مسيرة الأربعين وانتزاع الشرعية الدينية من الفاسدين
محمد علي جواد تقي
2026-07-26 04:04
يدور هذه الأيام سؤالٌ يثيره البعض عن سبب استمرار الفساد والظلم مع استمرار إطلاق الهتافات الحسينية في أيام عاشوراء وخلال مسيرة المشي لزيارة أربعين الامام الحسين، عليه السلام؟ ألم يهتف الإمام الحسين بوجه الظلم ب"هيهات منّا الذلّة"؟ و ألم يتحدى الفساد بالإصلاح "في أمتي جدّي"؟ فلماذا نعيش في ظل الفساد والفاسدين واللصوص الذين يذيقوننا كل يوم مرارة العيش ومهانة الحياة؟!
نحن نحمل هذا التساؤل على محملٍ حَسِن في سياق الحديث عن عطاءات النهضة الحسينية لنا وللعالم أجمع بالإشارة الى النعمة الإلهية العظيمة للأمة بتوفير فرصة "زمكانية" يغبطنا عليها أهل العالم، بإجراء عملية تغيير ذاتي وإعادة الحسابات على الصعيد الشخصي –الفردي، وعلى الصعيد الاجتماعي من خلال إجراء مطابقة بين ما نتبعه من سلوك وتفكير في حياتنا، وما اتبعه الامام الحسين في حياته.
وقبل الحديث عن محطات التغيير يجدر بنا الالتفات على حقيقة محورية في علاقتنا مع القضية الحسينية، بأننا لم نبذل جهداً في اكتشاف طرق مواجهة الظلم والانحراف من خلال تفعيل خصال أخلاقية مثل؛ الشجاعة، والوفاء، والإيثار، والصبر، وايضاً إثارة المشاعر الإنسانية مثل؛ الحرية، والإيمان، والكرامة، إنما وجدناها جاهزة أمامنا ونحن نقرأ أحداث الحراك الحسيني من المدينة المنورة، ثم مكة المكرمة، وحتى المواجهة الفاصلة في كربلاء، فهي لم تأت من نظرية فكرية، ولا من تجربة ثورية تستنزف الدماء والضحايا والخسائر المادية والمعنوية، مما يعني أننا أمام استحقاق إصلاحي لا رجعة فيه، لأن الامام الحسين، عليه السلام، ضحى بكل ما يملك لتحيا اليوم تلك القيم والمفاهيم التي ماتت في نفوس أهل الكوفة وفي نفوس المسلمين عامة سنة 61للهجرة.
فهم فلسفة النهضة الحسينية
من أعظم ما قدمه الامام الحسين للأمة؛ إحكام الربط بين ثنائية طالما حيّرت الفكر البشري، وسعى الفلاسفة والحكماء والعلماء لايجاد مصاديق عملية لها، او بلورتها فكرياً لتساعد الانسان على فهم الاشياء وبناء حياته بشكل صحيح، مثل؛ العلاقة بين الروح والمادة، وبين المفهوم والشيء، وبين النظرية والتطبيق، ولعل أبرز ما أثار المفكرين حول العالم من النهضة الحسينية، هذا الطرح الجديد لبناء الفكر البشري على أساس متين من شأنه تحديد بوصلة دقيقة لا تُخطئ مطلقاً وتهدي الى بر الأمان.
وقبل عاشوراء لم تكن ثمة علاقة واضحة في أذهان المسلمين بين الجهاد والتضحية، فصار من الطبيعي أن يسمعوا ب "مجاهد" عاصر رسول الله، صلى الله عليه وآله، وسمع كلامه، وشهد معاركه ضد المشركين وأعداء الدين، ثم وجدوا بعد وفاته، امتلاكه رصيداً مالياً غريباً، كميات هائلة من الذهب على شكل كتل حجرية كبيرة اضطروا لتكسيرها بالفؤوس لتوزيعها على ورثته! فضلاً عن عشرات الآلاف من دنانير الذهب ودراهم الفضة، والجواري والعقارات!
وفيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم يجدوا أية علاقة بينها وبين مختلف أشكال الموبقات والمنكرات التي كان يرتكبها الأمويون منذ استيلاء معاوية على رقاب الأمة بعد استشهاد الامام الحسن المجتبى، عليه السلام، في ظروف مأساوية تحدثنا عنها في المقال السابق عن ذكرى استشهاد هذا الإمام المظلوم من قبل المسلمين أنفسهم.
ومن نافلة القول هنا؛ أن صوتاً وحيداً كان صادحاً ضد الطغيان والانحراف منذ الايام الاولى، بل ومنذ أول اقتحام هذا الفايروس جسد الامة في عهد عثمان، عندما كان الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، رضوان الله عليه، يصكّ سمع معاوية –عندما كان والياً على الشام- بالآية القرآنية الكريمة: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، ويحذره من خلف أسوار قصره في الشام مما يرتكبه من انحرافات، وفي نفس الوقت كان يحذر ابناء الأمة آنذاك من مغبة السكوت على هذه الانحرافات دون جدوى طبعاً، إنما الملفت حقاً، استمرار هذا السكوت القاتل طوال حوالي خمسة وعشرين سنة من حكم معاوية في الشام، أي باحتساب فترة حكم أمير المؤمنين الأربع سنوات ونيف، ثم تحول معاوية الى ملك ديكتاتور في الشام لأول مرة في التاريخ الاسلامي، ولم يخرج أحد ليواصل مسيرة أبي ذر الغفاري بشكل أو بآخر، سوى القلّة القليلة على عدّ الاصابع، مثل؛ حجر بن عدي، وعمر بن الحمق الخزاعي وآخرين تمت تصفيتهم بكل هدوء ليستمر الناس في حياتهم الطبيعية بين العمل واكتساب المعيشة والمال، ثم العودة الى البيت لقضاء أوقات هادئة جميلة مع افراد العائلة!
باسم الدين نقضي على الفساد
عندما يكون الدين كنظرية وأحكام وقيم نقرأها في الكتاب المجيد، وفي سيرة المعصومين، عليهم السلام، لصيقة بالتطبيق العملي لشريحة واسعة من الناس، يفقد الفاسد والمنحرف غطائه الشرعي للسرقة والاختلاس ونهب المال العام، وهذه تحديداً كان مصدر التهديد الأكبر لمعاوية في فترة حكمه، ولذا أمر باغتيال الامام الحسن، ثم أصدر أوامره لابنه يزيد بقتل الامام الحسين للتخلص من خطر الفضيحة والابقاء فترة أطول متشبثين برداء الدين والحكم باسم الاسلام، ولعل هذا يفسر قصر عمر الدولة الأموية بعد واقعة عاشوراء، قياساً بالدولة العباسية التي تعلمت الدرس الديكتاتوري من الأمويين في اتجاهين: الأمني، والثقافي، فمن الناحية الأمنية طبقوا سياسة قمعية موغلة بالدماء ضد أي تحرك شيعي معارض، وكان ما كان من سقوط الآلاف من اتباع اهل البيت، في سوح القتال، او في أقبية السجون والطوامير، وبعضهم دفنوا أحياءً داخل السجون العباسية، أما الاتجاه الثقافي فقد اتبعوا سياسة نشر العلم والأدب والترجمة، مع إطلاق الحرية الفكرية بلا حدود لتظهر مختلف اشكال المذاهب داخل الجسد الاسلامي مثل الزندقة، والإلحاد، الى جانب أفكار فلسفية مستوردة تلغي الوحدانية، والصمدية، لله –تعالى- ومفهوم العبودية للإنسان.
وإذن؛ بمقدار نجاحنا في تجسيد ثنائية النظرية والتطبيق، وثنائية المادة والروح في حياتنا اليومية كما فعل الامام الحسين، عليه السلام، بنجاح فائق، نكون اقرب الى النجاح في حل مشاكلنا، وفي طريقة تعاملنا مع حكامنا، ولا أعظم وأكبر فرصة مما نعيشه هذه الايام لإحياء ذكرى اربعين الامام الحسين، عليه السلام، التي تتميز عن عاشوراء الدم والتضحية، بأنها فسحة للتأمّل فيما نحن فيه، ولنا عبرة بليغة في الجملة التي ثبتها الامام الصادق، عليه السلام، في زيارة جدّه الحسين في أربعينه بأن "لينقذ عبادك من الجهالة وحيرة الظلالة"، فالجهل نقيض العلم والمعرفة، وحيرة الضلالة نقيض اليقين والاطمئنان والراحة النفسية التي توفرها الأخلاق العملية.
فعندما نشكو فقدان الضمير الانساني، وفقدان الأخلاق والدين عند بعض الساسة العراقين –وربما معظمهم- بما نسمع ونرى، علينا العودة الى السلوك الفردي لكل واحد منّا، وكيف أنه يفعل كل شيء للوصول الى الوظيفة المرموقة، ومن اجل الحصول على الراتب الأعلى، والحياة المرفهة، فهذا هو مستنقع الفساد الذي يتكاثر فيها الفاسدون واللصوص، وإلا هل يُعقل انتشار البعوض والذباب في رياض الأزهار؟!
إن الحكام الفاسدين؛ بدءاً من معاوية و ابنه يزيد، ومروراً بالعباسيين والعثمانيين وأمثالهم، وحتي يومنا هذا، لم يسرقوا باسم الدين مطلقاً بقدر ما استفادوا الفاصلة البعيدة بين الدين وسلوك وثقافة شريحة واسعة من الناس –وليس كلهم طبعاً- ليجعلوها طريقاً معبداً و "شرعية جماهيرية" للوصول الى المليارات والى أطنان الذهب.