أين نحن من أخلاق الحوار؟

محمد علي جواد تقي

2026-01-28 03:11

"مِنَ التَّوَاضُعِ أَنْ تَرْضَى بِالْمَجْلِسِ دُونَ الْمَجْلِسِ وَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى مَنْ تَلْقَى وَ أَنْ تَتْرُكَ الْمِرَاءَ وَ إِنْ كُنْتَ مُحِقّاً".

الإمام الصادق، عليه السلام.

بهذه الوصية الرائعة نفتتح المقال حول أفضل الطرق لحوار ناجح ومثمر، فالامام الصادق يحدد هدفاً سامياً يتطابق مع الفطرة الإنسانية المحبة للتقارب والتعارف، وهو الحضور في الجماعة كفاعل ومؤثر ايجابياً متوّجاً بصفة أخلاقية رفيعة وهي؛ التواضع الذي يُعد الحوار الايجابي من ثماره. 

كسب القلب قبل العقل

ما يدور في اوساطنا من نقاشات في الفكر والعقيدة، أدواتها العقل بالدرجة الاولى لردّ فكرة باخرى، او باتباع اسلوب النقد والتفنيد بسوق الأدلة والبراهين العقلية والنقلية ايضاً، وربما يتم الإفحام بالاستناد على القرآن الكريم وأمثلة من التاريخ، بيد أن الطرف المنسحب اذا كان قد استسلم فكرياً، سيحتفظ بمشاعر سلبية في قلب، وهذه المشاعر تدفعه لاستراحة محارب، ثم التوجه الى المزيد من البحث والعودة الى مضمار النقاش في زمان ومكان مختلفين، مستفيداً من مظاهر سلبية في الشارع، او تناقضات بين النظرية والتطبيق.

رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهو النموذج الأسمى لنا في الاخلاق، و قد أوصانا القرآن الكريم بأن نجعله {أُسوَةٌ حَسَنة}، كان يتبع اسلوب جذب القلوب قبل العقول، وهو رسول رب العالمين، يحمل مهمة رسالية عظيمة، فهو لم يثبت صدق دعوته بالأدلة العقلية، كما أن التجربة أثبتت عدم جدوائية المعجزة، التي يفترض انها دليل ملموس للطرف المقابل، في تغيير منهج حياة المجتمع الجاهلي في مكة بشكل كامل، إنما اتبع الاسلوب الاخلاقي، وهو بالأساس كان قمة في الأخلاق والآداب بين افراد المجتمع المكّي الجاهلي قبل بعثته نبيا، ومن أبرز الصفات الأخلاقية لديه؛ الليونة في الحديث والتعامل مع الناس، وهي الصفة التي ذكرها القرآن الكريم بالإسم تحديداً للتأكيد عليها لغوياً كمفردة وكمفهوم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.

بمعنى؛ أن الفضاضة والغلظة لن تخدم الحوار لنشر الوعي والثقافة بالمرة، بل تسبب النفرة قبل الخوض بأي حديث مهما كان مستواه العلمي، وهذه الفضاضة والغلظة، ربما تكون بالفكرة المطروحة نفسها، وأن يعدها صاحبها الأصحّ والأحق، ففي أوساطنا تتم مراعاة آداب الحديث والحوار من خلال بعض المجاملات، بيد أن مسار الحديث يتخذ منحىً "استعلائياً"، والرسول الأكرم كان يعيش بين جهل الكفار تارة، وبين تمرد أصحابه تارة اخرى، لذا نرى الدعوة المباشرة تأتي له من السماء بأن يستثمر ما لديه من اللين، ليس فقط للحوار، بل ورسم خارطة طريق مستقبلي للتعامل مع المجتمع والأمة، تتضمن ثلاث مراحل: العفو، والاستغفار، والمشاورة، فهم ينقضون رأيه وحكمه، كما حصل في ظروف السلم والحرب، ويكون الردّ؛ العفو، ثم الاستغفار لهم، ومن ثمّ، مشاورتهم في قضايا مختلفة يختزلها القرآن بمفردة {الأمر} لعدم حصرها في قضية معينة، مع أنه، صلى الله عليه وآله، لم يكن بحاجة الى استشارتهم، إنما الغاية "لكسب قلوبهم، فالحاكم الغني عن استشارة الآخرين فيما يريد تنفيذه، ثم يطلب الاستشارة، فهذا يؤدي الى تنبيه المخطئين"، (بحوث اخلاقية- السيد جعفر الشيرازي).

وهذا يكشف لنا مدى اهتمام الاسلام بالجانب النفسي للإنسان، وأن مشاعره وعواطفه تكون حاضرة دائماً الى جانب العقل في جميع حركاته وسكناته، وهو ما يتجسّد دائماً في سلوك المعصومين، وايضاً ابنائهم الصالحين في تعاملهم مع التشكيك، والجحود، وحتى التكفير، والسبّ والشتم، ولا أدلّ على ما نقول من الموقف العظيم لأمير المؤمنين، عليه السلام، من ذلك الرجل الذي قال في معرض تنكيله به، عليه السلام: "قُتل الكافر ما أفقهه"! فكان جوابه، وسط الضجة الكبيرة للمحيطين، ومحاولتهم قتله: "إنما هو سبٌ بسبّ أو عفوٌ عن ذنب، وأنا عفوت عنه"، وبهذا الاسلوب الحضاري الراقي تمكن أمير المؤمنين من إصلاح نفوس وأفكار العديد من أمثال هذا الرجل، ليس في الفترة التي عاشها، عليه السلام، بل وحتى يومنا هذا، والى يوم القيامة.

تغليب الرأي الشخصي من أجل الحقّ

ثمة اعتقاد لدى البعض بأن تعكّزه على قيم الدين والأخلاق، واستناده في الحديث على القرآن الكريم، وكلام المعصومين، عليهم السلام، يجعله صاحب الحق مقابل من يحاوره، بدعوى أن ما يأتي به "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، وهو كلام السماء، والمطابق للفطرة الانسانية والوجدان، فلا مجال سوى الانصياع لمن يتحدث بهذا الخطاب. 

هنا نكون أمام مفترق طرق قبل الخوض في الحوار مع الآخر: إما سبيل حب الذات، أو سبيل الحق، فالتوجه الاول ربما يحقق شيئاً للحق ولصاحبه، ولكن؛ مادام هذا الحق مقروناً بالانسان غير المعصوم، فانه ربما يطرأ عليه تغيير في كلام او موقف او سلوك في المجتمع يسبب بانطباع سلبي عنه، ومن ثمّ عن الحق الذي يحمله ايضاً، فنحن نعيش في مرحلة صعبة من مسيرة الرسالة السماوية في الحياة، جعلت افراداً في المجتمع لا يهمهم الركون الى الباطل ما دام يضمن لهم فرصة العمل والراتب والامتيازات، لأنهم لم يجدوا المصداقية لقيم الحق على ارض الواقع في بعض الاحيان طبعاً.

ولذا يستشهد سماحة السيد جعفر الشيرازي بالحديث الشريف الذي توجنا به المقال، ويدعو الى ترك المِراء وإن كان صاحبه على حق، والمراء هو التشكيك والنقد لفكرة الطرف المقابل، "إذ لا يقصد بالمراء الوصول الى الحق، وإنما أن يثبت كل انسان أنه كلامه هو الصحيح، ولو كان على حساب الحق، وهذا يؤدي الى زيادة الهوّة والى اتباع الباطل".

ثم إن إن الناس تنظر الى الشخص المنتصب امامهم، وهي مسألة طبيعية، أما القيم والمفاهيم فهي عناوين غير مرأية للناس، او للشخص المتحاور، فهذه كلها جميلة وجاذبة للنفس، بيد أن طريقة التلفّظ، وتوزيع النظرات، وحركة الفمّ للابتسامة التهكمية –مثلاً- او حتى درجة الصوت، وسائر الإيماءات، كلها تشكل أدوات ذات تأثير مباشر في الحوار تترك بصماتها على المضمون؛ سلباً او ايجاباً. 

وإذن؛ فان الحوار مع الآخر المختلف، او حتى الحوار بين الاخوان المؤمنين حول مختلف القضايا الخلافية، او حتى الحديث المعرفي لإفادة المستمعين في جلسة ودية، كلها تتطلب الأخذ بعين الاعتبار الجلساء المستمعين قبل استشعار الزهو بقوة الفكرة وعظمة الأدلة والبراهين، فهذه تحرك في النفس مشاعر الكِبر والتعالي، ربما بشكل غير محسوس، نحو التسلّط ومصادرة آراء وفكر الآخرين، او التقليل من شأنهم، وإن كان هذا يتعارض تماماً مع قيم الدين والأخلاق.

ذات صلة

قراءة في كتاب.. نحو يقظة إسلاميةتحديات وخيارات الحكومة لمواجهة الازمة المالية في العراقكيف تموت الجامعات؟كيف نتعامل مع الغيرة عند أطفالنا؟ما يجب أن نعرفه