الزيدي في أمريكا: كيف يحوّل العراق العلاقات الدولية إلى مشروع نهضة؟
كمال عبيد
2026-07-15 03:43
هناك لحظات تمر في حياة الدول تشبه تمامًا تلك اللحظات التي يمر بها الإنسان وهو يقف عند مفترق طريقين؛ أحدهما يقوده إلى تكرار الماضي، والآخر يفتح أمامه احتمالًا جديدًا للمستقبل. وفي مثل هذه اللحظات لا تكون قيمة القرار في الحدث نفسه، وإنما في القدرة على استثماره. فقد يزور رئيس دولة عاصمة كبرى، ويعود كما ذهب، فلا يتغير شيء سوى الصور التي تتصدر نشرات الأخبار لساعات قليلة، وقد تتحول الزيارة نفسها إلى نقطة انعطاف تُبنى عليها سياسات اقتصادية وأمنية تمتد آثارها لعقود.
ولهذا لا يحتفظ التاريخ بذاكرة طويلة تجاه الزيارات الرسمية، بقدر ما يحتفظ بنتائجها. فالناس لا يتذكرون عدد المؤتمرات الصحفية التي عُقدت، ولا ترتيب الجلوس في قاعات الاستقبال، ولا العبارات الدبلوماسية التي صيغت بعناية.
ما يبقى هو السؤال البسيط الذي يطرحه المواطن بعد سنوات: ماذا تغيّر في حياتي؟ وهل أصبحت الدولة أكثر قدرة على توفير العمل والخدمات والاستقرار؟ أم بقيت العلاقات الخارجية تدور في فلك البروتوكول، فيما ظل الواقع الداخلي يكرر أزماته القديمة؟
هذا السؤال يفرض نفسه اليوم مع الزيارة التي يقوم بها رئيس مجلس الوزراء العراقي إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأمريكي، وهي زيارة جاءت في توقيت إقليمي ودولي شديد الحساسية؛ فالعالم لم يعد كما كان قبل سنوات قليلة.
الحرب في أوكرانيا أعادت تشكيل أولويات القوى الكبرى، والتنافس الأمريكي–الصيني أخذ أبعادًا اقتصادية وتكنولوجية غير مسبوقة، والشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة رسم للتحالفات والممرات التجارية والطاقة، فيما يحاول العراق أن يجد لنفسه موقعًا وسط هذه التحولات المتسارعة.
في مثل هذا المشهد، لا تبدو الزيارة كأنها محطة دبلوماسية مرحلية، لأن الواقعية السياسية تفرض عليها ان تمثل اختبارًا لقدرة العراق على الانتقال من موقع الدولة التي تتأثر بالتحولات الدولية إلى دولة تحاول التأثير في مسارها، ولو ضمن حدود إمكاناتها. وهذا هو الفارق الجوهري بين السياسة بوصفها إدارةً للأزمات، والسياسة بوصفها صناعةً للفرص.
لقد اعتادت دول كثيرة، خصوصًا في العالم النامي، أن تنظر إلى العلاقات الدولية بمنطق رد الفعل. تنتظر المبادرات القادمة من الخارج، ثم تبدأ بمناقشة كيفية التعامل معها. أما الدول التي استطاعت أن تحقق قفزات تنموية خلال العقود الأخيرة، فقد تعاملت مع العلاقات الدولية باعتبارها موردًا استراتيجيًا يُدار بعقل اقتصادي طويل الأمد، لا بمجرد حسابات سياسية آنية.
ولعل تجربة فيتنام تقدم مثالًا واضحًا على ذلك. فهذه الدولة التي كانت ساحة لحرب مدمرة مع الولايات المتحدة، أصبحت بعد عقود شريكًا اقتصاديًا مهمًا لواشنطن، ليس لأن الماضي قد مُحي من الذاكرة، وإنما لأن القيادة الفيتنامية قرأت المتغيرات الدولية بعين المصالح الوطنية، وربطت علاقاتها الخارجية بخطط التنمية الصناعية وجذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا.
والأمر ذاته يمكن ملاحظته في تجارب سنغافورة وكوريا الجنوبية وبعض دول الخليج؛ إذ لم تنظر هذه الدول إلى علاقاتها مع القوى الكبرى بوصفها اصطفافات سياسية، وإنما باعتبارها أدوات لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا، وإدارة أكثر كفاءة، وتعليم أكثر تطورًا، وبنية تحتية تجعلها جزءًا من الاقتصاد العالمي.
أما العراق، فقد بقي طوال سنوات طويلة أسيرًا لنمط مختلف من إدارة العلاقات الخارجية. فبعد عام 2003، تحولت السياسة الخارجية في كثير من الأحيان إلى امتداد للصراعات الداخلية، وأصبح الخارج ينعكس على الداخل أكثر مما ينعكس الداخل على الخارج.
ولهذا وجد العراق نفسه في أوقات كثيرة ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين، أكثر من كونه صاحب مشروع وطني قادر على توظيف تلك التقاطعات لمصلحة شعبه.
ولا يعود ذلك إلى ضعف الموقع الجغرافي، فالعراق يمتلك واحدًا من أهم المواقع الاستراتيجية في المنطقة، ولا إلى نقص الموارد، فهو من أغنى الدول بالنفط والموارد الطبيعية، ولا إلى غياب الإمكانات البشرية، إذ يمتلك قاعدة شبابية واسعة وطاقات علمية كبيرة. المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الرؤية التي تحول هذه العناصر إلى مشروع دولة متكامل.
فالعلاقات الدولية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تعوض غياب المشروع الوطني. ويمكن لأي دولة أن توقّع عشرات الاتفاقيات، وأن تعقد مئات اللقاءات مع قادة العالم، من دون أن ينعكس ذلك على حياة مواطنيها إذا لم تكن هناك مؤسسات قادرة على تحويل الاتفاقيات إلى خطط تنفيذية، والاستثمارات إلى مصانع، والتفاهمات السياسية إلى استقرار اقتصادي واجتماعي.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق زيارة واشنطن لا يتعلق فقط بما ستقدمه الولايات المتحدة للعراق، وإنما بما يملكه العراق أصلًا من رؤية لاستثمار هذه العلاقة. فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها، وهذه قاعدة مستقرة في علم العلاقات الدولية. أما نجاح الدولة الصغيرة أو المتوسطة، فيرتبط بقدرتها على جعل تلك المصالح تتقاطع مع أولوياتها الوطنية.
ومن هنا تبدأ القيمة الحقيقية لأي زيارة خارجية. فالعبرة لا تكمن في عدد الملفات المطروحة على طاولة الحوار، وإنما في وضوح المشروع الذي يحمله الوفد المفاوض، ومدى انسجامه مع احتياجات الدولة خلال السنوات المقبلة.
ولهذا، فإن زيارة واشنطن قد تكون بداية صفحة جديدة، وقد تصبح حدثًا عابرًا ينضم إلى أرشيف الزيارات الرسمية. والفارق بين الاحتمالين لا تحدده العاصمة التي تستقبل الوفد، وإنما تحدده بغداد عندما يعود إليها الوفد محملًا بالالتزامات، حيث تبدأ المرحلة الأصعب، مرحلة التنفيذ، وهي المرحلة التي تُختبر فيها قدرة الدول على تحويل السياسة إلى تنمية، والدبلوماسية إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.
عندما تتغير أولويات العالم... أين يقف العراق؟
في العلاقات الدولية، لا توجد صداقات دائمة، كما لا توجد خصومات أبدية. هذه ليست مقولة سياسية متداولة فحسب، بل قاعدة أثبتتها التجارب الحديثة. فالدول تعيد ترتيب أولوياتها كلما تغيّر ميزان القوة أو تبدلت مصالحها الاقتصادية والأمنية، ولهذا تبدو خريطة التحالفات في العالم اليوم أكثر سيولة من أي وقت مضى.
فالولايات المتحدة، التي كانت تنظر إلى الشرق الأوسط لعقود طويلة من زاوية مكافحة الإرهاب وتأمين إمدادات النفط، أصبحت تتعامل مع المنطقة ضمن معادلة أكثر تعقيدًا. المنافسة مع الصين، والحرب في أوكرانيا، وأمن سلاسل الإمداد العالمية، وأمن الطاقة، والتحول نحو الاقتصاد الرقمي، جميعها دفعت واشنطن إلى إعادة تقييم حضورها في المنطقة، ليس على أساس الانتشار العسكري فقط، وإنما من خلال بناء شراكات اقتصادية وأمنية أكثر استدامة.
ضمن هذا السياق، عاد العراق ليحظى باهتمام متزايد داخل دوائر القرار الأمريكية. وليس بسبب النفط وحده كما كان يُعتقد سابقًا، فالعراق يمتلك مجموعة من عناصر القوة التي تجعله حاضرًا في الحسابات الاستراتيجية. فهو يقع عند تقاطع الخليج وبلاد الشام وتركيا وإيران، ويملك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، ويُعدّ مشروع "طريق التنمية" الذي يربط ميناء الفاو بتركيا وأوروبا أحد أكثر المشاريع اللوجستية طموحًا في المنطقة. كما أن استقراره أو اضطرابه ينعكس مباشرة على أمن الشرق الأوسط وأسواق الطاقة العالمية.
ولهذا لم يكن من المستغرب أن تركز تقارير صادرة عن مراكز بحثية أمريكية، مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ومؤسسة كارنيغي، على أهمية دعم مؤسسات الدولة العراقية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز استقلال القرار الاقتصادي، باعتبارها عناصر أساسية لتحقيق استقرار طويل الأمد، أكثر من التركيز على الحلول الأمنية وحدها.
كما أن تقارير حديثة لوكالات دولية مثل رويترز وبلومبرغ أشارت إلى أن الاهتمام الأمريكي بالعراق يرتبط أيضًا بملفات الطاقة، واستثمار الغاز المصاحب، وتطوير قطاع الكهرباء، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وهي ملفات تمس الاقتصاد العراقي بصورة مباشرة، وتمثل في الوقت نفسه جزءًا من رؤية أوسع لتحقيق الاستقرار الإقليمي.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: ماذا تريد واشنطن من العراق؟ فهذا السؤال يمكن الإجابة عنه بسهولة عبر قراءة المصالح الأمريكية المعلنة وغير المعلنة. السؤال الأكثر أهمية هو: هل يمتلك العراق مشروعًا واضحًا لما يريده من هذه العلاقة؟
هذه النقطة غالبًا ما تُهمَل في النقاشات العامة. فالكثير من الدول النامية تدخل المفاوضات وهي منشغلة بما سيقدمه الطرف الآخر، بينما تبدأ الدول الصاعدة المفاوضات من سؤال مختلف: ما الذي نحتاج إليه نحن؟ وكيف نجعل الطرف الآخر يرى مصلحته في تحقيق جزء من أهدافنا؟
تجربة كوريا الجنوبية بعد الحرب الكورية تقدم مثالًا بالغ الدلالة. فقد خرجت البلاد في خمسينيات القرن الماضي مدمرة اقتصاديًا، وتعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي. لكن القيادة الكورية لم تتعامل مع المساعدات بوصفها غاية، وإنما باعتبارها فرصة لبناء قاعدة صناعية وتعليمية قادرة على تحقيق الاكتفاء التدريجي. وبعد عقود قليلة، أصبحت كوريا الجنوبية من أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم، ولم يعد الحديث يدور حول حجم المساعدات التي حصلت عليها، وإنما حول حجم التكنولوجيا التي تصدرها إلى العالم.
والدرس نفسه يتكرر في تجارب أخرى. فالدول التي نجحت في تحويل علاقاتها الدولية إلى رافعة للتنمية كانت تمتلك مشروعًا داخليًا واضحًا، يعرف ماذا يريد، ويحدد أولوياته، ويضع جدولًا زمنيًا للتنفيذ. أما الدول التي غاب عنها هذا المشروع، فقد بقيت تتحرك بين العواصم الكبرى من دون أن يتغير موقعها في خريطة التنمية.
العراق اليوم يقف أمام فرصة لا تخلو من التعقيد. فهو يمتلك موارد مالية كبيرة، وموقعًا جغرافيًا يجعل منه حلقة وصل بين آسيا وأوروبا والخليج، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات مزمنة تتمثل في الاقتصاد الريعي، والبيروقراطية، وضعف البنية المؤسسية، والفساد، والتذبذب في تنفيذ المشاريع الكبرى.
لهذا، فإن نجاح أي تفاهمات تُبرم في واشنطن لن يُقاس بعدد البيانات المشتركة، وإنما بقدرتها على معالجة هذه الاختناقات البنيوية. فالمستثمر الدولي لا يبحث عن الوعود، بل عن بيئة قانونية مستقرة، وقضاء مستقل، وإدارة كفوءة، وبنية تحتية قادرة على استيعاب الاستثمارات.
ومن هنا تتحول الزيارة من حدث سياسي إلى اختبار إداري واقتصادي. فكل اتفاقية جديدة تطرح سؤالًا عمليًا: هل تملك مؤسسات الدولة القدرة على تنفيذها؟ وهل توجد رؤية متكاملة تربطها بخطط الإصلاح الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل، وتحسين بيئة الأعمال؟
إن الدول لا تُقاس بعدد أبوابها المفتوحة على العالم، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الأبواب إلى ممرات تعبر منها المعرفة، والتكنولوجيا، والاستثمار، وفرص العمل. وهذه هي اللحظة التي تتحول فيها الدبلوماسية من فن إدارة العلاقات إلى فن صناعة المستقبل.
المشكلة ليست في الزيارات... المشكلة تبدأ بعد العودة إلى بغداد
في كل مرة تُعلن فيها زيارة رسمية إلى عاصمة كبرى، يتكرر المشهد ذاته؛ عناوين متفائلة، تصريحات عن "آفاق جديدة"، صور تجمع القادة، وبيانات مشتركة تتحدث عن التعاون والشراكة والمصالح المتبادلة. وبعد أسابيع أو أشهر، يعود السؤال نفسه: ماذا تحقق؟
هذا السؤال لا يخص العراق وحده، بل يشكل أحد أكثر الأسئلة حضورًا في أدبيات التنمية السياسية. فالباحثون في علم بناء الدولة يميزون بين الدبلوماسية المنتجة والدبلوماسية الاستهلاكية. الأولى تجعل العلاقات الخارجية وسيلة لتحقيق أهداف داخلية واضحة، بينما تتحول الثانية إلى نشاط سياسي يستهلك الوقت والجهد من دون أن يغيّر الواقع الاقتصادي أو الاجتماعي.
ولهذا فإن نجاح أي زيارة خارجية لا يُقاس في المطار، ولا داخل قاعات الاستقبال، وإنما داخل الوزارات، وهيئات الاستثمار، والمؤسسات التنفيذية، والمحاكم، والجامعات، والمصانع، حيث تبدأ عملية تحويل الاتفاقيات إلى واقع ملموس.
لقد نجحت دول عديدة في تحويل العلاقات الدولية إلى مشروع نهضة لأنها كانت تعرف ما الذي تبحث عنه. فعندما انفتحت الصين على الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن الهدف تحسين الصورة السياسية فحسب، وإنما نقل التكنولوجيا، واستقطاب الاستثمارات، وإعادة بناء الاقتصاد. وعندما دخلت فيتنام مرحلة تطبيق المصالح مع واشنطن، لم يكن ذلك إعلانًا لنهاية الحرب فقط، بل بداية لخطة اقتصادية جعلت من البلاد واحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في آسيا.
أما الدول التي اكتفت بالبعد البروتوكولي للعلاقات الخارجية، فقد ظلت تدور في الحلقة نفسها؛ زيارات متكررة، اتفاقيات كثيرة، وتنفيذ محدود، لأن الحلقة الأضعف لم تكن في الخارج، بل في الداخل.
العراق ليس استثناءً من هذه القاعدة. فمنذ عام 2003 شهد عشرات الزيارات المتبادلة مع عواصم القرار، ووقّع اتفاقيات في مجالات الطاقة، والتعليم، والأمن، والاستثمار، والصحة، والنقل. بعض هذه الاتفاقيات دخل حيّز التنفيذ، بينما بقي جزء كبير منها رهين التعقيدات الإدارية، أو ضعف المتابعة، أو تضارب الصلاحيات، أو غياب الرؤية المؤسسية.
هنا يظهر الفرق بين الدولة التي تدير الفرص والدولة التي تكتفي باستقبالها.
فالفرصة، مهما كانت كبيرة، لا تنتج أثرًا تلقائيًا. إنها تشبه البذرة؛ قد تحمل في داخلها شجرة كاملة، لكنها تحتاج إلى تربة صالحة، وماء، ورعاية مستمرة. والعلاقات الدولية تعمل بالطريقة نفسها؛ فهي تفتح الأبواب، لكن عبور تلك الأبواب يحتاج إلى إدارة كفوءة، وتشريعات مستقرة، ومؤسسات تمتلك القدرة على الإنجاز.
ولعل أبرز ما يحتاجه العراق في هذه المرحلة ليس المزيد من الاتفاقيات بقدر ما يحتاج إلى إعادة تعريف وظيفة السياسة الخارجية.
فالدبلوماسية الحديثة لم تعد تقتصر على إدارة الملفات السياسية والأمنية، بل أصبحت جزءًا من الاقتصاد الوطني. السفير اليوم يسوّق للاستثمار، ويبحث عن شراكات جامعية، ويستقطب التكنولوجيا، ويفتح الأسواق أمام المنتجات الوطنية، ويعمل على جذب الشركات الكبرى.
هذا التحول هو ما جعل دولًا صغيرة في المساحة والسكان تتحول إلى مراكز اقتصادية عالمية. سنغافورة لم تمتلك النفط، ولم تكن تملك سوقًا داخلية كبيرة، لكنها امتلكت رؤية واضحة جعلت من كل علاقة خارجية فرصة لبناء الداخل. ودول أخرى تبنت النهج نفسه عندما ربطت شراكاتها الدولية بمشروعات البنية التحتية، والموانئ، والطيران، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي.
أما العراق، فإنه يمتلك من المقومات ما يفوق كثيرًا من هذه الدول؛ ثروة نفطية، وموقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وعمقًا تاريخيًا، وسوقًا كبيرة، وموارد بشرية شابة. غير أن هذه المقومات تحتاج إلى عنصر حاسم لا يُستورد من الخارج، وهو الإدارة الاستراتيجية.
فالاستثمار لا يبحث فقط عن الموارد، وإنما عن الثقة. والشركات العالمية لا تقرر دخول أي سوق اعتمادًا على حجم الثروة الطبيعية وحدها، بل تدرس استقرار التشريعات، وسرعة التقاضي، وشفافية الإجراءات، وكفاءة الإدارة العامة، ومستوى البنية التحتية. ولهذا فإن أي زيارة خارجية، مهما بلغت أهميتها، ستبقى محدودة الأثر إذا لم تتزامن مع إصلاحات داخلية تُشعر المستثمر بأن العراق لا يقدم فرصة اقتصادية فحسب، بل يقدم بيئة يمكن الوثوق بها.
ومن هنا، يمكن النظر إلى زيارة واشنطن باعتبارها نافذة زمنية أكثر منها حدثًا سياسيًا. فالنافذة قد تُفتح لفترة محدودة، ثم تُغلق إذا لم تُستثمر في الوقت المناسب. وهذا ما تؤكده تجارب الدول التي أضاعت فرصًا تاريخية بسبب بطء القرار، أو تضارب المصالح، أو غياب الإرادة التنفيذية.
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار العراقي بعد انتهاء الزيارة ليس: كيف استقبلتنا واشنطن؟ وإنما كيف سنحوّل ما تحقق هناك إلى تغيير يراه المواطن هنا؟
فالسياسة الخارجية الناجحة لا تُقاس بعدد الأصدقاء، وإنما بعدد المدارس التي بُنيت، والمصانع التي افتُتحت، والوظائف التي خُلقت، والشباب الذين وجدوا مستقبلهم داخل وطنهم. وعند هذه النقطة تحديدًا، يتوقف الحديث عن زيارة، ويبدأ الحديث عن مشروع دولة.
العراق أمام ثلاثة طرق... هل تتحول اللحظة السياسية إلى مشروع دولة؟
التاريخ يمنح الدول فرصًا لا تتكرر كثيرًا، لكنه لا يمنحها ضمانات. فالفرصة السياسية تشبه نافذة تُفتح في جدار الزمن، وقد تكون واسعة بما يكفي لعبور مشروع وطني كامل، وقد تضيق حتى تصبح مجرد ذكرى في أرشيف الأحداث. والفارق بين الحالتين لا تصنعه الظروف الخارجية وحدها، وإنما تصنعه قدرة الدولة على قراءة اللحظة، واتخاذ القرار، وتحويل الإمكانات إلى نتائج.
العراق اليوم يقف أمام مرحلة تحمل قدرًا كبيرًا من التعقيد والفرص في آن واحد. فهو يتحرك في منطقة تعيش إعادة ترتيب لموازين القوى، ويحاول أن يثبت أن دوره لا ينبغي أن يُختزل في كونه ساحة تتنافس فيها القوى الإقليمية والدولية، وإنما دولة تمتلك مصالحها الخاصة ورؤيتها الوطنية.
ولهذا فإن مستقبل العلاقة العراقية–الأمريكية، وما يمكن أن ينتج عنها من تفاهمات اقتصادية وسياسية وأمنية، سيبقى مرتبطًا بثلاثة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول: تحويل الشراكة إلى مشروع تنمية حقيقي
هذا هو السيناريو الأكثر إيجابية، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية وإدارية تتجاوز حدود الخطابات. في هذا المسار، لا تُفهم العلاقة مع الولايات المتحدة باعتبارها ملفًا أمنيًا فقط، وإنما باعتبارها بوابة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي والتعليم والطاقة. فالعراق يمتلك مشكلة واضحة: دولة غنية بالموارد، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على مصدر دخل واحد، وهو النفط.
وتشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد العراقي يواجه تحديات مرتبطة بالاعتماد على الإيرادات النفطية، وضعف تنويع الاقتصاد، وارتفاع حجم القطاع العام مقارنة بالقطاع الخاص. وهذه ليست مشكلات مالية فقط، وإنما تحديات مرتبطة بنموذج إدارة الدولة.
فالنفط يمنح العراق قوة مالية كبيرة، لكنه لا يصنع وحده اقتصادًا مستدامًا. الدول التي نجحت في استثمار ثرواتها الطبيعية لم تكتفِ ببيع الموارد، وإنما استخدمتها لبناء قطاعات إنتاجية جديدة.
النرويج مثال واضح؛ فقد حولت عائدات النفط إلى صندوق سيادي ضخم يخدم الأجيال المقبلة. ودول أخرى استخدمت مواردها لتمويل التعليم والتكنولوجيا والصناعة. أما الخطر فهو أن تتحول الثروة إلى وسيلة لتمويل الاستهلاك فقط.
ومن هنا، فإن أي شراكة دولية ناجحة يجب أن تجيب عن سؤال جوهري: كيف ننتقل من اقتصاد يعتمد على بيع الثروة إلى اقتصاد يصنع القيمة؟
قد يكون قطاع الطاقة أحد أهم المجالات القابلة للتطوير، خصوصًا في ظل الحاجة إلى استثمار الغاز المصاحب، وتطوير شبكة الكهرباء، وتقليل الاعتماد على الاستيراد. كما يمكن للعراق أن يستفيد من خبرات الشركات العالمية في مجالات البنية التحتية، والرقمنة، وإدارة الموارد.
لكن ذلك يتطلب بيئة داخلية مختلفة؛ قوانين واضحة، وقضاء فعال، وإدارة حديثة، ومؤسسات تعمل وفق معايير الكفاءة لا وفق التوازنات السياسية.
السيناريو الثاني: استمرار العلاقة ضمن حدود الإدارة السياسية للأزمات
هذا السيناريو هو الأكثر احتمالًا إذا بقيت الإصلاحات الداخلية محدودة. في هذه الحالة ستستمر العلاقات الخارجية، وستُعقد الاجتماعات، وستُعلن الاتفاقيات، لكن تأثيرها سيبقى أقل من المتوقع؛ لأن المشكلة الأساسية ليست في غياب الدعم الخارجي، وإنما في ضعف القدرة على تحويل الدعم إلى مشاريع مستدامة. وهنا تظهر واحدة من أكبر تحديات الدول النامية: محاولة حل مشكلات الداخل بأدوات الخارج.
فلا توجد دولة تستطيع بناء اقتصاد قوي اعتمادًا على العلاقات الدولية وحدها. الشراكات الخارجية تساعد، لكنها لا تعوض ضعف الإدارة. والاستثمارات لا تأتي فقط بسبب الموارد الطبيعية، وإنما بسبب الثقة بالنظام الاقتصادي والقانوني.
وفي هذا السياق، فإن استمرار البيروقراطية، وضعف مكافحة الفساد، وتأخر الإصلاح الإداري، قد تجعل العراق يفقد جزءًا من الفرص المتاحة، كما حدث مع دول كثيرة امتلكت موارد ضخمة لكنها لم تتمكن من تحويلها إلى قوة تنموية.
فالفساد لا يسرق الأموال فقط، وإنما يسرق الوقت أيضًا، والوقت في السياسة الدولية مورد ثمين. الدول التي تتحرك بسرعة وتبني مؤسساتها تستفيد من التحولات العالمية، بينما الدول التي تؤجل الإصلاح تجد نفسها دائمًا تحاول اللحاق بالفرص الضائعة.
السيناريو الثالث: عودة العراق إلى دائرة الصراع الدولي
هناك احتمال آخر لا يمكن تجاهله، وهو أن تتحول الأراضي العراقية مرة أخرى إلى مساحة للتنافس بين القوى الكبرى والإقليمية، خصوصًا مع استمرار التوترات في المنطقة.
العراق يمتلك موقعًا حساسًا، وهذا الموقع يمثل مصدر قوة عندما يُدار بحكمة، لكنه قد يتحول إلى مصدر ضغط إذا غابت الرؤية الوطنية.
التاريخ الحديث للعراق يقدم درسًا مهمًا: الدول التي تفقد توازن علاقاتها الخارجية تصبح أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية، بينما الدول التي تمتلك مشروعًا وطنيًا واضحًا تستطيع بناء علاقات متعددة تحفظ مصالحها.
فالاستقلال في السياسة الخارجية لا يعني القطيعة مع العالم، كما أن الانفتاح لا يعني فقدان القرار الوطني. المعادلة الناجحة تقوم على بناء علاقات متوازنة تجعل العراق شريكًا لا تابعًا، وحاضرًا لا ساحة.
بين واشنطن وبغداد... الاختبار الحقيقي يبدأ من الداخل
ربما يكون أهم ما تكشفه هذه الزيارة هو أن مستقبل العراق لن يُحسم في العواصم الأجنبية فقط، وإنما داخل مؤسسات الدولة العراقية نفسها.
فالولايات المتحدة وغيرها من القوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها، وهذه طبيعة العلاقات الدولية. والدولة التي تعرف مصالحها تستطيع أن تجعل الآخرين يتعاملون معها وفق حساباتها.
العراق لا يحتاج إلى البحث عن مكان في العالم؛ فموقعه وثروته وتاريخه منحته مكانة مهمة. ما يحتاجه هو أن يعيد بناء أدواته الداخلية حتى يصبح قادرًا على استخدام هذه المكانة.
المستقبل لا تصنعه الاتفاقيات وحدها، وإنما تصنعه الإدارة التي تقف خلف الاتفاقيات.
فقد يوقع بلد ما عشرات الاتفاقيات ولا يتغير شيء، وقد يوقع اتفاقية واحدة فقط ويحولها إلى مشروع تاريخي إذا امتلك رؤية واضحة ومؤسسات قادرة على التنفيذ.
وهنا يعود السؤال الأكبر:
هل ستكون زيارة واشنطن بداية انتقال العراق من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة المستقبل؟ أم ستبقى محطة أخرى في سلسلة طويلة من الفرص التي مرت دون أن تتحول إلى واقع؟
الإجابة لن تظهر في التصريحات السياسية، وإنما في السنوات القادمة؛ عندما يرى المواطن العراقي أثر هذه العلاقات في اقتصاده، وخدماته، وفرص شبابه، وثقته بمؤسسات دولته.
فالدول لا تنهض عندما تصبح لديها علاقات أكثر، وإنما عندما تصبح لديها قدرة أكبر على تحويل تلك العلاقات إلى حياة أفضل لشعوبها.