شراء الذمم يجهض الهمم

د. جمانة جاسم الاسدي

2025-11-29 04:29

في كل موسم انتخابي تتجدد الآمال بولادة طبقة سياسية جديدة تعبّر عن إرادة المواطنين وتطلّعاتهم نحو الإصلاح، غير أنّ هذه الآمال غالبًا ما تصطدم بواقع آخر أكثر قسوة، واقعٍ تُهيمن عليه شبكات النفوذ المالي التي تحوّل الاقتراع والذي من المفترض أن يكون أداة للتغيير إلى صفقة يشترى فيها الصوت، وتُصادر فيها الإرادة، ويُحبط فيها المشروع الإصلاحي من جذوره.

إنّ ظاهرة شراء الذمم الانتخابية لم تعد سلوكًا هامشيًا أو حالات فردية، بل تحوّلت إلى نظام ظلّ يوازي العملية الانتخابية الرسمية، ويعيد تشكيل النتائج قبل أن يدخل الناخب إلى صناديق الاقتراع، فمن حيث المبدأ، يفترض في الصوت الانتخابي أن يكون تعبيرًا حرًا عن قناعة سياسية شخصية، لكنه في ظل المال السياسي يتحول إلى مورد اقتصادي قابل للشراء، فتُختزل العملية الديمقراطية إلى تبادل مالي ذممي مباشر.

ويقوم هذا السلوك على ثلاثة مرتكزات، أولها حامل المال السياسي وهو المرشح أو الجهة التي تمتلك قدرة مالية ضخمة تسمح لها بالتأثير، وثانيها حالة العوز أو الحاجة لدى شرائح اجتماعية واسعة، ما يجعل بعض الناس يرون في الانتخابات فرصة للحصول على مبلغ سريع، وثالثها ضعف الدولة في إنفاذ القانون، وغياب الرقابة الفعلية على مصادر الإنفاق الانتخابي، بهذا المعنى يتحول الناخب من فاعل سياسي إلى مستهلك نخبوي، ويتحول المرشح من ممثل لمشروع اصلاحي إلى تاجر أصوات اباحي.

بالإضافة إلى ذلك فأن تأثير المال السياسي لا يقتصر على تزوير إرادة الناخب، بل يمتد إلى إقصاء أي مرشح شريف أو كفوء لا يمتلك قدرات مالية كبيرة، ويمكن تلخيص آثار ذلك بقتل المنافسة النزيهة حين يضخ المال السياسي في الأيام التي تسبق الاقتراع، لتصبح المعركة غير متكافئة، أما المرشح النزيه يدخل المنافسة بحقيبة مشروع وبرنامج، بينما يدخل الآخر بـحقيبة مالية، وهو ما يُسقط المعايير الحقيقية للقيادة.

حينها يشعر المواطن الذي يرى الأصوات تُشترى بأن العملية برمتها مجرد مسرحية، وهذا الإحباط الاجتماعي يترجم بـعزوف عن المشاركة السياسية، وإحساس عميق بأن التغيير مستحيل، وقناعة تامة بأن من لا يدفع… لا يصل.

فالممارسات المالية تضمن بقاء أصحاب النفوذ في مواقعهم، ليتم إجهاض أي محاولة لخلق دورة سياسية جديدة، فتكون النتيجة استمرار نفس السياسات، نفس الأخطاء، ونفس الإخفاقات، من نفس الوجوه.

ومن المسلمات فأن من يدخل البرلمان عبر شراء الأصوات يدخل وفي ذمته دين سياسي سيعمل على استرداده من المال العام بأي شكل شاء ورغم أي أنفً ابى، عبر صفقات، محاصصة مناصب، نفوذ إداري واجتماعي، وكأن العملية الانتخابية تتحول إلى استثمار يجب تعويض تكاليفه.

ولكن التبعات وخيمة، فالمال السياسي لا يفسد الانتخابات فحسب، بل يضرب جوهر الدولة الحديثة، وأبرز آثاره تتجسد في تشويه مفهوم الشرعية التي تقوم على الرضا الشعبي وتتحول إلى شرعية مستندة على القدرة المالية لا على تمثيل حقيقي، وإلى ضرب الأخلاق العامة لتصبح الرشوة سلوكًا طبيعيًا، ويغدو بيع الصوت أمرًا عاديًا، ما يؤدي لتحلل القيم المدنية، بمقابل إضعاف دور الأحزاب الوطنية التي تُستبدل البرامج والمشاريع بمعادلة (كم تدفع مقابل أن تصعد؟).

ومما لا يخفى على القارئ النحرير، ان الإصلاح يتطلب نزاهة، وضوح رؤية، مشروع دولة، ومرشحًا يؤمن بالتغيير، لكن المال السياسي يخلق بيئة مضادة لهذه العناصر، إذ يضعف المنافس النزيه ويقوّي من يملك المال لا من يملك الكفاءة، فينتهي الأمر بأن يُستبدل مشروع الإصلاح بـإدارة الأزمة وبقاء الوضع على ما هو عليه، أن لم يكن أسوء!.

ومع أن الظاهرة متجذرة، لكنها ليست قدرًا محتومًا، ويمكن مواجهتها عبر قوانين صارمة للإنفاق الانتخابي مع آليات رقابة مباشرة، وتجريم شراء الأصوات وتفعيل العقوبات بحق الفاعلين، زيادة الوعي المجتمعي عبر حملات تبيّن أنّ الصوت ليس سلعة، بل أمانة تحدد مصير وطن، وعبر تمكين المرشحين المستقلين عبر دعم إعلامي ومجتمعي يقلل من تأثير المال، وأخيرًا في تعزيز العدالة الاقتصادية، لأن الفقر هو البوابة التي يدخل منها المال السياسي.

ختامًا- إنّ شراء الذمم ليس مجرد مخالفة انتخابية، بل جريمة بحق المستقبل، لانه يعطّل حركة المجتمع نحو الإصلاح، ويُحبط الهمم، ويُسقط الأمل بظهور قيادات جديدة شريفة قادرة على بناء دولة عادلة، وحين تُباع الأصوات، تُباع معها حقيقة التمثيل السياسي، ويصبح الطريق إلى التغيير أطول وأكثر وعورة.

لكن الوعي الجمعي، ووقوف فئات المجتمع ضد المال السياسي، كفيلان يومًا ما بكسر هذه الحلقة، وإفساح المجال أمام الشرفاء والنزيهين ليأخذوا موقعهم الطبيعي في قيادة الوطن، فالوطن لا يُبنى بالمال، بل يُبنى بالضمائر، والضمير الذي لا يُشترى هو أساس كل إصلاح.

د. جمانة جاسم الاسدي، عضو ملتقى النبأ للحوار، تدريسية بجامعة كربلاء

ذات صلة

تكتيك الكرة الشاملة لمعالجة الأزماتالزبائنية وتأثيرها في السلوك الانتخابيلغة الأرباح تغلب لغة المصلحة العامةتحولات النيوليبرالية.. من الانفتاح الاقتصادي إلى الاستبداد السياسيقياس الأثر التشريعي