رسائل فنزويلا
حسين علي الحمداني
2026-01-12 04:45
قبل أن يكمل عامه الأول من دورته الثانية في البيت الأبيض قام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوضع العالم أمام حالة خطرة جدا تمثلت باعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته ونقلهما إلى أميركا في عملية عسكرية استخبارية، استعرضت فيها الولايات المتحدة قوتها أمام العالم موجهة رسائل عدة، سواء لأعدائها أو حتى لحلفائها، الذين اكتفى الكثير منهم بالصمت وفي أحسن الأحوال إصدار بيانات قلق بشأن ما حدث.
ونجد أن ما قامت به إدارة ترمب هو خرق كبير للقانون الدولي يعكس محاولتها تسيير العالم وفق ما تراه بغض النظر عن مدى مقبولية ذلك من المجتمع الدولي من جهة، وتقاطعه مع القوانين الدولية ومفهوم سيادة الدول من جهة أخرى، وبالتالي نجد إن ترمب الذي ما غاب يوما عن وسائل الإعلام نصب نفسه رئيساً للعالم بكافة قاراته.
والجانب الآخر ضربه لكل قرارات المجتمع الدولي وفي مقدمة ذلك قرار الجنائية الدولية بإصدار مذكرة توقيف بحق رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو، ومع هذا نجده يستقبله في البيت الأبيض لمرات عديدة وهو ما يعكس إزدواجية ترمب كرئيس وأميركا كدولة عظمى في التعامل مع قضايا العالم.
ويمكننا القول إن أميركا تحاول إعادة رسم العالم وتوزيع مناطق النفوذ بين الدول العظمى ذات القوة العسكرية والاقتصادية، ونقصد هنا الصين بوصفها منافسا اقتصاديا كبيرا لها ولروسيا القوة العظمى الثانية عسكرياً وبالتالي نجد أن تحركات ترمب ومغامراته غالباً لم تكن مفاجأة لبكين وموسكو، بل تنسجم أحيانا كثيرة مع رغباتهم في رسم خرائط جديدة للعالم، حيث موسكو التي تحاول ضم جزء من أوكرانيا وفق خطة سلام قدمتها الإدارة الأميركية وبالتأكيد مقابل مكاسب أميركية في بقع عديدة من العالم، سواء في الشرق الأوسط أو في أميركا اللاتينية التي تريدها واشنطن خالصة لها دون سواها.
أما الصين القوة الاقتصادية الكبرى تتطلع هي الأخرى لعدم المساس بشركاتها العاملة في مجال النفط والطاقة في العديد من دول العالم، سواء في أميركا اللاتينية أو الشرق الأوسط هذا من الناحية الإقتصادية، أما من الجانب السياسي والعسكري نجد إن بكين عينها على تايوان التي تدعمها أميركا بشكل أو بآخر لكنها لا تقيم علاقات دبلوماسية معها مما يعني إبقاء الأبواب مفتوحة أمام بكين لإستعادة تايوان.
وقد يسأل البعض أين هي أوروبا من كل هذا؟ نجد أن الدول الأوروبية استنزفت مواردها بدعم أوكرانيا مادياً وعسكريا من جهة، ومن جهة ثانية جعلها خصماً لموسكو وتشعر الكثير من هذه الدول بأن روسيا اليوم تشكل خطراً كبيراً على أمنها وبالتالي تجد نفسها مضطرة للبقاء خلف أميركا لحمايتها من خطر روسيا، حتى وإن تطلب الأمر التضحية بجزء من أوكرانيا وهو ما قد يحصل، لنجد أن الرابح الأكبر من كل هذه الصراعات هي موسكو واشنطن وبكين. وبالتالي نجد أن العالم اليوم يُعاد صياغته بشكل جديد على غرار ما حصل بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.