يقول زاره غازاريان، الباحث في العلوم السياسية من جامعة موناش في ملبورن، الذي يتناول بالبحث دور وسائل التواصل الاجتماعي في التشكّل السياسي لدى المراهقين، إن المنصات الرقمية قد تشكل قناة مهمة لانخراط المراهقين في الشأن السياسي. ويضيف أن المعلمين يمكنهم أن يتخذوا من القضايا المعاصرة، والمناظرات السياسية، ومسائل السياسات العامة المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي مادة للنقاش داخل الفصول. والآن، وبعد دخول الحظر حيز التنفيذ، يعتزم محاورة المعلمين لاستجلاء أثره على معارف الطلاب السياسية، والوقوف على المنصات البديلة التي قد يلجأون إليها. ويستطرد غازاريان قائلًا: "إن جزء لا يتجزأ من العملية التعليمية يتمثل في القدرة على التفاعل مع قضايا وأفكار قد لا تتطرق لها المناهج الدراسية - وهذه هي القيمة التي كانت وسائل التواصل الاجتماعي تضيفها".

عواقب غير مقصودة

يدرس دانيل أنجس، الباحث بجامعة كوينزلاند للتقنية في مدينة بريزبن الأسترالية، تأثير التكنولوجيا على المجتمع، ويشمل بحثه تجارب الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي. وسيركز الآن على دراسة الكيفية التي سوف يحافظ الشباب بها على اتصالهم بمجتمعاتهم، وما إذا كانوا سيحاولون الالتفاف حول الحظر والتحايل عليه. فيقول: "نرصد مؤشرات مثل تنزيلات التطبيقات واستعلامات البحث"، بغرض تتبع ما إذا كان المراهقون سوف ينتقلون إلى منصات لا يشملها القانون الجديد. ويضيف: "نعلم، على سبيل المثال، أن تطبيقي «ليمون8» Lemon8 (لتبادل الفيديوهات والصور) و«يوب» Yope (لمشاركة الصور ضمن مجموعات خاصة) يشهدان إقبالًا واسعًا في التنزيل في الوقت الراهن، وعلى مدار الأسبوعين السابقين لتطبيق الحظر". ويفيد تتبع المنصات التي يلجأ إليها المراهقون، ومعرفة خصائصها، الباحثين في إعداد موارد إرشادية للمراهقين وأولياء أمورهم، فينعمون بتجارب مثمرة وآمنة على هذه المنصات.

لكن أنجس يستدرك قائلًا إن الحظر قد صعّب بعض الجوانب الأخرى في بحثه. ففي إطار مشروع مدته خمس سنوات، استخدم أنجس حسابات وهمية على موقع فيسبوك لرصد سبل الترويج للمشروبات الكحولية عبر الإنترنت. وقد أُلغيت هذه الحسابات مؤخرًا، ولم يعد بإمكانه إنشاء حسابات جديدة بسبب إجراءات التحقق التي فرضها فيسبوك لمنع المراهقين من إنشاء حسابات، مثل اشتراط تقديم رخصة قيادة أو وثيقة حكومية أخرى لإثبات الهوية. فيردف قائلًا: "لقد قُوضت تمامًا قدرتنا على إنشاء وإدارة هذه الحسابات، التي كانت بالغة الأهمية من منطلق الصحة العامة والمعلومات العامة والرقابة".

نظام مراقبة السلامة

سوف تتولى مفوضة السلامة الإلكترونية المستقلة eSafety commissioner في أستراليا، جولي إينمان جرانت، مراقبة ورصد كيف يؤثر الحظر على الأطفال. وكل من ثيرد وسوير عضوتان في لجنة من الخبراء تقودها جامعة ستانفورد في كاليفورنيا، تتولى الإشراف على تقييم الحظر على مدار عامين، نيابة عن مفوضة السلامة الإلكترونية.

تقول ثيرد إن اللجنة سوف تعمد إلى رصد ما إذا كان الأطفال يقضون وقتًا أطول في الأنشطة الخارجية، أو يشعرون بالارتباط بأقرانهم، أو يشعرون بمزيد من الأمان على الإنترنت، أو أصبحوا أكثر استعدادًا للتعامل مع المعلومات المغلوطة والمضللة.

ذات صلة

الاحتجاجات الشعبية في ايران.. بين خيارات النظام والخيارات الامريكيةبین مهانة النفس وكرامتهاالإبقاء على النظام القائم في العراقالاحداث في ايران و رؤية ما خلف النيرانصورةٌ غير شخصيَّة لرئيس الوزراء المقبل