عاشوراء.. من تضليل السلطة إلى سلطة الوعي
حسن السباعي
2026-07-07 04:29
ما مفهوم السلطة السياسية، وكيف تكتسب شرعيتها في الحكم، وكيف تخلق عاشوراء وعياً سياسياً بالمفهوم الحسيني للسلطة وغاياتها؟
السلطة السياسية عبارة عن الأمر الواقع الذي يفرض نفسه على المجتمع، أما شرعيتها فإنها تُكتسب بحسب المجتمع المحكوم؛ إذ تختلف باختلاف الثقافات والأعراف، والتي يمكن اختصارها في ثلاث طرق: 1. الغلبة والقهر، و2. عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم، و3. الشرعية الإلهية.
لكن ما هو متفق عليه عند الجميع أن أي سلطة سياسية تمثل أفكار الرأي العام عند أي مجتمع. وبعبارة أخرى، لا يمكن أن تقوم أي سلطة سياسية إلا بعد رضوخ المجتمع لهذه السلطة، حتى وإن كان الرضوخ قد جاء بأساليب غير مشروعة، مثل قوة الحديد والنار، والتزوير، والخداع، والحذف، والإقصاء، أو بأساليب مشروعة ومدنية، كانتخابات حرة وديمقراطية نزيهة. وذلك بناءً على القاعدة العلوية، على قائلها السلام: «لا بد للناس من أمير برّ أو فاجر»؛ ذلك لأن مهمة السلطة في الدرجة الأولى هي الحفاظ على الأمن والنظام والتعامل مع الواقع المعاش.
وفيما يرتبط بـ«عاشوراء»، وكيف أنها استطاعت أن تخلق وعياً سياسياً بالمفهوم الحسيني للسلطة، فمبدئياً لا بد أن نعرف أن السلطة السياسية عند المدرسة الحسينية تكتسب شرعيتها من قبل الله تعالى أولاً، ثم يأتي دور العقد الاجتماعي المتمثل بالبيعة. وعليه، فلا يمكن للسلطة الإلهية أن تحكم إلا بشرط الالتزام الديني لدى المجتمع، وما لم يكن أتباع المجتمع ملتزمين، فلا معنى للحكومة الدينية، ولن يصمد هذا النوع من السلطة من الأساس.
وما جرى يوم الغدير هو المثال الأبرز والأول؛ حيث اتفقت الآراء كلها على الإطلاق، واختارت الذي اختاره الله، فبايعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) بملء رضاهم، لكن خلال سبعين يوماً فقط فقدوا التزامهم الديني عبر التخلي عن مسؤولية العهد الذي قطعوه، وكان ذلك نتيجة الخوف من الإرهاب والتزوير والتبديل الذي مورس من قبل عصابة خاصة بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم تقم سلطة الشرعية الإلهية.
وفي هذه الحالة، حيث لم يرضخ المجتمع لأوامر الله لأي سبب من الأسباب، وانصاع لسلطة سياسية غير شرعية، فما على أصحاب السلطة الشرعية إلا أن يتخذوا سبيل الوعي والتنوير؛ إذ لا يوجد في قاموسهم الجبر والإكراه أو كسب السلطة بالحديد والنار. وهذا ما كان جلياً في حركة عاشوراء؛ حيث نُشر الوعي بكل وضوح، ولم يترك ثغرة إلا وملأها في هذا السبيل.
فكان سلاح الوعي هو الوحيد دون استخدام أي سلاح آخر، فلم يفرض رأيه بالعنف، وإنما بمحض الرضا، وذلك بناءً على إعلان سيد الشهداء (عليه السلام) الأول، بعد أن وصلته رسائل القوم واستوثق كلامهم بسفرائه، حيث قال: «أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر». وهذان الأمران لا يتركان أثرهما إلا بالاختيار القلبي المحض من قبل المخاطَب، وقدرة سحر البيان من قبل المخاطِب، وذلك هو الذي أثّر على الرأي العام.
وما قامت به السلطة السياسية المتمثلة بالحكم اليزيدي الجائر كان ضد الرأي العام تماماً، فمارست سلطتها من خلال القهر والقمع، إلا أن هذا النوع من السلطة سرعان ما يزول بإزالة وسائل القمع، والذي يبقى هو تلك السلطة الشرعية، الخفية والمغمورة بحسب الظاهر، لكنها العميقة والمتجذرة في الضمائر.