القيم الأخلاقية أساس السلام السياسي

د. جمانة جاسم الاسدي

2025-08-30 04:24

السلام السياسي ليس مجرد غياب للصراع أو التوتر، بل هو حالة من الانسجام والتوازن بين مكوّنات المجتمع، تتحقق عبر التفاهم والاحترام المتبادل، وتستند إلى منظومة قيمية وأخلاقية راسخة، فعندما تُبنى الحياة السياسية على النزاهة، والعدل، والتسامح، يصبح الحوار هو الوسيلة الوحيدة لحل الخلافات، وتتحول المنافسة السياسية من صراع على السلطة إلى سباق لخدمة الصالح العام.

القيم الأخلاقية تمثل البوصلة التي توجه سلوك الأفراد والجماعات نحو ما هو صحيح وعادل، وفي السياسة تشكل هذه القيم حاجزًا أمام الانزلاق نحو العنف أو التطرف، إذ تدفع الأطراف السياسية إلى احترام القانون، وقبول التعددية، والابتعاد عن الإقصاء أو التحريض، ومن دون قاعدة أخلاقية مشتركة، تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات شخصية أو طائفية أو فئوية، ما يهدد السلم الداخلي، أما بوجود هذه القيم، فإن الخلافات تتحول إلى فرصة لإثراء التجربة الديمقراطية.

أن من أبرز القيم التي تضمن استمرار السلام السياسي هي العدالة فهي تمنع الشعور بالظلم الذي غالبًا ما يكون الشرارة الأولى للنزاعات، والشفافية التي تكشف الحقائق وتقطع الطريق أمام الشائعات والمغالطات، والاحترام المتبادل الذي يرسخ ثقافة الحوار بين الأطراف المختلفة، والتسامح الذي يعالج جروح الماضي ويتيح فتح صفحة جديدة، علمًا أن هذه القيم ليست مجرد شعارات، بل يجب أن تتحول إلى ممارسات مؤسسية في البرلمان، والحكومة، والإعلام، والمجتمع المدني.

وعلى الرغم من وضوح أهمية الأخلاق في السياسة، إلا أن هناك عقبات، مثل هيمنة المصالح الشخصية أو الفئوية على حساب المصلحة العامة، وضعف الثقافة السياسية لدى الجمهور ما يسهل التلاعب به، وغياب القدوة الأخلاقية في بعض القيادات، ولمعالجة ذلك لا بد من برامج تثقيف سياسي، وتعزيز النزاهة في المؤسسات، ومساءلة منتهكي القيم الأخلاقية أمام الرأي العام.

اما عن دور المؤسسات في تعزيز السلام السياسي عبر الأخلاق فهي من خلال طروحات المؤسسات التعليمية وعبر إدماج التربية الأخلاقية في المناهج الدراسية، ومن خلال الإعلام بنشر ثقافة التسامح واحترام الرأي الآخر، كذلك عبر المجتمع المدني بتنظيم مبادرات للحوار بين مكوّنات المجتمع، كما انها مسؤولية على عاتق المؤسسات الدينية بغرس قيم العدالة والرحمة كمبادئ سياسية واجتماعية.

ختامًا- السلام السياسي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى على أرضية صلبة من القيم الأخلاقية التي تحمي المجتمع من الانقسام وتدفعه نحو التعايش، فالأخلاق هي اللغة المشتركة التي يمكن لجميع الأطراف أن يتحدثون بها، مهما اختلفت مصالحها أو توجهاتها، وعندما تكون السياسة مرآة للقيم الإنسانية، يصبح السلام خيارًا واقعيًا ودائمًا، لا مجرد حلم أو شعار.

د. جمانة جاسم الاسدي، عضو ملتقى النبأ للحوار، استاذة في جامعة كربلاء

ذات صلة

المباحث البلاغية في شرح نهج البلاغة للسيد محمد شيرازي.. الكناية أنموذجًامعيار التفريق بين الكسب المشروع وغير المشروع عند أصحاب النفوذالديكتاتور ترامب.. الدخول الى الجنة بأسلوب الطغاةالطائفية رهان الأحزاب الغلّاب ولعبتها المحبّبةهل التوليف بين أميركا والصين في حكم الممكن؟