النبي محمد (ص) هدية السماء
علي ال غراش
2026-08-13 02:04
من أعظم المصائب المؤلمة والحزينة والمفجعة، والخسارة الفادحة للبشرية من كل الأديان والملل والقوميات في شرق الأرض وغربها، شهادة خاتم الأنبياء والمرسلين وأعظم الخلق، الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله)، فهو الرحمة والنور والهداية الربانية للخلق، وهو أعظم النعم والعطايا الإلهية للناس.
في نهاية شهر صفر تمر ذكرى استشهاد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويحرص المسلمون، أتباع النبي وآله (صلوات الله عليهم)، على تخصيص الأيام الأخيرة من شهر صفر لمناسبة ذكرى شهادته (صلى الله عليه وآله)، بالعديد من البرامج لاستحضار شخصيته، وتسليط الضوء على سيرته العطرة على كل المستويات، لتعريف المسلمين بالمزيد من سيرته، وتعريف غيرهم بذلك، والرد على كل ما يروج من شبهات وشائعات وإساءات للنيل من سيرته وأهل بيته.
وما أحوج الأمة والناس من كل الأديان إلى معرفة السيرة النبوية الشريفة الصحيحة واستحضارها.
في البدء، نتقدم في هذا اليوم الحزين والمؤلم والمفجع إلى أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، وإلى صاحب العصر والزمان الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فهم أهل المصاب الجلل، وإلى العلماء والشرفاء والأحرار في العالم بهذه المناسبة المؤلمة على كل الخلق.
استشهاد النبي المصاب العظيم
وقد حرص أهل بيت الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) على إظهار الحزن والألم والفجيعة على فراق ورحيل وشهادة رحمة العالمين، فهي أعظم المصائب على أهل البيت (عليهم السلام).
فهذه المصيبة العظيمة قد تركت أثرًا كبيرًا في قلوب آل بيت النبي والمسلمين، وخاصة في حبيبه وربيبه وخليفته ووصيه أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، وعلى بضعته السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
فهذا البطل الشجاع المغوار، سيف الله الغالب علي بن أبي طالب، يقول عند شهادة النبي (صلى الله عليه وآله): "إن الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك، وإن المصاب بك لجليل، وإنه قبلك وبعدك لجلل". وروي أنه قال (عليه السلام): "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء وأخبار السماء. خصصت حتى صرت مسليًا عمن سواك، وعممت حتى صار الناس فيك سواء، ولولا أنك أمرت بالصبر، ونهيت عن الجزع، لأنفدنا عليك ماء الشؤون، ولكان الداء مماطلًا، والكمد محالفًا، وقلا لك، ولكنه ما لا يملك رده، ولا يستطاع دفعه. بأبي أنت وأمي، اذكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك...". وفي هذا الكلام لإمام البلاغة الإمام علي (عليه السلام) وصف لمدى لوعة الافتجاع بالمصيبة الكبرى عليه.
وما العجب؟ فالإمام علي (عليه السلام) يعرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) حق المعرفة، حيث قال النبي (صلى الله عليه وآله) في حق علي حول المعرفة بالله والنبي: "يا علي، لا يعرفك إلا الله وأنا، ولا يعرفني إلا الله وأنت، ولا يعرف الله إلا أنا وأنت". وبالتالي، فإن الإمام عليًا (عليه السلام) هو من يدرك مدى فراق النبي (صلى الله عليه وآله)، فهو ربيبه وتلميذه وأخوه ووليه ووصيه وزوج ابنته ووالد أحفاده (صلوات الله عليهم).
استشهاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو أعظم المصائب وأوجع الفجائع الحاضرة في عقل وقلب وروح أمير المؤمنين، وكان (عليه السلام) يستحضر مصيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل مصيبة وفجيعة، ويؤكد بأن فراق النبي أعظم وأجل. فعند شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، قال مخاطبًا رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إن صفيتك، وإن عظم بفراقها المصاب، وقل عنها الصبر والتحمل، إلا أن فراقك قد كان أعظم وأجل، ومصابك أشد وأثقل، فكما صبرت في تلك الرزية العظمى، فلئن أصبر في هذه المصيبة كان أولى وأحرى".
والسيدة فاطمة الزهراء، سيدة نساء العالمين (عليها السلام)، هي بنت النبي صاحبة المصاب، فمصابها عظيم، وروي أنها قالت:
قل للمغيّب تحت أطباق الثرى
إن كنت تسمع صرختي وندائيا
صُبّت عليّ مصائب لو أنها
صُبّت على الأيام صرن لياليا
قد كنت ذات حِمى بظل محمدٍ
لا أخشَ من ضيمٍ وكان جماليا
فاليوم أخشع للذليل وأتقي
ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا
فإذا بكت قمرية في ليلها
شجنًا على غصن بكيت صباحيا
فلأجعلنّ الحزن بعدك مؤنسي
ولأجعلنّ الدمع فيك وشاحيا
ماذا على من شمّ تربة أحمدٍ
أن لا يشم مدى الزمان غواليا
ونقل أن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لم تضحك بعد وفاة أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل عُدّت من البكّائين الستة في التاريخ.
وروي عن الباقر (عليه السلام) قال: "ما رأيت فاطمة ضاحكة قط منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى قبضت".
إحياء استشهاد النبي (صلى الله عليه وآله)
وكان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يستحضرون مصاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما يتعرضون لمصيبة، ويطالبون شيعتهم بذلك، فمصيبة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) هي الأعظم، وكل المصاب أمام مصيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مهما كانت، فهي أصغر وأقل.
جاء في الكافي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "إن أُصبت بمصيبة في نفسك أو في مالك أو في ولدك، فاذكر مصابك برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط".
ولهذا نجد شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في كل مكان في العالم يحرصون على إحياء ذكر محمد وآله (صلوات الله عليهم)، وكل المناسبات التي تتعلق بهم، وخاصة المناسبات التي تتعلق بسيد الخلق الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله): الميلاد، وزواجه بالسيدة خديجة، والبعثة، ونزول القرآن، والإسراء والمعراج، والهجرة، والغزوات، والمباهلة، وعيد الغدير، ويوم شهادته، وغيرها، والتمسك بحلال وحرام محمد إلى يوم القيامة، وأحاديثه، والتبرك بذكرى سيرته النبوية المباركة، والتشرف والتبرك برفع الصوت بالصلوات عليه وآله بعد ذكر اسمه (صلى الله عليه وآله وسلم).
وكل ذلك من باب ما نقل عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: "رَحِمَ اللهُ عبدًا أحيا أمرنا".
رسول الله أسوة حسنة
أين الناس، وخاصة من يدعي اتباع الرسالة المحمدية الإسلامية، من استحضار شخصية وقيم ومبادئ الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله)، والتحلي بأخلاقه العظيمة، والتعرف على سيرته وأهله، وتعريف العالم بها؟
نبينا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) له حق كبير على كل مسلم ومسلمة والخلق، واتخاذه أسوة حسنة، كما قال تعالى في كتابه الكريم: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"، وهي دعوة من الخالق عز وجل للخلق إلى التأسي برسول الله (صلى الله عليه وآله).
وحول ذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "فتأسَّ بنبيك الأطيب الأطهر (صلى الله عليه وسلم)، فإن فيه أسوة لمن تأسى، وعزاء لمن تعزّى. وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه، والمقتصّ لأثره. قضم الدنيا قضمًا، ولم يُعرها طرفًا. أهضم أهل الدنيا كشحًا، وأخمصهم من الدنيا بطنًا، عُرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها، وعلم أن الله تعالى أبغض شيئًا فأبغضه، وحقّر شيئًا فحقّره، وصغّر شيئًا فصغّره".
من المؤسف والمؤلم أن شريحة من المسلمين، وخاصة الحكام في هذا الزمن، ليس لهم علاقة بالرسالة المحمدية إلا بالاسم فقط، حيث إن أفعالهم وتصرفاتهم وموالاتهم لأعداء الله الذين يعتدون على المسلمين والمستضعفين، وغير ذلك، مما يخالف الرسالة الإسلامية المحمدية الأصلية.
فأصبح الدين يُفصّل حسب مزاج الحاكم، حيث يوجد من يتباهى بأنه يمثل سنة النبي والشريعة الإسلامية، ويرفع من شأن أشخاص وكتب شوّهوا سمعة النبي (صلى الله عليه وآله)، وقدموا مادة جاهزة للإساءة إلى الرسالة السماوية، وللنيل من شخصية الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، من كتب وأشخاص تدعي الانتماء إلى الرسالة المحمدية!
لماذا كل هذا العدد من الدول الإسلامية والمسلمين في شرق الأرض وغربها لم يتحركوا لتقديم حقيقة شخصية النبي الكريم، ذات الصفات الكاملة، حسب مواصفات الخالق عز وجل، إذ مدحه بقوله: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، ومنع الإساءة إلى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وتنظيف بعض الكتب التي تصنف بالإسلامية، وفيها تطاول وإساءة للنبي الكريم (صلى الله عليه وآله)؟
أين شخصية النبي وآل بيته (صلى الله عليه وآله)، وذكرى مناسباته، ولادته وبعثته وهجرته وأهم المحطات في حياته، ومن يوم شهادته ورحيله إلى العلي الأعلى، وصفاته الأخلاقية، في حياتهم العملية؟
وأين هم من وصايا النبي بالصلاة عليه وعلى أهل بيته، وذكرهم والثناء عليهم، والتمسك والسير على منهجهم، الذي هو امتداد لمنهج جدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الذي أكد على ذلك خلال رسالته، وخاصة في اللحظات الأخيرة من حياته الشريفة بقوله (صلى الله عليه وآله): "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي؛ وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض"؟
ما السر في اهتمام النبي (صلى الله عليه وآله) وترسيخه خلال حياته اتباع أهل بيته وخليفته الذي نصبه في يوم الغدير؟
خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله) رحمة للعالمين، وهو الشاهد والشهيد والنذير والشفيع، وسيبقى كذلك. فذكره والصلاة عليه وآله، وإحياء مناسباته، والتمسك بالقرآن الكريم وبتعاليمه ووصاياه وبأهل بيته الطيبين الطاهرين، سفينة نجاة في كل مكان وزمان.
اللهم اجعلنا مع محمد وآل محمد في الدنيا والآخرة (صلى الله عليه وآله وعجل فرجهم)، وارزقنا شفاعتهم.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ فَقْدَ نَبِيِّنا، صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَغَيْبَةَ وَلِيِّنا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنا، وَقِلَّةَ عَدَدِنا، وَشِدَّةَ الفِتَنِ بِنا، وَتَظاهُرَ الزَّمانِ عَلَيْنا، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَأَعِنّا عَلى ذلِكَ بِفَتْحٍ مِنْكَ تُعَجِّلُهُ، وَبِضُرٍّ تَكْشِفُهُ، وَنَصْرٍ تُعِزُّهُ، وَسُلْطانِ حَقٍّ تُظْهِرُهُ، وَرَحْمَةٍ مِنْكَ تُجَلِّلُناها، وَعافِيَةٍ مِنْكَ تُلْبِسُناها، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.