الفرص المسروقة: حين يغتال المالُ كفاءةَ الجهد
د. حنان محمود عبد الرحيم
2026-01-12 04:48
أحيانًا نجد أنفسنا واقفين صامتين، نشاهد ما يجري أمام أعيننا، ونشعر بوجع لا يمكن لأي كلمة أن تعبّر عنه. نقف أمام مشهد يفضح التناقض بين ما نعلمه من قيم وما نراه واقعًا حيًّا: الفرص التي يُفترض أن تُمنح على أساس الجهد والكفاءة تتحوّل فجأة إلى امتياز مرتبط بالمال أو النفوذ، فيما يُهمش أصحاب الاستحقاق الحقيقي بصمت ثقيل.
في هذا المشهد، ترى الشباب الذين يسهرون الليالي، يكتبون، يبدعون، ويقدمون أعمالهم بجهد حقيقي، ينتظرون فرصة عادلة لتقدير عطائهم. وفي المقابل، يظهر من يمتلك المال أو العلاقات، ويستغل هذه الوسائل ليحصل على المكان والاعتراف، وكأن الطريق إلى النجاح أصبح مختصرًا بالجيب أو الشبكة الصحيحة، لا بالموهبة والمثابرة.
الأكثر إيلامًا أن هذا الانحراف لا يقتصر على منح الفرص للنشر أو المشاركة، بل يمتد إلى منح الشهادات والاعتمادات الأكاديمية. فغالبًا ما يحصل البعض على شهادات تقدير أو اعتماد علمي ليس بناءً على استحقاقه، بل بناءً على نفوذه أو قدرته على الدفع، فيما يُحرَم من بذل الجهد من عمل واجتهاد، وتبقى إنجازاته بلا شهادة توازيها. هنا تتحوّل الشهادة نفسها إلى سلعة، وليس دليلاً على الكفاءة والمعرفة، وتضيع الرسالة الأساسية للتعليم: تكافؤ الفرص وتحقيق العدالة العلمية.
وغالبًا ما يُغلّف هذا الانحراف بخطاب مثالي، يظهر وكأن المؤسسات تدعم الشباب وتشجع الإبداع، بينما الواقع يفضح التمييز الواضح.
المثالية الزائفة تتحوّل إلى قناع، والخطاب الأخلاقي إلى واجهة تُخفي الفجوة بين الكلام والفعل. الصمت أمام هذا الواقع يترك أثره العميق، إذ الإحباط يتسلّل إلى صفوف الشباب، ويضعف ثقتهم بأن جهدهم سيُقدَّر ويُكافأ بالشكل الصحيح.
هذا المشهد يعلمنا شيئًا مهمًا: الوعي لا يُشترى، والإبداع الحقيقي لا يُقيد بالمال ولا يُقهر بالعلاقات، والشهادات التي تُمنح دون استحقاق تفقد معناها وتؤذي قيمة الاجتهاد. الصمت أمام الظلم أحيانًا يمنحنا فرصة للملاحظة، للفهم، ولتمييز القيم الحقيقية عن الزيف، وللتخطيط لوقت يكون فيه صوت الحق أقوى وأكثر تأثيرًا.
المشهد الصامت يصبح شهادة، والوعي المكتسب من الوقوف والملاحظة لا يضيع، بل يُترجم لاحقًا إلى موقف أكثر قوة وجرأة.
الوقوف صامتين أمام الظلم ليس استسلامًا، بل لحظة صادمة من الإدراك. لحظة تحدد الفرق بين من يعرف قيمته وبين من يبيعها، وبين من يصر على الحقيقة وبين من يختبئ خلف القناع. المجتمعات التي تحافظ على العدالة في الفرص، سواء في العمل الأكاديمي أو في منح الشهادات، تحمي مستقبلها الثقافي وتضمن أن يبقى الجهد الحقيقي مرجعية لا تُمحى.
في نهاية المطاف، كل موقف صامت أمام الظلم أو أمام منح شهادات بلا استحقاق هو فرصة للتأمل، للتعلم، ولإعادة تقييم ما نعتبره عدلاً ومثالية. الوقوف والملاحظة، رغم صمتها، قادرة على بناء وعي أكبر وترك أثر طويل الأمد على من يقدّر العمل الحقيقي ويؤمن بالجهد قبل المال والعلاقات.
إن استمرار تحويل "الكفاءة" إلى "سلعة" يضعنا أمام سيناريوهين لا ثالث لهما؛ فإما أن ننزلق نحو "مجتمعات الشهادات الجوفاء"، حيث تتآكل الثقة في المؤسسات الأكاديمية والثقافية، مما يؤدي إلى هجرة العقول الحقيقية نحو فضاءات بديلة تحترم الجهد.
أما الاحتمال الأكثر تفاؤلاً، فهو بروز "ثورة الوعي المستقل"، حيث ستجبر الفجوة بين "حامل الشهادة" و"صاحب المهارة" سوق العمل والواقع الثقافي على تهميش الأوراق الرسمية المشتراة، والاعتماد الكلي على "الاستحقاق الفعلي" الذي لا يمكن تزييفه خلف الشاشات أو في قاعات الاحتفالات. مستقبلاً، قد نشهد ولادة أنظمة تقييم تعتمد على "البصمة الإبداعية الموثقة" (Blockchain of Talent)، التي تجعل من العلاقات والمال مجرد ضجيج أمام عبقرية الإنجاز الحقيقي، ليعود للجهد قدسيته، وللشهادة قيمتها كمؤشر معرفي لا كعقد شراء.