ابن الحنفية وتخلّفه عن ركب الحسين بن علي
حكمت السيد صاحب البخاتي
2026-07-07 04:32
صنّفت مصادر العامة ابنَ الحنفية من الطبقة الأولى ومن كبار التابعين، ونسبته إلى الإمامة الإسلامية، لا المذهبية؛ فقال عنه الذهبي: «بقية الطبقة الأولى من كبراء التابعين ابن الحنفية، أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب القرشي... السيد، الإمام، أبو القاسم، وأبو عبد الله محمد بن الإمام علي بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب شيبة بن هاشم عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي، الهاشمي، المدني، أخو الحسن والحسين»[1].
وروت فيه مصادر الإمامية قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن من المحامدة الذين تأبى أن يُعصى الله عز وجل محمد بن أمير المؤمنين»، ولكن الرواية ضعيفة وفق آية الله العظمى السيد الخوئي[2]. وذكرت هذه المصادر المحاججة بينه وبين الإمام زين العابدين (عليه السلام)، والتي خُتمت بإقراره بإمامة الإمام علي بن الحسين، وانصرف وهو يتولى الإمام زين العابدين[3]. والرواية، وفق مصادر الإمامية، صحيحة السند، ودالة على إيمانه وقوله بإمامة علي بن الحسين[4]. وقال الشيخ الصدوق: «كان محمد مورداً لعطف أمير المؤمنين (عليه السلام) وشفقته وعنايته»[5].
وهو أول من تسمى باسم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وتكنى بكنيته، ولم يسبقه أحد من أولاد المهاجرين والأنصار باجتماع الاسم والكنية، ولم يلحقه بهما أحد من بعده. وقيل إن السر في اجتماع الاسم والكنية فيه أن النبي محمداً أخبر علياً بمولده، وأن اسمه محمد، وكناه بكنيته. وقيل إن أمير المؤمنين استأذن النبي في حياته بتسمية مولود له باسمه وتكنيته بكنيته، فأذن له النبي[6]. ولكن كان هناك عدد من أولاد المهاجرين ممن تسمى باسم النبي وتكنى بكنيته، ومنهم: «ممن يسمى محمداً ويكنى أبا القاسم: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن حاطب بن أبي بلتعة»[7]. وكانت كنية ابن الحنفية بأبي القاسم أكثر شيوعاً وأوسع انتشاراً ممن تكنى بأبي القاسم من المحمدين المتقدمين، كما يبدو في مصادر التراث التي ترجمت له. وكذلك كانت له كنية أخرى هي أبو عبد الله، وكذلك له كنية أخرى: أبو الحسن. وعبد الله والحسن كلاهما من أولاده، وبهما قد يكنى، لكن تظل كنية الولادة هي الأصل، وهي تعكس فضله ومكانته في المسلمين ومنزلته في أولاد الأنصار والمهاجرين.
وقد عُرف في تاريخ الإسلام بابن الحنفية، نسبة إلى أمه التي نُسبت إلى قبيلة بني حنيفة. ويبدو شيوع هذه النسبة إلى الأم تمييزاً له عن أخويه الحسن والحسين، ابني علي بن أبي طالب؛ فقد كانا أيضاً يسميان بابني فاطمة، وكان منهما بمثابة اليدين من العينين، كما في الرواية عنه[8]. وكثر الخلاف في أمه ونسبتها، ويبدو أن السياسة وأقلاماً أموية أو زبيرية قد سعت إلى التضليل في أمرها وتشويه نسبها. واختلفت تلك الروايات في حيازة علي لها وزواجه منها، فقيل إنها من سبي بني حنيفة في أيام أبي بكر، وهي أكثر الروايات تداولاً في كتب التراث والتراجم، وأن سبيها حدث على يد خالد بن الوليد في أيام أبي بكر، في حربه على قومها بني حنيفة، أتباع مسيلمة الكذاب، وهو المشهور. ولكن كان يُلقى معارضة هذا القول، ويضع أصحابه استدلالاً في نفيه، يقول ابن أبي الحديد: «اختلف في أمرها، فقيل إنها سبية من سبايا حنيفة على يد خالد بن الوليد أيام أبي بكر. أقول: وبذلك قد يحتج بعضهم على اعتراف أمير المؤمنين علي (ع) بصحة سبيها، وفيه أن الحال في ذلك لا يمكن الجزم بها، ولا دعوى العلم بأنه كيف تزوجها، لجواز أن يكون عقد عليها، مع أن المؤرخين مختلفون في أمرها كما سمعت وستسمع، فكيف يمكن الاحتجاج بأمر مختلف فيه، إذ متى وجد الاحتمال سقط الاستدلال، على أن عمر نفسه لم يعترف بصحة سبي بني حنيفة، وكان يطلب إلى الخليفة أن يقيم الحد على خالد»[9].
وفي رواية أخرى فإنها سُبيت في أيام رسول الله، وكان بعض الرواة يقولون بهذا، و«منهم أبو الحسن علي بن محمد بن سيف المدائني، يقول: هي سبية في أيام رسول الله (ص)، قالوا: بعث علياً إلى اليمن فأصاب خولة في بني زبيد، وقد ارتدوا مع عمرو بن معديكرب، وكانت زبيد سبتها من بني حنيفة في غارة لهم عليهم، فصارت في سهم علي»[10]. وفي حيثيات تلك الرواية فإن رسول الله أمر علياً أن يسمي وليده منها باسمه، أي باسم رسول الله. وفي هذه الرواية: «قال له رسول الله: إن ولدت منك غلاماً فسمّه باسمي وكنّه بكنيتي، فولدت له بعد موت فاطمة محمداً، فكناه أبا القاسم»[11]. ولكن هذه الرواية لا تؤيدها القرائن التاريخية، ولم يكن لها انتشار في الرواية. بينما ذهب بعض الرواة إلى أنها كانت من سبي بني حنيفة على يد بني أسد في خلافة أبي بكر، فاشتراها علي، فقدم قومها وأخبروا علياً بمكانها منهم وشرفها فيهم، فأعتقها وتزوجها[12]. ويرى ابن أبي الحديد أن هذا القول هو الأظهر، وأن قوماً من المحققين، ومنهم البلاذري، قالوا به[13]. وتؤيد هذه الرواية أنها كانت ذات مكان وشرف اجتماعي في قومها، وهو الأظهر أيضاً؛ إذ لو كانت كما وصفتها بعض الروايات الأموية والزبيرية بأنها جارية سوداء وسندية أو حتى مجهولة الأصل، لما ذكرتها كتب التراث والتراجم بنسبها، ونصت على أسماء أبيها وأجدادها، كما يقال دائماً في نساء العرب ذوات المكانة والشرف. فهي في تلك المصادر: «خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل»[14]. وفي توهين نسبها روى هشام بن عروة بن الزبير عن «فاطمة بنت المنذر عن أسماء قالت: رأيت الحنفية وهي سوداء مشرّطة، حسنة الشعر، اشتراها علي بذي المجاز مقدمه من اليمن، فوهبها لفاطمة، فباعتها، فاشتراها مكمل الغفاري فولدت له عونة»[15].
وفي تلك الروايات القادحة في نسب ابن الحنفية من جهة أمه، روت تلك المصادر: «ويقال بل كانت من سبي اليمامة وصارت إلى علي رضي الله عنه، وقيل بل كانت سندية سوداء، وكانت أمة لبني حنيفة ولم تكن منهم، وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق، ولم يصالحهم على أنفسهم»[16]. وفي هذه الروايات نشهد اضطراباً واضحاً واختلافاً ظاهراً، لا سيما مع عبارة «ويقال» أو «قيل»، التي تعكس عدم موثوقية الرواية لدى من رواها في كتابه أو كتاب تاريخه. ولعلها لم تكن من قبيلة بني حنيفة، تلك القبيلة التي ارتدت واتبعت مسيلمة الكذاب، ولكنها زُوراً نُسبت إليهم. فقد جاء في الرواية أنها من سبي في أيام أبي بكر، وأن عمر كان معترضاً على هذا السبي، وأنه طالب بإقامة الحد على خالد فيما أتى به من جرم في هذه الحادثة. ولكن كانت تلك الواقعة في غزوة خالد قومَ مالك بن نويرة، وقتله مالكاً، والوقيعة بزوجته، وقتل قومه. وهناك روايات أن قبيلة مالك بن نويرة لم ترتد، ولكنها رفضت أن تدفع الزكاة لأبي بكر لأنهم كانوا شيعة لعلي بن أبي طالب. ويعضد هذا رواية جابر بن عبد الله الأنصاري؛ فقد استدعاه أبو جعفر محمد بن علي الباقر للإدلاء بشهادته أمام قوم سألوا في موقف أمير المؤمنين من الخلفاء، وأنه منحهم الشرعية بشرائه سبياً من حربهم، وهي خولة الحنفية، فقال جابر بن عبد الله الأنصاري: «إني والله كنت جالساً إلى جانب أبي بكر، وقد سبوا بني حنيفة بعد قتل مالك بن نويرة من قبل خالد بن الوليد، وبينهم جارية مراهقة، فلما دخلت المسجد قالت: أيها الناس، ما فعل محمد؟ قالوا: قُبض. فقالت: هل من بنية تُقصد؟ فقالوا: نعم، هذه تربته. فنادت: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك عبده ورسوله، وأنك تسمع كلامي وتقدر على رد جوابي، وأننا سبينا من بعدك، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله»[17]. وحاججت القوم بقولها: «قلتم إننا لا نزكي ولا نصلي، أو نصلي فلا نزكي... والله ما قالها أحد من حنيفة، وإننا نضرب صبياننا على الصلاة وعلى الصيام من السبع، وإنا لنخرج الزكاة من حيث يبقى في جمادى الآخرة عشرة أيام، ويوصي مريضنا بها لوصيه. والله يا قومنا ما نكثنا ولا غيّرنا ولا بدّلنا حتى تقتلوا رجالنا وتسبوا حريمنا. عليَّ، فإن مننت يا أبا بكر بحق، فما بال علي لم يكن سبقك علينا؟ وإن كان راضياً بولايتك، فلم لا ترسله إلينا يقبض الزكاة منا ويسلمها إليك؟»[18]. ثم خاطبت أمير المؤمنين، قالت: «من أجلك أصبنا، ومن نحوك أوتينا؛ لأن رجالنا قالوا: لا نسلم صدقات أموالنا ولا طاعة نفوسنا إلا إلى من نصبه محمد فينا وفيكم علماً»[19].
ويبدو في الرواية خلطاً بين بني حنيفة وبين قوم مالك بن نويرة، ولعله من سهو النساخ أو غلط الرواة؛ فما ذكرته خولة الحنفية من أمر أو أمور لم تكن تُعرف عن بني حنيفة، ولكنها عُرفت عن قوم مالك بن نويرة الذي قال فيه النبي محمد: «من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا». وإذا كانت في بني حنيفة، كما نصت عليها الرواية، ونصت الروايات على أن خولة من بني حنيفة، فهذا يقتضي مراجعة حروب الردة وأسبابها ودوافعها ونقدها وتقييمها من جديد في قراءة تاريخية متأنية، والله العالم.
وهكذا نشأ محمد بن الحنفية بين أبٍ وريث الوصية وأصل الإمامة، وأمٍ من الطبقة الأولى في الشيعة، وقد رُبيت ونمت في التشيع في قومها وأول ضحايا الشيعة في التاريخ، فكان له الأثر الكبير والمنزلة الثانية بعد الحسن والحسين من أولاد أمير المؤمنين. وكانت راية أمير المؤمنين في حروبه تُعهد إليه، وهو على رأس كبار الصحابة من الأنصار والبدريين ورؤساء القوم من أصحاب أمير المؤمنين[20]. وقد نصت المصادر وتضافرت الروايات على قوته، حتى قيل فيه: وكانت له قوة عجيبة[21].
وجمع، إلى تلك المنزلة في عهد أبيه أمير المؤمنين وعناية أخويه الحسن والحسين به، فضلاً وعلماً، حتى كان في أوائل قائمة العلماء والفقهاء في عصر التابعين. فقد نصت المصادر على أنه: «كان كثير العلم غزير المعرفة، وقّاد الفكر، مصيب الخاطر في العواقب. قد أخبره أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عن أحوال الملاحم وأطلعه على مدارج المعالم. وقد اختار العزلة، فآثر الخمول على الشهرة، وقد قيل إنه كان مستودعاً علم الإمامة حتى سلم الأمانة إلى أهلها. وما فارق الدنيا إلا وقد أقرها في مستقرها»[22]. وهي رواية عبد الكريم الشهرستاني التي تؤكد قوله بإمامة علي بن الحسين وإعادة القياد إليه بعد أن شغلها في غياب الإمام زين العابدين، ولم يكن طامعاً بها أو مدعياً لها كما تأولت بعض الروايات هذا المبنى. وليس هناك رواية تؤكد هذا المسعى لدى ابن الحنفية إلا رواية واحدة، وهي صحيحة السند، إلا أنها في ختامها أخبرت بإقرار إمامة المولى علي بن الحسين إماماً حقاً ووصياً نصاً. وقال السيد الخوئي في هذه الرواية: «أقول: الرواية صحيحة السند ودالة على إيمانه، وقوله بإمامة علي بن الحسين (ع)»[23]. وقد وصفه خبير العلم وأستاذ الكتاب الجاحظ بقوله: «وأما محمد بن الحنفية فقد أقره الصادر والوارد والحاضر والبادي أنه كان واحد دهره ورجل عصره، وكان أتم الناس تماماً وكمالاً»[24]. وذكره ابن سعد في طبقاته فقال: «أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن عبد الأعلى أن محمد بن علي كان يكنى أبا القاسم، وكان كثير العلم ورعاً»[25]. وقال ابن خلكان: «وكان محمد المذكور كثير العلم والورع، وقد ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء»[26].
وقد عُني بأمر الشيعة، وثبت على القول بحق آل محمد (عليهم السلام)، فقد مالت إليه الشيعة بعد استشهاد الإمام الحسين، وكان يقول: «ولعمري لأمر آل محمد أبين من طلوع هذه الشمس»[27]. وكان ناصحاً للشيعة، وترجع إليه في أمورها. ويبدو أنها في الفترة التي كان فيها الإمام علي بن الحسين مشغولاً بآثار الطف، ولم تطل هذه الفترة، وكانت فيها تراجع الشيعة ابن الحنفية؛ فقد جاء إليه بعضهم يسترشده في أمره وتكليفه الشرعي، فقال له ابن الحنفية: «وأما قيلك: لقد هممت أن أخرج مع أقوام شهادتنا وشهادتهم واحدة على أمرائنا، فيخرجون فيقاتلون ونقيم، فلا تفعل. لا تفارق الأمة، اتق هؤلاء القوم بتقيتهم. قال عمر ـ الراوي ـ: يعني بني أمية، ولا تقاتل معهم. قال: قلت: وما تقيتهم؟ قال: تحضرهم وجهك عند عودتهم، فيدفع الله بذلك عنك عن دمك ودينك، وتصيب من مال الله الذي أنت أحق به منهم. قال ـ الراوي ـ: قلت: أرأيت إن أطاف بي قتال ليس لي منه بد؟ قال: تبايع بإحدى يديك الأخرى لله، وتقاتل لله، فإن الله سيدخل أقواماً بسرائرهم الجنة، وسيدخل أقواماً بسرائرهم النار. وإني أذكرك الله أن تبلغ عني ما لم تسمع مني، أو أن تقول عليّ ما لم أقل. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم»[28].
وفي رواية أخرى تظهر نصيحة ابن الحنفية للشيعة وقيادة أمرهم في تلك الفترة: «أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال: حدثنا الوليد بن جميع عن أبي الطفيل عن محمد ابن الحنفية أنه قال له: الزم هذا المكان وكن حمامة من حمام الحرم حتى يأتي أمرنا، فإن أمرنا إذا جاء فليس به خفاء كما ليس بالشمس إذا طلعت خفاء. وما يدريك إن قال لك الناس تأتي من المشرق ويأتي الله بها من المغرب، وما يدريك إن قال لك الناس تأتي من المغرب ويأتي الله بها من المشرق، وما يدريك لعلنا سنؤتى بها كما يؤتى بالعروس»[29].
وفي رواية: «أخبرنا محمد بن الصلت قال: حدثنا الربيع بن المنذر الثوري عن أبيه قال: قال ابن الحنفية: من أحبنا نفعه الله وإن كان في الديلم. أخبرنا محمد بن الصلت قال: أخبرنا الربيع بن المنذر عن أبيه عن ابن الحنفية قال: وددت لو فديت شيعتنا هؤلاء ولو ببعض دمي. قال: ثم وضع يده اليمنى على اليسرى على المفصل والعروق، ثم قال: لحديثهم الكذب، وإذاعتهم الشر حتى إنها لو كانت أم أحدهم التي ولدته أغرى بها حتى تقتل»[30].
وكان هذا الدور الذي قام به ابن الحنفية في قيادة الشيعة وإدارة أمرهم وتوجيه طرائق العمل فيهم مدعاة إلى الاعتقاد بإمامته ووراثته الوصية عن أبيه أو عن أخويه، وهو ما لم يثبت ادعاؤه هذا إلا في رواية واحدة، كما مر معنا، أو لعل تفسير ذلك هو ما ذهب إليه عبد الكريم الشهرستاني من استيداع الإمامة ثم إعادتها إلى مستقرها. ولعل إيداعها أو الوكالة في عملها جاء بأمر من الإمام الحسين بعد عزمه على المغادرة من المدينة، وهو ما يفسر به سبب تخلفه عن حضور الطف.
التخلف عن حضور الطف
لقد كان حدثاً مجلجلاً وأمراً أثار جدلاً واسعاً في المدينة حين طلبت دولة بني أمية البيعة من الحسين بن علي. وكانت تلك الدولة تدرك آثار هذا الطلب في أمة الإسلام، وأن بيعة الإمام الحسين تمنحها شرعية دائمة وبقاءً مستمراً. وإن تخلّفه عن البيعة أو رفضه إياها يفتح جبهات من العداء لها والانفصال بينها وبين مجتمع الإسلام، وبذلك تفقد القدرة على الديمومة والبقاء. وتدرك أيضاً أن بقاء الحسين يعجّل بنهايتها وانقراضها. ويبدو ذلك واضحاً في استراتيجية الدولة التي وضعها معاوية بن أبي سفيان وأوصى بها وهو في لحظات الاحتضار، ولم يكن يوصي بسياسة عدل أو سياسة وصل مع الأمة، بل كان يؤسس للقطيعة بين هذه الدولة ومصدر الشرعية في الإسلام، من خلال إقراره مبدأ ولاية العهد والوراثة في الحكم، وإقصاء النص والشورى في مصدرية الحكم في الإسلام. لقد كان في الوصية الأموية قتل الحسين بن علي في حالة عدم البيعة، وهي كانت متوقعة ضمن خطط السياسة الأموية ومخططاً لها في التنفيذ، كما في تفاصيل الوصية الآثمة التي عهد بها معاوية إلى ذلك الطاغية يزيد، وأن يكون القتل للحسين وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة. وكان بدء التنفيذ مع كتاب يزيد بن معاوية إلى والي المدينة الوليد بن عتبة، فقد كتب إليه: «إذا أتاك كتابي هذا، فأحضر الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة لي، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث لي برؤوسهما، وخذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم، وفي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، والسلام»[31]. وفي شرح استراتيجية الدولة الأموية وما تخطط له مسبقاً تجاه الإمام الحسين واستهداف رمزيته الكلية للإسلام، وهي تحمل آثار الشرك الجاهلي والدين الوثني[32] الذي ظل عليه يزيد، ويكشف عن هذا قوله:
لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء ولا وحي نزل
ليت أشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا القوم من ساداتكم
وعدلنا ميل بدر فاعتدل
فأهلّوا واستهلّوا فرحاً
ثم قالوا يا يزيد لا تشل
لست من خندف إن لم أنتقم
من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء ولا وحي نزل[33]
وقد جاءت رسالته الثانية إلى والي المدينة وهي تحمل تلك المضامين الأموية في مواجهة الرمزية الكلية للحسين بن علي، فقال: «من عبد الله يزيد بن معاوية أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد فإن معاوية كان عبد الله من عباده، أكرمه الله واستخلفه وخوله ومكن له، ثم قبضه إلى روحه وريحانه ورحمته وغفرانه، عاش بقدر ومات بأجل، عاش براً تقياً، وخرج من الدنيا رضياً زكياً، فنعم الخليفة كان، ولا أزكيه على الله، هو أعلم به مني. وقد كان عهد إلي عهداً وجعلني له خليفة من بعده، وأوصاني أن أحدث آل أبي تراب بآل أبي سفيان؛ لأنهم أنصار الحق وطلاب العدل، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة على أهل المدينة، والسلام»[34]. ثم كتب إليه في «صحيفة صغيرة كأنها أذن فأرة: أما بعد، فخذ الحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر بن الخطاب أخذاً عنيفاً ليست فيه رخصة، فمن أبى عليك منهم فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه»[35].
وبعد مشادات في الكلام بين رأس الأمويين وحامل إرث الحقد الأموي، مروان بن الحكم، وبين أبي عبد الله الحسين بن علي، وعجز مروان أن يفعل شيئاً بالحسين، وامتناع الوليد عن تنفيذ أمر يزيد، فما كان له أن يلقى الله تعالى بدم الحسين، عزم الإمام السبط على مغادرة المدينة والذهاب إلى مكة في خروج ظاهر وموكب حافل. وكان خروج الحسين من المدينة مدعاة للقلق على أمر الدين ومصير المدينة، فطلبوا الحسين في خروجه وتبعوا موكبه للمشورة والرأي. وكان في مقدمة من لحق الحسين وأشار عليه بالرأي أخوه محمد بن الحنفية[36]، «قال: يا أخي فدتك نفسي، أنت أحب الناس إليّ وأعزهم عليّ، ولست والله أدخر النصيحة لأحد من الخلق، وليس أحد أحق بها منك، فإنك كنفسي وروحي وكبير أهل بيتي ومن عليه اعتمادي، وطاعته في عنقي، لأن الله تبارك وتعالى قد شرفك وجعلك من سادات أهل الجنة، وإني أريد أن أشير عليك برأيي فاقبله مني. فقال له الحسين: قل ما بدا لك»[37]. فأشار عليه بأن يبعث برسله إلى الناس لمبايعته، فتجتمع عليه الناس، ثم يرى رأيه[38]. فقال له الحسين: إلى أين أذهب؟[39] «قال: أخرج إلى مكة، فإن اطمأنت بك الدار فذاك الذي تحب وأحب، وإن تكن الأخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فإنهم أنصار جدك وأخيك وأبيك، وهم أرأف الناس وأرقهم قلوباً وأوسع الناس بلاداً وأرجحهم عقولاً، فإن اطمأنت بك أرض اليمن، وإلا لحقت بالرمال وشعوب الجبال، وصرت من بلد إلى بلد لتنظر ما يؤول إليه أمر الناس، ويحكم بينك وبين القوم الفاسقين»[40].
وبعد معانقته الإمام الحسين وبكائه، قال له الحسين: «جزاك الله يا أخي عني خيراً! ولقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا أرجو أن يكون إن شاء الله رأيك موفقاً مسدداً، وإني قد عزمت على الخروج إلى مكة، وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو إخوتي وشيعتي، وأمرهم أمري ورأيهم رأيي. وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عيناً عليهم، ولا تخفِ عليّ شيئاً من أمورهم»[41].
وفي آخر هذا النص نعرف التكليف الذي صار إلى ابن الحنفية من جانب الإمام الحسين، الذي يرى ابن الحنفية وجوب طاعته، كما تقدم في حديثه. ومضمون العبارة هو التوكيل لمحمد بن الحنفية عن الحسين بن علي في أمر المدينة، فأن يكون عيناً هو أوسع من مجرد نقل الخبر أو إيصال المعلومة. ولذلك كتب الإمام الحسين وصيته إلى ابن الحنفية في هذا اللقاء الأخير له مع أخيه، وهي وصية تكشف عن مضمون تلك الوكالة، قال أبو عبد الله: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب لأخيه محمد ابن الحنفية... إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب النجاح والصلاح في أمة جدي محمد (صلّى الله عليه وسلّم)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي محمد (صلّى الله عليه وسلّم) وسيرة أبي علي بن أبي طالب... فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، ويحكم بيني وبينهم بالحق، وهو خير الحاكمين. هذه وصيتي إليك يا أخي، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، والسلام عليك وعلى من اتبع الهدى، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم»[42]. قال: ثم طوى الحسين الكتاب وختمه بخاتمه ودفعه إلى أخيه محمد ابن الحنفية، ثم ودعه وخرج في جوف الليل يريد مكة بجميع أهله[43]. وقوله: «فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، ويحكم بيني وبينهم بالحق، وهو خير الحاكمين»، يتضمن توكيلاً بأخذ البيعة للإمام الحسين في المدينة إذا استقامت له الأمور وصار أمر الخلافة إليه.
ولعل هذا الأمر وتلك الوصية يفسران، إلى حد كبير، تخلف محمد بن الحنفية عن الحضور في واقعة الطف مع أخيه الحسين بن علي وقومه من الطالبيين، الذين لم يتخلف عنهم إلا ثلاثة من أولاد علي بن أبي طالب، وهم عمر الأطرف، وعبيد الله المقتول بالمذار، وابن الحنفية الذي تخلف بأمر الحسين كما يبدو من الرواية، وكذلك عبد الله بن جعفر الذي حضر أولاده فاستشهدوا جميعاً وأمهم الحوراء زينب. ومع ذلك فإن سبب تخلفه بسبب مرضه يكون قوياً جداً، مراجعة معالي السبطين. وهناك بعض التفسيرات المستنبطة من بعض الروايات، ولكنها ليس بالضرورة تكون جادة في تفسير تخلف ابن الحنفية عن اللحاق بأخيه الحسين بن علي (عليه السلام)، ومنها رواية: «أبو حمزة بن عمران قال: ذكرت خروج الحسين وتخلف ابن الحنفية عنه، فقال الصادق (ع): يا أبا حمزة أقول لك ما يغنيك سؤاله، إن الحسين لما انصرف من مكة دعا بكاغد وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى بني هاشم، أما بعد، فإنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف لم يدرك الفتح، والسلام»[44]. ولكن هذه الرواية جاءت عامة في بني هاشم دون أن تخصص في ابن الحنفية، وإن قيل إنه (عليه السلام) كتبها له، فإنها، وبالمقارنة مع الوصية السابقة، إنما هي موجهة لغير ابن الحنفية من بني هاشم.
وفي رواية معالي السبطين تكشف عن سبب آخر في تخلف ابن الحنفية عن ركب الحسين، قال: «وجاء إلى أخيه محمد بن الحنفية وهو عليل، فحدثه بما رأى وبكى، فقال له: يا أخي ماذا تريد أن تصنع؟ قال (عليه السلام): أريد الرحيل إلى العراق، فإني على قلق من أجل ابن عمي مسلم بن عقيل. فقال له محمد الحنفية: سألتك بحق جدك محمد (صلى الله عليه وآله) أن لا تفارق حرم جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإن لك فيه أعواناً كثيرة. فقال الحسين (عليه السلام): لا بد من العراق. فقال محمد بن الحنفية: إني والله ليحزنني فراقك، وما أقعدني عن المسير معك إلا لأجل ما أجده من المرض الشديد، فوالله يا أخي ما أقدر أن أقبض على قائم سيف ولا كعب رمح، فوالله لا فرحت بعدك أبداً. ثم بكى شديداً حتى غُشي عليه، فلما أفاق من غشيته قال: يا أخي استودعك الله من شهيد مظلوم. وودعه الحسين (عليه السلام) وسار من المدينة»[45].
وفي هذه الرواية نجد أن الإمام الحسين هو من جاء إلى أخيه محمد بن الحنفية، وكانت زيارته له في المدينة بعد زيارته قبر جده الرسول، وأخبره برأيه في ذهابه إلى العراق، وأن ابن الحنفية كان شديد الرغبة في اللحاق أو الذهاب مع الحسين، وأنه بكى وأُغمي عليه، ولكن إصابته بالمرض تحول دون رغبته تلك، وعجزه عن إمساك سيفه أو كعب رمحه. ولكن الروايات الأخرى أخبرتنا أن الحسين لم يكن ناوياً في البدء الخروج إلى العراق كما تقول هذه الرواية، وأن فكرة الخروج إلى العراق جاءت بعد وصول رسائل أهل الكوفة إليه وهو في مكة[46].
ورغم أن هذه الرواية قد بدت منفردة، على ما يبدو، إلا أنها تحمل تفسيراً قد يبدو قريباً جداً إلى الصحة؛ فابن الحنفية لم يكن يعوقه شيء عن الخروج مع الحسين من موقف أو رأي، ولم تنقل المصادر عن اختلاف حاد بينه وبين الحسين، لا سيما أن ابن الحنفية كان مشهوراً بالقوة الجسدية والشجاعة، وأنه لم يكن يخشى حرباً أو قتالاً. ولكن يبقى السؤال: لماذا لم يخرج ولده مع عمهم الحسين بن علي؟ وله من الولد عبد الله أبو هاشم، والحسن، وجعفر، وعلي، وعون، وإبراهيم، والقاسم[47]. ورغم أن المصادر لم تخبرنا عن سنة ولاداتهم، إلا أن الراجح ولادة ابنه الأكبر أبي هاشم عبد الله في النصف الثاني من القرن الأول الهجري؛ فهو إما كان صغيراً أو وُلد بعد واقعة الطف. وقد صنفته المصادر السنية بأنه كان شيعياً يتبع السبئية[48]. وقد سعى إلى القضاء على دولة بني أمية، ومات مسموماً في خلافة سليمان بن عبد الملك وبأمر منه سنة 98هـ، وعهد بالأمر بعده إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وصرف الشيعة إليه في خروجهم على الأمويين[49].
وقد يكون المرض هو العائق الفعلي عن تخلف ابن الحنفية من اللحاق بركب الإمام الحسين، إلا أن تخلفه جاء بإذن من أخيه الإمام الحسين، لا سيما أن ابن الحنفية قد أوضح وجوب طاعته عليه، وإبقاءه في المدينة عيناً ووكيلاً ونائباً عنه في إنجاز مشروع قد نهض به الإمام الحسين بن علي (عليه السلام).