مخاطر الإخلال بالآداب العامة على الحقوق والحريات
د. علاء إبراهيم محمود الحسيني
2026-01-08 02:51
تعرف الآداب العامة بأنها مجموعة من القواعد السلوكية والعرفية المتصلة بالجوانب الروحية أو المعنوية والأخلاقية، فهي قيم معنوية متوارثة أو مكتسبة متعارف عليها في زمان ومكان معينين، والغالب تعلقها بالاحترام المتبادل والحشمة والوقار والذوق العام، وهي تتعلق بالسلوكيات والممارسات في الأماكن العامة (مثل عدم التزاحم أو التلفظ بألفاظ غير لائقة)، والآداب العامة الغالب فيها تربوي وأسري وقيمي يتعلمها الإنسان في أسرته ومدرسته ومجتمعه.
وهي نسبية تتفاوت وتختلف باختلاف ظروف الزمان والمكان، وهي جزء لا يتجزأ من النظام العام المعبر عن المصالح العليا المشتركة في المجتمع والدولة، كما أنها تمثل جزءً من الأخلاق الاجتماعية التي نشأت عن طريق الأعراف التي توافق عليها الأفراد، والمشرع العراقي أو المشرع في أغلب دول العالم كثيراً ما يشير إلى الآداب بوصفها معيار لتميز السلطات العامة من خلاله السلوكيات المباحة أو المجرمة والتي تمثل عدواناً على المصالح العامة أو الخاصة محل الاعتبار القانوني والاجتماعي، فلا يرتبط مفهومها بالدين كما يتصور البعض.
دليل ما تقدم أن الدول اللادينية أو التي تعتنق الديانات الأرضية تعنى في تراثها الشعبي والقانوني بالآداب العامة كثيراً وتجرم السلوكيات المخلة بالشرف أو الاعتبار كالتواجد في محل غير لائق أو عدم إظهار الاحترام لأفراد الأسرة أو كبار السن أو المعلمين، ويستهجن المجتمع سائر التصرفات غير اللائقة من الظهور بمظهر أو ممارسة بعض المهن أو التلفظ بأقوال معينة وما شاكل ذلك.
ومن نافلة القول ان الآداب العامة جزء أساسي من النظام العام، لكنها أوسع منه لتعلقها بالجوانب المعنوية والروحية والاعتبارية وليس القانونية فحسب كما إنها لا تنفك عن الذوق العام فالنظام العام يتمثل بحماية المصالح العامة المتصلة بكيان الدولة والمجتمع من: (أمن عام، وصحة، وسكينة أو استقرار)، والأصل تعلق الآداب بالجوانب الأخلاقية السلوكية لذا هي مفهوم متحرك ونسبي ولا يوجد معيار ضابط من خلاله يمكن تحديد ما يخالفها أو يوافقها لذا جرى العمل على ترك الأمر للقضاء هو من يحدد مفهوم المخالفة ويقايسها بالعرف المكون للعادة الأدبية، ومن ثم يعاقب أو يعفي مرتكب الفعل في ضوء ما تقدم مع مراعاة مستلزمات حماية الحريات وعدم تحول تلك المقايسة إلى وسيلة لمصادرتها أو تقييدها بلا مسوغ قانوني واجتماعي معتبر، ومن الواضح ان للأخلاق العامة أهمية مضاعفة لكونها تضمن الاحترام اللازم للفرد والآخرين، وحسن التعامل مع الأغيار وتساعد في استمرار العلاقات الإنسانية في إطار من الود والاحترام.
ومن المؤكد ان الأخلاق العامة تؤدي دوراً محورياً في سعادة الفرد والمجتمع وتحقق للجميع الشعور المتأصل بالتضامن والتعايش لذا هي تؤدي وظائف مهمة على رأسها:
1- تعزيز العيش المشترك والتعاون الاجتماعي: إن الآداب العامة تسهم وبالدرجة الأساس في بناء التضامن الاجتماعي وتعزز أواصر العلاقات الإنسانية الإيجابية بين الأفراد، فحينما يقف الجميع عند حدود الحياء والعفة يكون المجتمع فاضلا يتنسم الفضيلة وينبذ كل أنواع الرذائل أو صور السلوكيات التي لا تتفق مع القيم الفردية والأسرية والاجتماعية التي يألفها الفرد، فتعزيز الاحترام المتبادل مقدمة صالحة للعيش السلمي المشترك.
2- بناء الشخصية الفردية الصالحة: إن القيم والفضائل معاني روحية ومعنوية تتضمن معاني إنسانية عميقة، ولا قيمة لها ان كانت مجرد كلمات تجري على الألسن ما لم تتحول إلى واقع وسلوك يومي يعيشه الفرد والأسرة، فتصلح السريرة وعندها فقط ستكون السيرة صالحة بكون الفرد له سمعة طيبة تتداولها الألسن ويستشهد بها الصلحاء والمصلحين، بمعنى ان القيم تؤثر في التكوين الفردي واسهم في صقل الشخصية الفردية.
3- القيم الأخلاقية ولا شك تعزز الانتماء الثقافي: فمن الواضح ان كل فرد يعتز بانتمائه الأسري والاجتماعي والديني والثقافي بل يكلل ما تقدم الانتماء الحضاري الذي يشكل المساحة الأكبر في شخصية الفرد، فعلى سبيل المثال الحضارة الإسلامية أو الحضارة العربية قائمة في جزء كبير منها على الاعتزاز بالقيم الأخلاقية التي امتدحها القرآن الكريم وحث عليها النبي محمد صل الله عليه واله وسلم، كحسن الجوار وإغاثة الملهوف وإكرام الضيف وصون حرمة الجار، والعراق والشعب العراقي جزء أصيل من هذه القيم الحضارية والإنسانية النبيلة التي تمثل معياراً حاسماً في تمييز الإنسان العربي عمن سواه، والإنسان العراقي عن غيره والتراث القيمي يعج بالأمثلة التي يضيق الوسع لذكرها.
4- القيم الأخلاقية من شأنها ان تعزيز الانضباط الاجتماعي: الآداب العامة تسهم في بناء النموذج الصالح وتشكل الرافد الأساسي للقيم الاجتماعية الأصيلة فتعزز الانضباط الاجتماعي في السلوكيات الفردية والجماعية ويكرس ما تقدم اقتران السلوك بالوعي والقناعة وعدم التصنع إذ يقدم الفرد على ما تقدم عن قناعة وشعور بالمسؤولية إزاء الإرث الأخلاقي للوطن.
5- تعزز القيم الثقافية الثقة العامة بين أفراد المجتمع: فعلى سبيل المثال حين يشير النبي محمد صل الله عليه واله وسلم إلى أن، من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إشارة بالغة الوضوح إلى دور القيم الأخلاقية في تكريس الثقة بين الأفراد ودعوة لجعل المجتمع كالجسد الواحد، كما ان التراث الإسلامي يكرس الثقة في الفرد المسلم من خلال اعتماد تصرفاته وإعماله واعتبارها مباحة بالقدر اللازم لصون الثقة بشخصه.
لما تقدم يمكننا القول وبكل ثقة ان الآداب العامة تمثل الركيزة الأساسية في بناء المجتمع المترابط المنسجم وبالنتيجة هو شرط لتحقيق الازدهار والتقدم والترقي في مراتب التعامل الإنساني، وقد حرص المشرع العراقي في العديد من التشريعات على تأكيد أهمية الأخلاق والآداب العامة بوصفها الركن الشديد الذي يقوم عليه المجتمع وبه يمكن فقط ان يتحقق العيش الكريم للفرد والأسرة العراقية، وقد ترجم الدستور العراقي للعام 2005 ما تقدم في العديد من النصوص نذكر منها المادة (17/أولاً) التي تؤكد أن ((لكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية بما لا يتنافى مع حقوق الآخرين والآداب العامة)) كما تنص المادة (38) على أن ((تكفل الدولة وبما لا يخل بالنظام العام والآداب: حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر، حرية الاجتماع والتظاهر السلمي)).
والنصوص المتقدمة ظاهرة العلة والدلالة على ان الحقوق والحريات مكفولة ومصونة شرط ان لا تتعارض مع الآداب العامة وحين ننظر بعين فاحصة إلى بعض السلوكيات الفردية في الكثير من المدن والمحافظات نأسف لما نلاحظه أحياناً من انتهاك للقيم الأخلاقية التي توارثها العراقيون لآلاف السنين، نعم هي لا تعدو إلا أن تكون ممارسات فردية ومحدودة وفي الغالب تنجم في أوقات تخالطها أجواء الاحتفال بمناسبة معينة، إلا أنها بالوقت عينه تدق ناقوس الخطر بأن أمراً ما يحصل لهذه الفئة من الناس وأن القادم قد يكون أكثر جسامة تهديدا للقيم الأخلاقية.
ومن وجهة نظر شخصية ان قانون العقوبات العراقي بوصفة المترجم للحماية الرسمية للقيم الاجتماعية لم ولن يكون رادعاً في مثل هذه الأحوال لتقادم مفاهيمه العامة والسياسة التشريعية المتبعة لم تعد تتوافق مع معطيات العصر الحالي، الذي يشهد حضوراً لافتاً للأفراد على مواقع التواصل الاجتماعي والكم المهول من المواقع التي تبث المواد المفسدة للأخلاق أو التي تعلم وتبث قيماً غريبة عن مجتمعاتنا الطيبة، فجل المواد التي تبث في مواقع بعينها تمهد الطريق للانتفاض على القيم الأدبية والأخلاقية التي تربى عليها الآباء وورثوها إلى الأبناء.
لذا هي دعوة للجميع إلى الوقوف بوجه الهجمة التي تهدد قيم مجتمعنا العراقي الأصيل، ونذكر بما أورده قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 من حماية مناسبة لحرمة الآداب العامة بالمادة (401) التي تنص على ((يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على خمسين دينارًا أو بإحدى هاتين العقوبتين من أتى علانية عملا مخلا بالحياء))، وتضيف المادة (402) أن ((يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبغرامة لا تزيد على ثلاثين ديناراً أو بإحدى هاتين العقوبتين: من طلب أمورًا مخالفة للآداب من آخر ذكراً كان أو أنثى، من تعرض لأنثى في محل عام بأقوال أو أفعال أو إشارات على وجه يخدش حياءها، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر والغرامة التي لا تزيد على مائة دينار إذا عاد الجاني إلى ارتكاب جريمة أخرى من نفس نوع الجريمة التي حكم من أجلها خلال سنة من تاريخ الحكم السابق))، وبينت المادة (403) أن ((يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تزيد على مائتي دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من صنع أو استورد أو صدر أو حاز أو أحرز أو نقل بقصد الاستغلال أو التوزيع كتابا أو مطبوعات أو كتابات أخرى أو رسوما أو صوراً أو أفلاما أو رموزاً أو غير ذلك من الأشياء إذا كانت مخلة بالحياء أو الآداب العامة، ويعاقب بالعقوبة ذاتها كل من أعلن عن شيء من ذلك أو عرضه على أنظار الجمهور أو باعه أو أجره أو عرضه للبيع أو الإيجار ولو في غير علانية، وكل من وزعه أو سلمه للتوزيع بأية وسيلة كانت، ويعتبر ظرفا مشددا إذا ارتكبت الجريمة بقصد إفساد الأخلاق)).
وكذا الأمر بينت المادة (404) بأن ((يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تزيد على مائة دينار كل من جهر بأغانٍ أو أقوال فاحشة أو مخلة بالحياء بنفسه أو بواسطة جهاز آلي وكان ذلك في محل عام))، إلا إننا نؤكد يقينا ان ما تقدم ليس إلا نصف الحل ويكمن النصف الآخر في وعي الفرد والأسرة والمجتمع العراقي.