عاشوراء.. تاريخ الذاكرة أم ذاكرة التاريخ

حكمت السيد صاحب البخاتي

2026-06-21 04:23

ما هو تعريف التاريخ؟ وما حكم صلته بالزمان؟ لقد استندت كل التعريفات للتاريخ الى مفهوم الوقت والحدث واقتران بعضهما ببعض وينقل صاحب كشف الظنون في تعريف التاريخ (التاريخ في اللغة: تعريف الوقت مطلقا، يقال: أرخت الكتاب تاريخا، وورخته توريخا، كما في "الصحاح". قيل: هو معرب من ماه روز وعرفا: هو تعيين وقت لينسب إليه زمان يأتي عليه، أو مطلقا يعني: سواء كان ماضيا أو مستقبلا.

 وقيل: تعريف الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع، من ظهور ملة أو دولة أو أمر هائل من الآثار العلوية والحوادث السفلية مما يندر وقوعه، جعل ذلك مبدأ لمعرفة ما بينه وبين أوقات الحوادث والأمور التي يجب ضبط أوقاتها في مستأنف السنين، وقيل: عدد الأيام والليالي بالنظر إلى ما مضى من السنة والشهر وإلى ما بقي)[1].

 وميز حاجي خليفه بينه وبين علم التاريخ في موضوعه فقال (وعلم التاريخ: هو معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائع أشخاصهم وأنسابهم ووفياتهم، إلى غير ذلك)[2]. فالتاريخ حدث وواقعة وعلم التاريخ معرفة وفكر والتاريخ مشترك في التداول بين الناس كأخبار وحكايات وطريقته النقل الشفوي والتواتر الجماعي وهو يحفظ ذاكرة الجماعة وتغرس فيه الهوية بعمق الانتماء، وقد تضفى عليه الروح الملحمية ولغة الأساطير المجازية من أجل ترسيخ قواعد الانتماء وجذور الهوية.

 وأما علم التاريخ فهو اختصاص منهجي وتعليمي ويتقنه أهل الاختصاص به وكان في أول أمره حفظا وتلقينا، ومع تطور الحضارة صار درسا وتدوينا ثم صار فروعا وتخصيصا واتصل بغيره من العلوم اتصال حاجة وضرورة فيه، فكل العلوم تمر على ضفافه وتتزود برحيقه وتشم عبيره.

 وتعددت أصناف الباحثين والكاتبين فيه فمنهم المؤرخين الكبار ومنهم الرواة الاخباريين ومنهم مؤرخي الطبقات ومنهم مؤرخي الوفيات ومنهم مؤرخي الأداب ومنهم مؤرخي الديانات، وتطول قائمة الأصناف من المؤرخين وكل صنف منهم قد اختص بفرع أو علم خاص من علم التاريخ، ثم تطور في الزمن الأخير الى فلاسفة في التاريخ وعلماء أكاديمين لم يتركوا شبرا من الجغرافيا[3] والتاريخ إلا وحشروا عقولهم وأفكارهم في أحداثه ووقائعه.

ولعل أغنى أمة في العناية بالتاريخ هي أمة الإسلام فلا نكاد نجد إرثا تاريخيا مدونا أو محكيا في الأمم الأخرى يقارن بما عليه أمة الإسلام.

والتاريخ الرسمي أي الذي يدخل في وظيفة علم التاريخ دوّنه وكتبه العلماء في الإسلام من الموسوعيين والحفاظ الألمعيين على اختلاف مذاهبهم وفرقهم، ولكن الصبغة الطاغية عليه هي تاريخ الإسلام والحوادث التي وقعت في أيامه الأولى وما تلاها، وقسموا أصنافها الى المبدأ أو المبتدأ وهو يعني بتاريخ الخلق منذ عصر آدم والأنبياء والملوك، من بعده ثم السيرة وهي تعني بسيرة النبي الأكرم والرسول الأعظم منذ بدء الوحي وما قبله بقليل في ما يخص تاريخ النبي في ولادته وشبابه وبشاراته قبل البعثة ثم تبدأ السيرة مع تاريخ البعثة ونزول الوحي حتى وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تاريخ الدول في الإسلام بدء بالخلافة وانتهاءا بعصر المؤرخ في الممالك الإسلامية المتأخرة.

وبموازاة ذلك كان هناك تاريخ أخر ترويه العامة من الناس أو حتى النخب من الناس في الإسلام لكنه لا يدخل في سياقات التاريخ الرسمي الذي كان يراعي السلطة أو الانتماء المذهبي وهو ما يصح أن نطلق عليه التاريخ العامي أو الشعبي، وتحتفظ بعض فرق الإسلام الكبرى والمهمة بتاريخ خاص بها ومن خلاله أو من خلال روايته الدائمة والمستمرة تنقض به التاريخ الرسمي الدائر في فلك السلطة والفرق المسيطرة على الدولة والحكم، وهذا التاريخ الخاص يغذي الهوية الخاصة بهذه الفرق ويمنحها فرصة التعبير عن ذاتها وهويتها المقموعة في ظل السلطة السياسية، وهو بهذا يشكل ذاكرة تاريخ أو بالأحرى تاريخ ذاكرة وليس مجرد روي قصصي–تاريخي، وهو يتواشج في كونه تاريخ ذاكرة بروح هذه الجماعة ويشكل أحد أهم عناصر ديمومتها في الصراع من أجل البقاء.

 وغالبا ما يقترن هذا التاريخ المقموع رسميا والمتداول شعبيا يقترن بممارسات طقوسية أو تظاهرات اجتماعية تدخل في صميم التقاليد الخاصة بهذه الفرق التي تمارس المقاومة غير المسلحة في سبيل بقائها، فهي تضخ معاني الوجود وتغذي عناصر الهوية بحتمية البقاء والانتصار على محاولات المحو والطمس التي تمارسها قوى القمع السياسي بواسطة أدوات وآليات السلطة، التي تجد في تلك الممارسات تقويضا لشرعيتها واحتجاجا سياسيا صامتا على سلطتها وعلى سياسات القمع والاضطهاد التي تمارسها.

 وتتشكل في ممارسات تلك الذاكرة في تمثلها للتاريخ آليات الدفاع عن الذات وبأساليب تدع سياسات السلطة حائرة في كيفية المواجهة والرد، فهي صوت يدوي لكنه بصمت ونشيد يعزف تفاصيل القضية في أصداء اللحن الإنساني، وهو يضمخ مشاعر الإنسان بعطر النبل الإنساني ويدعوا الى السؤال لماذا هذا الطقس؟ ولماذا هذا الشعور العابر للزمن؟ ولماذا هذا العزف على أوتار القلوب؟

 وهنا يشرع البحث وإعادة النظر في ما يرويه التاريخ الرسمي أو ما يرويه التاريخ السلطوي المضلل والدؤوب في عملية البتر والاخفاء وذكر نصف الحقيقة دون نصفها الأخر، والأهم في الحدث والواقعة، وهكذا نشأ تاريخ عاشوراء في ظل التاريخ الشعبي وروته مصادر التراث وهي تكمل الحلقات المفقودة في التاريخ الرسمي، فكانت كتب المقاتل وبالكم الهائل الذي أنتجته الذاكرة الشيعية وبعض منه كتبته أقلام سنية متعاطفة مع ذاكرة تاريخ يمتزج بعطر النبوة ويشم فيه رائحة آل البيت تشكل مصدرا مهما في تاريخ عاشوراء، كتاريخ شعبي يشتغل خارج إرادة وسياسات السلطة والدولة.

 وإذا كان بعض التاريخ الرسمي أو كثير منه قد تعرض الى ذكر واقعة الطف ورواية ما جرى على سبط النبي في أرض كربلاء، فإن رواياته كانت حصرا عن مصادر الشيعة والكوفيين من رجال الشيعة وهي إشارة الى التعتيم المخطط له من جانب المصادر الروائية أو الرواة الأخرين الذين غضوا النظر وتجاهلوا رواية واقعة الطف عمدا، بل عمد البعض منهم الى تصنيفها في دائرة الفتنة أو الدفع عن المتهمين والفاعلين في الجريمة التاريخية الكبرى في قتل وأسر آل النبي، وهو ينزع عن القمع والقسر الفكري الذي مارسته مؤسسات معرفية وأكاديمية في تاريخ الدولة الإسلامية.

وشكلت طقوس عاشوراء ترجمة واقعية عن مجريات الحدث الكربلائي وأثاره النفسية والعاطفية فضلا عن تأثيراته الفكرية والسياسية في المجتمع الإسلامي، فقد كان حاضرا مقتل الحسين على مر الزمان في العراق بواسطة طقوس عاشوراء لا سيما في ما تضفيه آليات وأساليب، هذه الطقوس التي صارت ومع مرور الزمن تخضع الى نظام من التقاليد والتوجيهات بما يرفعها الى مستوى الفن الاجتماعي والأداء الشعبي المقنن وفق أعراف عاشورائية خاصة، تمكنت من خلالها التحول الى نظام طقسي أو طقس منظم.

 وبهذا استطاعت هذه الطقوس أن تعبر عن ذاكرة تاريخ تعرض الى القمع المستمر وبنفس الوقت تعبير عن تاريخ ذاكرة تعرضت وعلى امتداد خط التاريخ الرسمي الى محاولات المحو والاخفاء والاقصاء الى الهامش لكنه برسوخه وبقائه استطاع أن يدخل الى المتن في العالم المعاصر.

.............................................

[1] - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مصطفى عبد الله القسطنطيني المعروف بكاتب جلبي وبحاجي خليفة، تحقيق إكمال الدين إحسان أوغلي - بشار عواد معروف - مهران محمود الزعبي - محمود بشار العبيدي، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي - مركز دراسات المخطوطات الإسلامية، لندن – إنجلترا، الطبعة الأولى، السنة ١٤٤٣ هـ - ٢٠٢١ م، ج2ص190-

[2] - المصدرنفسه، ج2ص190-

[3] - في الجغرافيا أعني المؤرخين المنقبين والأثاريين-

ذات صلة

الإمام الحسين عليه السلام وثلاثية الخلاصالحسين عليه السلام وإعادة اكتشاف معنى الكرامةدور تحالف (باكس سيليكا) في تشكيل المنافسة التكنولوجية العالميةالزيدي.. الدولة أولاوأن ليس للإنسان الا ما سعى