الفنانة زينب رعد محمد: ذاكرة الفحم وألوان الروح في أزقة كربلاء

أوس ستار الغانمي

2026-06-17 03:12

في مدينة كربلاء المقدسة، حيث تمتزج الروحانية بالحكايات القديمة، وحيث تحفظ الأزقة ذاكرةً مختلفة تشبه تاريخ المكان وهدوءه، كانت طفلة صغيرة تمسك القلم وكأنه جزء من روحها. لم تكن تدرك آنذاك أن الخطوط الأولى التي ترسمها على الورق ستفتح أمامها طريقًا طويلًا من التجربة والتعبير والمعارض الفنية، وأن تلك المحاولات البسيطة ستقودها لاحقًا إلى تكوين حضورها الخاص داخل المشهد التشكيلي العراقي.

تلك الطفلة هي زينب رعد محمد، المولودة عام 2003، والتي اختارت الفن وسيلةً للبوح، وجعلت من الفحم والأكريلك لغةً تنقل بها ما تعجز الكلمات عن قوله.

اليوم، تقف زينب في الثالثة والعشرين من عمرها، لكنها تتحدث عن الرسم وكأنه ذاكرة عمرٍ كامل. فمنذ طفولتها، انجذبت إلى الوجوه والتفاصيل الدقيقة، وكانت تنظر إلى الملامح البشرية باعتبارها حكايات صامتة تحمل داخلها الكثير من الشعور والأسئلة. لذلك وجدت نفسها قريبة من الرسم بالفحم، لما يمنحه من عمق بصري وقدرة على التقاط الإحساس الإنساني، إلى جانب لوحات الأكريلك التي فتحت أمامها فضاءً واسعًا للألوان والرموز والتكوينات التعبيرية.

وفي سيرتها الفنية، تصف زينب نفسها بأنها “رسامة منذ الطفولة”، وهي عبارة تختصر سنوات من التجريب والصبر والتطور الهادئ. فالفنان يتكوّن تدريجيًا مع كل لوحة جديدة، ومع كل تجربة تمنحه فهمًا أعمق للخطوط والظلال والوجوه والفراغات.

لم تبقِ زينب موهبتها داخل دفاتر الرسم أو الجدران المنزلية، بل حملتها إلى فضاءات العرض والمعارض الفنية. فمنذ عام 2023 وحتى عام 2026، شاركت في معارض عدة داخل كربلاء المقدسة، وبرز حضورها في الأعمال التي حملت أبعادًا إنسانية وروحية واضحة، خصوصًا تلك التي تناولت الرمزية الدينية والوجوه التعبيرية ذات الملامح العميقة.

ومن أبرز مشاركاتها حضورها في “معرض غدير خم الدولي العاشر”، الذي شكّل محطة مهمة في تجربتها الفنية، حيث عرضت أعمالها وسط أجواء ثقافية جمعت فنانين من اتجاهات وأساليب متعددة. هناك، ظهرت لوحاتها وكأنها تتحدث عنها أكثر مما تتحدث هي عن نفسها؛ أعمال تحمل حسًا تأمليًا واضحًا، وتكشف عن شخصية تبحث عن المعنى داخل اللون والتفصيل.

في إحدى زوايا المعرض، كانت الوجوه المرسومة بالفحم تستوقف المتلقي بنظراتها الحادة والصامتة في الوقت ذاته، بينما بدت الأعمال الأخرى مشبعة بالرموز الدينية والروحانية التي تستحضر كربلاء بوصفها قيمة إنسانية وروحية ممتدة داخل الوجدان.

إحدى أبرز لوحاتها تُظهر شخصية تاريخية بملامح قوية مرسومة بالفحم الأسود، حيث يبرز الضوء والظل بتناغم يكشف عن تمكن واضح في معالجة التفاصيل الدقيقة، خصوصًا في الشعر واللحية وتعابير العينين. أما في أعمال الأكريلك، فتتجه الألوان نحو هدوء يحمل داخله توترًا شعوريًا خفيًا، وكأن الفنانة تبحث عن توازن بين الوجع والسكينة داخل التكوين الواحد.

وفي لوحة أخرى، تظهر يدان مرفوعتان بلون أبيض تحيط بهما آثار حمراء توحي بالتضحية والفقد، بينما تتداخل الألوان الداكنة مع الأحمر بطريقة تمنح العمل كثافة شعورية واضحة. تبدو اللوحة أقرب إلى صرخة صامتة تحمل أبعادًا إنسانية وروحية تتجاوز حدود الشكل البصري.

أما الأعمال المستوحاة من الرمزية الدينية، فتأخذ مساحة بارزة في تجربتها الفنية. ففي إحدى اللوحات يظهر شخص مغطى بعباءة خضراء يحمل الأرض بيد، ويرفع بيده الأخرى كتابًا مقدسًا، بينما تدور الكواكب حوله في فضاء مفتوح. هنا تتجه زينب نحو بناء فكرة رمزية تربط بين المعرفة والإنسان والكون، في تكوين بصري يحمل بعدًا تأمليًا واضحًا.

هذا النوع من الأعمال يكشف عن شخصية فنية تميل إلى التأمل والهدوء الداخلي، وتتعامل مع اللوحة باعتبارها مساحة للتفكير والشعور معًا. لذلك تبدو أعمالها قابلة للقراءة بقدر قابليتها للمشاهدة، لأن كل تفصيل فيها يحمل دلالة أو إحساسًا خاصًا.

ورغم حداثة تجربتها، استطاعت زينب أن تحقق حضورًا لافتًا داخل الوسط الفني المحلي، خصوصًا بعد مشاركتها في “معرض كوثر العصمة” و”معرض غدير خم الدولي”، فضلًا عن حصولها على تكريم من العتبة الحسينية المقدسة، وهو تكريم يحمل قيمة معنوية كبيرة لفنانة شابة تنطلق من مدينة تمتلك هذا الثقل الروحي والثقافي.

وفي صورتها التعريفية، تظهر مرتدية العباءة السوداء وإلى جانبها أدوات الرسم والفرش والألوان، في مشهد يشبه تعريفًا بصريًا عن شخصيتها؛ فالفن بالنسبة لها جزء من حياتها اليومية وتفاصيلها المستمرة. حتى طريقة تقديم سيرتها الذاتية جاءت هادئة وأنيقة، تعكس شخصية تميل إلى البساطة والثقة والاشتغال الصامت على تطوير أدواتها.

وربما أكثر ما يميز تجربة زينب هو قدرتها على الاستمرار والمحافظة على شغفها الفني وسط تحديات الحياة اليومية. فهي تتعامل مع الرسم بوصفه رحلة مستمرة نحو اكتشاف ذاتها، لذلك تبدو خطواتها هادئة وواضحة، مدفوعة برغبة حقيقية في تقديم أعمال أكثر نضجًا وعمقًا.

تجربة زينب رعد محمد تتجاوز فكرة الرسم بوصفه هواية أو مهارة، فهي تجربة إنسانة وجدت في الفن وسيلتها الخاصة للتعبير عن مشاعرها وأسئلتها ورؤيتها للعالم. وبين الفحم والأكريلك، وبين الوجوه الصامتة والرموز الروحية، تواصل هذه الفنانة الشابة رسم عالمها الخاص، تاركةً في كل لوحة أثرًا يبقى طويلًا داخل ذاكرة من يتأملها.

ذات صلة

عاشوراء.. رسالة الحرية والنزاهة وتجديد الوعيالرؤية العاشورائية عند المرجع الشيرازيالتشيُّعُالعراق وفخ الحلول الترقيعية: لماذا تعجز المؤسسات عن صياغة استراتيجيات حقيقية؟التعبئة النفسية لطلبة البكالوريا: كيف ننقل الأبناء من خندق التوتر إلى قمة الإنجاز؟