بين اعتقال صدام حسين واعتقال نيكولاس مادورو: مقارنة في الشرعية والسياق والنظام الدولي
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-01-06 04:23
يثير اعتقال رئيس دولة من قبل قوة عسكرية أجنبية أسئلة جوهرية تتجاوز الأشخاص لتلامس بنية النظام الدولي نفسه، وحدود الشرعية، ومعنى السيادة في عالم يدّعي الانضباط للقانون الدولي، وتبرز المقارنة بين اعتقال صدام حسين واعتقال نيكولاس مادورو بوصفها مقارنة كاشفة لاختلاف السياق لا تشابه الفعل، ولتباين المعنى الحضاري بين حدثين قد يبدوان ظاهريًا متقاربين.
اعتقال صدام حسين جرى في سياق حرب شاملة أدّت إلى انهيار الدولة العراقية وسقوط مؤسساتها ووقوع العراق تحت الاحتلال العسكري الكامل، وهو سياق استثنائي تعطّلت فيه السيادة فعليًا، وأصبحت القوة العسكرية هي السلطة الواقعية الحاكمة، ورغم أن شرعية الحرب نفسها كانت موضع نزاع دولي واسع، فإن اعتقال رئيس نظام مهزوم جرى بعد انهيار الدولة لا قبل ذلك، كما أن محاكمته تمت أمام محكمة عراقية أُنشئت داخل الإطار الوطني، بغضّ النظر عن مستوى استقلالها أو عدالتها، وهو ما يجعل الواقعة، من حيث الوصف القانوني، مرتبطة بسياق دولة محتلة لا بدولة قائمة.
وكان من الممكن – بل من الضروري في التحليل القانوني – النظر إلى التعامل مع صدام حسين بوصفه تعاملًا مع مجرم حرب مفترض في سياق ما بعد النزاعات الكبرى، على نحو يشبه، من حيث المبدأ لا من حيث الكمال، ما جرى مع القادة النازيين بعد الحرب العالمية الثانية، إذ خضعوا لمحاكمات علنية ضمن إطار قانوني استثنائي أُنشئ للتعامل مع جرائم كبرى هزّت الضمير الإنساني، كما في محاكمات نورمبرغ التي استهدفت القيادة النازية بعد هزيمتها العسكرية الكاملة وسقوط دولتها وانتهاء الحرب رسميًا، وهو ما منح تلك المحاكمات – رغم ما شابها من إشكالات – قدرًا من الشرعية التاريخية بوصفها جزءًا من تسوية عالمية أعقبت صراعًا كونيًا شاملًا، لا إجراءً أحاديًا نفذته دولة واحدة خارج إطار الإجماع الدولي.
في المقابل، يأتي اعتقال نيكولاس مادورو في سياق مختلف جذريًا، إذ إن فنزويلا دولة قائمة ذات سيادة، لم تُهزم عسكريًا، ولم تتعرض لاحتلال شامل، ولا تزال تمتلك مؤسسات فاعلة وجيشًا وتمثيلًا دوليًا، ويمثّل قيام قوة عسكرية أجنبية باعتقال رئيسها ونقله لمحاكمته داخل الولايات المتحدة خروجًا صريحًا عن مبدأ سيادة الدول، وخرقًا مباشرًا لقواعد الاختصاص القضائي، وغيابًا لأي تفويض أممي يضفي حدًا أدنى من الشرعية الإجرائية.
الفرق الجوهري هنا لا يكمن في طبيعة التهم ولا في تقييم الأنظمة السياسية، بل في طبيعة النظام الدولي الذي يُفترض أن يحكم العلاقات بين الدول، فحالة صدام حسين تمثل كسرًا استثنائيًا للنظام الدولي في لحظة فوضى كبرى أعقبت حربًا واحتلالًا، أما حالة مادورو فتمثل تطبيعًا لهذا الكسر وتحويله إلى سابقة قابلة للتكرار، بما يعني الانتقال من عالم تحكمه القواعد – ولو بشكل معيب – إلى عالم تحكمه القوة بوصفها مصدرًا للشرعية.
من منظور الدولة الحضارية الحديثة، لا تُقاس الشرعية بالنتائج ولا بالأشخاص، بل بالمبادئ الحاكمة، وفي مقدمتها مبدأ السيادة، والمسؤولية الدولية، واحتكار الشرعية القضائية ضمن أطر قانونية معترف بها، وعليه فإن محاسبة أي رئيس دولة، مهما كانت الاتهامات الموجهة إليه، لا يمكن أن تكون فعلًا حضاريًا إذا جرت عبر القوة العسكرية الأحادية، خارج المحاكم الدولية، ومن دون توافق دولي واضح، لأن ذلك يهدم الأساس الأخلاقي والقانوني للنظام الدولي، ويحوّل العالم إلى ساحة مفتوحة لمنطق الغلبة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن اعتقال صدام حسين كان نتاج انهيار الدولة في لحظة حرب، أما اعتقال نيكولاس مادورو – إن استُكمل مساره – فهو إعلان عملي عن انهيار القواعد ذاتها التي يفترض أن تحمي الدول من هذا المصير، وهو فارق حضاري حاسم لا يجوز القفز عليه أو تبريره تحت أي ذريعة سياسية أو أخلاقية.