من رسائل عاشوراء: الحرية
محمد علي جواد تقي
2026-06-24 08:24
أعطى الامام الحسين، عليه السلام، أكمل وأشمل معنى لحرية الانسان في هذه الحياة عندما أعلن في ليلة عاشوراء عن حلية أصحابه المتبقين معه، وكانوا هم الثلاثة والسبعون رجلاً، من بيعته كإمام معصوم مفترض الطاعة، و"أن هذا الليل فاتخذوه جملا"، أي تفرقوا في سواد هذه الليل فان القوم لا يطلبون غيري، فلماذا تقتلون أنفسكم معي؟!
هذا السؤال المحوري والتاريخي الذي يشغل المفكرين والفلاسفة على مر الزمن للبحث عن حقيقة شخصية الانسان، وهل هو مسيّر أم مخيّر؟ وما هي فلسفة وجوده في هذه الحياة؟ أجاب عنه أولئك الرجال الملخصين والصادقين ما عاهدوا الله عليه، فاستخدموا ارادتهم وحريتهم وعقولهم في صناعة الموقف واتخاذ القرار الحاسم بإيمان عميق ونفس مطمئنة، فاصبحوا مثالاً للأحرار في كل مكان ممن يرومون تحقيق التغيير في حياتهم الشخصية والجماعية، طبعاً؛ نفس الموقف كرره الحُر الرياحي بشكل يدعو للتأمّل، فهو ما سمع وما شهد الحوار الامام الحسين وأصحابه ليلة عاشوارء، إنما استوقفته "الخِصال" التي عرضها الامام في خطاباته ظهيرة العاشر من المحرم، فاستخدم هو الآخر حريته الحقيقية لاتخاذ الموقف الخالد.
ومنذ ذلك اليوم وللحرية طعمٌ مميز، ومعنى آخر لم تعهده البشرية من قبل، ولم تجربه في قادم الأيام والدهور، ولها فقط التطلع اليها كصورة مشرقة مثل الشمس لمفهوم انساني بشّر به القرآن والإسلام، بغية الاقتداء وتكرار التجربة على مر السنين.
لكن كيف تحول مفهوم الحرية يوم عاشوراء الى ما يشبه الشمس لأهل الأرض، تُعلّم جميع أهل العالم دون استثناء كيف يحققون الحياة وإن كانت هذه الحرية تدعوهم الى الممات؟!
1- لأنها تخرجهم من قفص الذات وحدود المصالح الشخصية، والرؤية المادية للحياة، الى ما هو أبعد مادياً ومعنوياً، فان كان الواحد منّا يبحث عن فرصة العمل، والبيت المريح، والزوجة الصالحة، والحياة الآمنة، فان عدم استجابته لأهوائه ورغباته هي التي تضمن له عدم السقوط في مهاوي الانحراف والفساد كما يحصل للكثير ممن تسألهم عن دوافع القبول بواقع الفساد والرشوة والكذب والاحتيال، يُجيبك: "إنها مقتضيات الحياة"! و "أن يكون الانسان غنياً أفضل من أن يكون فقيراً ومحتاجاً للآخرين"!، مع علمهم بالعواقب السيئة لاعمالهم، بيد أن البعض يعد نفسه شاطراً فيسعى للابتعاد عن مواطن الشبهة والاحتكاك بالطبقة المظلومة حتى لا ينكشف أمره ويكون طعمة للانتقام، وهو مسعى خائب في معظم الأحيان حسب تجارب الزمان.
2- لأنها تخرجهم من قفص الانتماءات العشائرية والحزبية والاثنية التي تجعلهم صامولة (برغي بالمصطلح العراقي) في ماكنة الجماعة، وطالما حذرنا القرآن الكريم من هذا المنزلق وأن {أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}، و{ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}، و{أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}، حتى أمير المؤمنين نبه بهذه الحقيقة بوجود شريحة "الهمج الرعاع ينعقون مع كل ناعق"، وحذرنا من أن نكون منهم، وأن نكون "طلاب على سبيل نجاة"، إن لم نفلح في "عالم متعلّم".
الحرية الحقيقية في عاشوراء تعلمنا أن العيب والاحراج وغيرها من المصطلحات الدارجة تصلح فقط عند اعتاب القيم والمبادئ السماوية لأن {وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ}، وليس على اعتاب بناية أو مؤسسة لجماعة أو شخصية معينة مهما كانت، فالمعيار هو الحق لا غير، ولذا نجد أصحاب الامام الحسين صاغوا لأنفسهم شخصيات لا تشبه انتماءاتهم السابقة، واصبحوا حسينيين بامتياز، فكانت الجائزة الرائعة والعظيمة من الامام الحسين لذلك المقاتل الذي كان بالأمس ينتمي الى شريحة العبيد، ويضع خده على خده وهو حيّ ليتحسس حلاوة الكرامة والعزّ بنفسه وهو على قيد الحياة، ونقرأ عنه في التاريخ أنه ابتهج كثيراً لأن الامام ساوى بينه وبين ابنه على الأكبر، سلام الله عليه، عندما وضع خده الشريف على خدّ ابنه بعد استشهاده.
3- لأن هذه الحرية تعلو على الحكام والسلاطين وما لديهم من أجهزة إعلام ومخابرات وتكنولوجيا عسكرية في قدرتها على تغيير الواقع.
في العقود الماضية خلال القرن الماضي جرّب الحكام والأنظمة الديكتاتورية مصادرة حريات الشعوب بالحديد والنار والسجون والاعدامات الجماعية، ثم استخدموا أسلوب التجويع والحرب النفسية حتى لا يفكر أحد بأنه حُر في قراره ومصيره، وعليه الانصياع لأوامر الحاكم، وعندما وجدوا المقاومة الشديدة والاستبسال في أن يكونوا أحراراً في ديناهم، بدأوا تجربة جديدة اليوم لمصادرة هذا النوع الخاص من الحرية بضربها بالحرية نفسها! من خلال فصل قيم الدين والأخلاق عن مفهوم الحرية وجعلها مثل الدواب تسير على الأرض لا أحد يلومها على ما تفعل.
في مقالات سابقة ذكرت وأكدت على أن الامام الحسين، عليه السلام، ليس مشروع موت بقدر ما هو مشروع حياة وسلام وأمان لأهل العالم اذا ما استفادوا من شعاع النهضة الحسينية بالشكل الصحيح والمتكامل، فالذين خذلوا الامام الحسين يوم عاشوراء، سواءً من تنحّى جانباً طلباً للسلامة، أو من استحال سيفاً بيد السلطة الأموية لقتل ابن بنت رسول الله، هؤلاء ماتوا بعد حين، كما مات أصحاب الامام الحسين يوم عاشوراء، ولكن لسان حالهم قول الشاعر ابو الحسن التهامي:
جاورت أعدائي وجاور ربه
شتّان بين جواره وجواري
حتى قادة الجيش الأموي لم يسعدوا لحظة واحدة بعد ظهيرة يوم العاشر من المحرم، كما تنبأ الإمام الحسين لعمر بن سعد ب"أنك لن تفرح بعدي في دنياً ولا آخرة".
وهذا تحديداً ما يخشاه الحكام في كل مكان، واقصد بالتحديد من يحكمون البلاد الإسلامية بأن يجدوا الناس اكتشفوا الطريق الصحيح الى الحياة الكريمة، ويتضح فساد طريقهم ومحاولاتهم رغم الحريات المغرية التي يتحدثون عنها عبر وسائل الاعلام، وعبر الندوات والمؤتمرات هنا وهناك.