الشباب وتحديات الانتظار.. بين العصر الرقمي وعصر الظهور

مرتضى معاش

2026-02-07 04:00

نعيش اليوم بين قطبين متجاذبين: عصرٌ رقمي يعصف بوعي الإنسان، ويسرق انتباهه عبر خوارزميات صُممت لاستنزاف الوقت وتكريس السطحية والعزلة؛ وعصرٌ للانتظار يمثل طوق النجاة ومشروع العودة إلى الذات. ففي مواجهة طوفان التشتت الرقمي، يبرز مفهوم الانتظار لا كحالة ترقبٍ سلبي، بل كمنهج حياة وبناء، يرتكز على البصيرة والعمل الجاد، ليُحصّن العقول من التيه، ويحول طاقة الشباب من الاستهلاك الافتراضي إلى الإعمار الحقيقي والمسؤولية الأخلاقية.

بين عصرين

يدور بحثنا اليوم حول عصرين: العصر الرقمي وعصر الظهور، فما هي العلاقة بينهما؟

إن العصر الرقمي عصرٌ خطيرٌ للغاية، وهو يعصف بالإنسان عصفاً شديداً. فالمُلاحظ لفترة الخمسين عاماً الأخيرة يجد أن العالم قد تغير وانقلب انقلاباً جذرياً في المعلومات المتدفقة بشدة إلينا بسبب التقدم الهائل في التقنية والتكنولوجيا. لقد وصلنا الآن إلى مرحلة جيل ما بعد الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وانبثاق ظاهرة تغول الذكاء الاصطناعي الذي قلب العالم وأصبح مسيطراً على كافة شؤون الحياة. فإذا كان هذا التطور التكنولوجي قد حدث في هذه الفترة القصيرة، فكيف سيكون الحال في العقود القادمة؟ إن السنين القادمة، مع هذا التصاعد التكنولوجي المستمر لحظة بلحظة، ستشهد تطوراً أعظم وأكبر، وسيؤدي ذلك بالنتيجة إلى أزماتٍ كثيرة اعظم واكثر تعقيدا مما يعيشه الشباب اليوم.

خصائص العصر الرقمي وتأثيراته السلبية

لنبدأ باستعراض خصائص العصر الرقمي، وتحديداً التأثيرات السلبية لهذا العصر، ولسنا بصدد الحديث عن التأثيرات الإيجابية التي يكون تأثيرها محدودا.

ففي الغالب نلحظ تأثيرات سلبية في مجتمعات اليوم؛ حيث تعصف بالإنسان وتؤدي إلى اختلالٍ في شخصيته ونفسيته وأفكاره وأخلاقه وسلوكه. كما تجعل منه شخصاً يتسم بالضعف، فاقداً للقدرة على التعايش مع الحياة معنويا، فهناك أزمة ذاتية ووجودية تعتمل في داخل الإنسان وتزيد من قلقه واضطرابه.

إن هذا العصر الرقمي يؤدي إلى أمور عدة، أولها: تمييع الزمن لدى الإنسان؛ فالزمن يغدو فاقداً للقيمة، مع فقدان لبوصلة الشعور بالوقت. فالإنسان الذي يقضي وقته كله على شبكات التواصل، وفي "التمرير الهدام" للمقاطع (Reels) ومتابعة المعلومات المتدفقة بكثرة، يضيع وقته بأكمله في حالةٍ من الاستهلاك الرقمي الاعمى والعدمي.

آليات الاستلاب: سرقة الانتباه والوقت

إن الخوارزمية التي تبرمج الاتجاهات في المنصات الرقمية تهدف في أصلها إلى جعل الإنسان مستهلكاً للوقت ومستلبا لذاته؛ فهي عملية احتراقٍ داخليّ في نفس الإنسان، وفي وقته وحياته، حتى أنه لا يشعر بالزمن ولا يحسب له حساباً.

ويُشار هنا إلى قضية تُسمى "سرقة الانتباه"، وهو مصطلح أصبح شائعا في العالم الرقمي؛ إذ إن هذه البرمجة وخوارزميات الالهاء تهدف تحديداً إلى سرقة الانتباه من الإنسان، فلا يعود واعياً لما يعيشه في عالمه اليوم، ولا يشعر بسرقة انتباهه. فبمجرد أن يحاول استعادة انتباهه، يباغته شيء آخر. لاحظ مقاطع "الريلز" (Reels) وسرعتها المتلاحقة؛ فالمرء لا يلحق أن يفكر او يتأمل، ولا حتى يلحق أن يستشعر وجوده، وكأنه قد أصبح مجرد كائن شبحي.

إحصائيات وتداعيات

وتشير إحدى الإحصائيات إلى أن الفرد العادي في العالم يقضي ست ساعات وأربعين دقيقة يومياً على الإنترنت؛ وهذا المعدل يُشكل تقريباً حوالي 40 بالمئة من وقت يقظته. أما الإنسان العربي وخصوصا في العراق ودول الخليج فيقضي من وقته سبع ساعات ونصف، أي ما يقارب خمسين بالمئة، إن لم يكن أكثر. وتُلاحظ أن هذا كله يُعد سرقة للانتباه وللشعور بالحياة.

هذا ما يسمى بعملية تمييع الوقت، بالإضافة إلى كونه تحطيماً؛ فهذا التمييع للوقت يؤدي إلى فقدانه لقيمته وانعدام الإحساس به. وكما تحدثنا سابقا عن الوقت بصفته البعد الرابع في تشكيل الإنسان، فإن هذا الأمر يحطم عالـم الإنسان ويحطم وعيه فيجعله مسطحاً؛ لأنه لا ينتبه بشكل صحيح، حتى يُقال إن ذاكرته تغدو كذاكرة السمكة.

أثر الرقمنة على التعليم والثقافة

كنت أقرأ لأحد منتجي الأفلام السينمائية حول قضية الفيلم السينمائي وكيف كان إنتاجه سابقاً، إذ يقول: كنا في السابق ننتج الفيلم ونترك للمشاهد أن يفهم الفيلم أو المسلسل، ويستوعب الحالات الرمزية في السيناريو. ثم يقول: أما اليوم، فعندما ننتج عملاً، يلزمنا أن نعيد تذكير المشاهد بقصة الفيلم بين الحين والآخر. لأن المشاهد قد اعتاد على عدم الانتباه بسبب مقاطع "الريلز" والأفلام القصيرة، لدرجةٍ دمرت ذاكرته.

وتشير دراسات علمية إلى أن أحد أسباب التخلف التعليمي الحاصل هو أن التعليم قد بدأ في عملية تراجع؛ فيوماً بعد يوم يزداد الطالب تخلفاً وجهلاً وأميةً وعدم حبه للتعليم. والسبب في ذلك أن الإنترنت والرقمنة تسرق انتباه الإنسان ووعيه، بحيث لا يستطيع أن يركز ويفهم ويتأمل ويفكر، والحال أن الإنسان كائنٌ مفكر.

سلوك القطيع وفقدان الذات

إنها لمشكلة كبيرة، تجعل الإنسان في النتيجة عندما يتشتت انتباهه ويتشوش عقله، ويصبح سلوكه تافهاً، ولا يستطيع مراقبة تصرفاته. وخصوصاً أن هذه الصورة الرقمية القائمة تجعله أشبه بحالة القطيع؛ فيكون عبداً للصورة، ومستعبدا للرقمنة، ويغدو سلوكه تابعاً لما تطرحه هذه الأفلام القصيرة.

ولذلك، نرى أن هذه الخوارزميات تدمر الإنسان فعلاً في العصر الرقمي، وخصوصاً الشباب. ولماذا الشباب؟ لأنهم نشأوا منذ يوم من حياتهم في العصر الرقمي فلا يعرفون عصرا غيره.

وتشير الدراسات ان المراهقين الذين يقضون أكثر من 3 ساعات يومياً على وسائل التواصل هم أكثر عرضة للإصابة بمشاكل الصحة العقلية (القلق، الاكتئاب) بنسبة 60%.

وعليه، عندما نربط العصر الرقمي بعصر الانتظار، فإن عصر الانتظار هو أهم محطة لبناء الإنسان، واستخلاصه، وإنقاذه من هذا العالم المُضَيِّع لواقعه الوجودي والمستلب لذاته والسارق لوقته وحظه من الحياة.

العلاقة بين العصر الرقمي وعصر الظهور

قد يتساءل سائل ويقول: إنني أعيش في ظل هذه السرعة، وأستخدم الهاتف الذكي فما علاقة ذلك بالظهور؟ وما علاقة الظهور بالزمن الرقمي؟

والجواب يكمن في أن المرء عندما يكون في هذه الحالة، فإنه يعاني من تمييع الزمن، وتسطيح الوعي، وتحطيم العلم، وتشويش الحقيقة، فيعيش التضليل؛ إنها حالة التضليل والفتنة التي تفرضها شبكات التواصل الاجتماعي، التي تشتت الانتباه عن غاياته وقيمته. وكل ذلك يؤدي إلى تفتيت المسؤولية، فيعيش المرء ككائن غير مسؤول، وهذا كله يعني تحطيم الشخصية؛ أي أنه يصبح بلا شخصية، أو شخصيته مسروقة من أدوات العصر الرقمي.

ولماذا يتم الربط بين العصر الرقمي وعصر الظهور؟ لأننا نريد أن نطرح بديلاً حقيقيا. فالبديل في عملية بناء الشخصية هو عصر الانتظار؛ لأنه عصر المسؤولية، وعصر الوعي، وعصر المعرفة، وعصر تكامل العقل الإنساني. إذ يُروى أنه عندما يظهر الإمام الحجة، يضع يده على رؤوس الناس فتتكامل عقولهم.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام): (إذَا قَامَ قَائِمِنَا وَضَعَ اللَّهُ يَدَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْعِبَاد فَجَمَعَ بِهَا عُقُولِهِمْ وَكَمُلَتْ بِهِ أَحْلَامَهُمْ)(1).

أي إن البديل الحقيقي للعصر الرقمي، هو عصر الانتظار الذي يهدف إلى بناء الشخصية العميقة وتكاملها العقلي ورشدها الفكري ووعيها الناضج.

أثر التواصل الاجتماعي على الوعي الديني

ولكن كيف أثّر العصر الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي على وعي الشباب الديني والفكري؟

روي عن الإمام علي (عليه السلام) كلمة جميلة يقول فيها: 

(فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حَدْوَ الزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ وَارْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ وَمَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ وَزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ وَالنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ)(2).

والشاهد هذا المقطع: «من شغل نفسه بغير نفسه».

لاحظ أنني قلت لك سابقاً إنها عملية سرقة للذات وسرقة للنفس؛ فالخوارزميات تأتي وتخلق للإنسان شخصية خاصة مغايرة لنفسه، وهي الشخصية التي تخضع لما يُسمى بـ «الانتباه القسري»؛ أي المفروض عليك فرضاً. فالخوارزمية تستعبد هذا الإنسان وتجعله تابعاً لها. فيصبح الإنسان غير نفسه، وهنا تكمن عملية تدمير النفس. وكما قال: «من شغل نفسه بغير نفسه تحيّر في الظلمات وارتبك في الهلكات»؛ أي أنه يضيع في عالم العدم وينتهي أمره في الظلمات الرقمية.

ولذلك نحن نقول إن ظاهرة «عصر الانتظار» هي عملية عودة الإنسان إلى ذاته، ومراجعته لنفسه، وبقائه حامياً لذاته، وتحصينها من أن يكون ضائعاً وتائهاً في هذا العصر الرقمي العبثي.

ظاهرة "الفومو" (FOMO) وضياع العمر

بالفعل، هناك مصطلح ينطبق عليه معنى «ضياع العمر». ومن الضروري إيراد هذه المصطلحات الجديدة حتى يتعرف الناس عليها حقاً. هذا الشيء يسمونه «فومو» (FOMO)، أو ظاهرة الفومو. وهي اختصار لعبارة "Fear Of Missing Out"، أي الخوف من فوات الأشياء أو ضياع الفرص.

ومعنى ذلك أنك ترى صاحب الهاتف دائماً في حالة من القلق؛ لديه قلق يدفعه للعودة إلى هاتفه في كل شيء، فتصيبه نوع من «متلازمة الالتصاق بالهاتف». إنه يريد أن ينظر فيه كل لحظة، خشية أن يفوته شيء ما؛ خبر فاته، أو قضية، أو تعليق، أو «لايك»، وهكذا، حتى ينطبق عليه هذه الآية القرآنية: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. فالإنسان المتمحض في الحالة المادية، يُضيّع عمره، ونفسه وذاته. وبالنتيجة، عندما يصل إلى نهاية حياته الالهاء الخوارزمي، لن تفيده اللايكات والتعليقات والريلزات والترندات.

تسطيح الوعي والمحتوى الهابط

عندما نتكلم عن اهمية الوعي، وذلك لأننا نجد أمامنا كثرة المحتوى البصري، وتغول الصورة. فاليوم، إذا كتبتَ نصاً ونشرته لا أحد يقرأ، بل يُقال لك: «ائتني بصورة»، فأصبح المعادل للعلم والمعرفة هو الصورة وليس النص. بينما ما يحتاجه الإنسان حتى يستطيع أن يفكر ويتأمل تكمن في القراءة. ويعني ذلك أن الصورة تسرق وعي الإنسان وتجمد عقله. ولذلك، فإن العصر الرقمي يجعل الإنسان يعيش حالة من الغفلة والسكرة والتخدير، ومثال ذلك «التمرير الهدّام» أو «السكرول اللانهائي» في الهواتف الذكية.

وينتهي هذا الأمر إلى حالة من الكآبة والضياع والتيه في العوالم الافتراضية. وهذه العوالم الوهمية التي تفرز دوبامين السعادة الزائفة، تسرق الانتباه، وتغيب الوعي، وتشتت التفكير، وتشوش الواقع؛ فيصبح المرء أمياً، وإذا أصبح أمياً صار تافهاً، ويغدو سلوكه عبثيا.

 و«المحتوى الهابط»، أصبح هابطاً، لأن الإنسان الرقمي نفسه أصبح تافهاً؛ فهو يريد ويحب التفاهة لأنه لا يملك وعياً، وهذا الحال ينطبق بالنسبة للفاعل الذي يصنع هذا المحتوى الهابط، وبالنسبة للقابل الذي يستهلك التفاهة بشراهة.

أرقام عن تدهور الانتباه

إن سبب العملية ما يمكن تسميته بـ «تسطيح الوعي» ينشأ بالدرجة الأولى من «سرقة الانتباه» والهندسة الإعلامية النفسية التي تعتمدها الخوارزميات الالهائية. ويقال إن متوسط فترة الانتباه لدى الإنسان في عام 2000 كان اثنتي عشرة ثانية؛ ومعنى الانتباه هنا -أو لِنسمِّها عملية تشغيل المخ- تحتاج إلى اثنتي عشرة ثانية في حالة انتباه مستمرة حتى يستطيع الإنسان بعدها أن يستنتج ويستدل ويفكر.

أما الآن، فقد وصل الحال في هذا الزمن إلى ثماني ثوانٍ، والسبب في ذلك هو حالة «السكرول» والتصفح السريع للصور والمعلومات، فلا تبقى لدى المرء حالة انتباه تمكنه من التفكير، لذا يقولون إن ذاكرته أصبحت كذاكرة السمكة. ولاحظ أن الشخص يصبح تافهاً نتيجة لعدم التفكير؛ فالتفكير هو الذي يجعل الإنسان إنساناً مسؤولاً وجاداً، يراقب سلوكه، ويتمتع بالرصانة والوقار.

ويذكرون في هذه القضية إحصائية رقمية تفيد بأن العقل البشري إذا أراد العودة إلى حالة الانتباه والتركيز العميق، والتخلص من حالة التشويش والتشتت، فإنه يحتاج إلى ثلاث وعشرين دقيقة؛ أي أنه يلزمه ترك كل شيء إذا كان لديه موضوع يفكر فيه أو يدرسه، لكي يعود مرة ثانية ويدرس مثلاً، أو يكتب، أو يفكر، أو يتأمل.

ولكن، إذا جاء إشعار «واتساب» أو إشعار «فيسبوك»، وظل الهاتف يرن باستمرار، تصبح الثلاث والعشرون دقيقة أمراً مستحيلاً. ولاحظ اليوم أن الطلاب لديهم مشاكل حقيقية في الدراسة؛ فذلك الذي يجلس ليدرس وبجانبه الهاتف، يأتيه إشعار فيترك ذلك، وينقطع تركيزه. فهذه عملية تدمير للوعي وترسيخ للسطحية والتفاهة.

التمييز بين المحتوى النافع والضار

ولكن كيف نميز بين المحتوى الذي يخدم ثقافة الانتظار والمحتوى الذي يروج للتيه والسطحية؟

ان شبكات التواصل الاجتماعي، التي تعمل على تسطيح الوعي وتشتيت الانتباه، فإنها تؤدي إلى امتلاء نفس الإنسان وقلبه بالسلبية، فتجعله يشعر بالكآبة، والسبب في ذلك أن هذا المحتوى لا يغذي الإنسان ولايشبعه.

فالإنسان على سبيل المثال الذي يتغذى تغذية سلبية -أي يتناول طعاماً سيئاً- يمرض جسده، وكذلك الإنسان الذي لا يتغذى تغذية روحية ومعنوية وفكرية وثقافية جيدة او تتغذى نفسه بالسلبيات والسوداويات، يصاب أيضاً بالمرض النفسي أو المعنوي والأخلاقي؛ ولذلك هو يحتاج إلى تغذية جيدة نفسية ومعنوية وفكرية.

ان شبكات التواصل الهدامة والخوارزميات التي تحركها، وما فيها من سرقة للانتباه، تؤدي إلى امتلاء الإنسان بالحالة السلبية والظلامية، فيصاب باليأس؛ فلا يشعر بجدوى الحياة، وتغدو الحياة بلا قيمة لديه. وإذا انتبهت إلى الشباب اليوم، تجدهم غير مهتمين بالحياة، ويتغلب عليهم الشعور بأن هذه الحياة لا جدوى منها، لأنه ممتلئ بالأمور الظلامية التي زرعتها فيه هذه الخوارزميات وشبكات التواصل، وتلك المعلومات المتدفقة الكثيرة غير المفلترة التي انغرست في داخله، وتغلغلت في ذهنه وفكره.

البديل: محتوى الأمل وبناء الذات

ومن فإننا بحاجة إلى المحتوى الجيد الذي يزرع الحالة الإيجابية في الإنسان، وذلك ما يحققه عصر الانتظار الذي هو عصر الأمل وزمن الإيجابية؛ حيث يشعر الإنسان بأن هناك غاية في الحياة وهدفاً كبيراً. ولابد أن يعمل ويزرع ويغرس؛ حتى يستطيع أن يخلق للمستقبل إضافةً ونتاجاً تستفيد منه أجيال المستقبل حتى ظهور الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه).

ولهذا، نحتاج إلى محتوى إيجابي يعمق الوعي، ويساعد على التفكير، ويؤدي إلى التعلم والمعرفة وبناء الانتباه. محتوىً لا يعتمد على الصورة فقط، بل يكون أهم هدف فيه -سواء كان صورة أو نصاً- هو المساعدة على التفكير واكتشاف الذات وبناء النفس، وأن يشتغل الإنسان بنفسه لنفسه؛ حتى ينجو من الهلكات ويعيش النور في حياته.

إن المحتوى الذي يخدم ثقافة الانتظار هو محتوى لا بد أن يزرع الإيجابية في النفس؛ إنه محتوى أخلاقي، وشرعي، وتعليمي معرفي. وليس مجرد محتوى يروم الإنسان من ورائه الشهرة والانتشار. فقد أصبحت هناك حالة سائدة في المجتمع تتعلق بالبحث عن «اللايكات» والتعليقات، والانتشار بأي وسيلة كانت.

ولهذا، فإن محتوى الانتظار الذي ننشده -وندعو جميع الإخوة العاملين في هذا الجانب الرقمي للتركيز عليه- هو محتوى الانتظار الذي يزرع الأمل. ونقصد بالأمل هنا: الأمل العامل، والإيجابية التي تدفع الإنسان نحو العمل الصالح؛ ذلك العمل الصالح المثمر والجاد، الذي يدفع الإنسان لتحسين نفسه. بأن يشتغل بنفسه لنفسه، ويراقب ذاته ويكتشفها، وينميها ويربيها، بما يزيده بصيرة وفهماً أعمق للحياة.

السعادة بالبصيرة وتعاسة المحتوى التافه

لاحظ حال هذا الإنسان الذي يقرأ أو يتتبع محتوى الانتظار؛ إنه في النتيجة يحيا حياة سعيدة لأنه امتلك البصيرة. بينما ذاك الذي ينساق خلف محتوى رقمي مغاير لا يحوي مفهوم الانتظار، يعيش حالة من التعاسة؛ لأن المحتوى التافه لا يمنحه أي بصيرة في حياته.

فالمحتوى التافه يروج لليأس والعبث، ويركز على الحالة القشرية والمظهرية للإنسان، فتراه يعتمد المقارنة بالأموال والأجساد والاشياء وليس القيم الحقيقية في الحياة. وكذلك هو المحتوى الذي يثير الفتنة والطائفية والعصبية والقومية، ويؤجج الكراهية بين الناس. وهو محتوى يدعو إلى اليأس والسلبية، ليصبح شخصاً هداماً؛ دائم التسقيط للناس، واتهامهم، وسبهم؛ فيغدو معول هدم.

فلو قام شخص بمشروع خيري معين وأنفق عليه، لرأيت هذا الإنسان السلبي يبادر بالتسقيط والتهمة، وهي عملية تعبر عن الحسد؛ الذي هو حالة من تمركز السلبية في داخل الإنسان.

المسؤولية المشتركة والتوعية الرقمية

ولمواجهة هذه السلبيات التي تكرسها الرقمنة الحديثة، لابد من وجود مسؤولية ارشادية لبناء الوعي في هذه المجتمعات، وهذه المسؤولية مشتركة بين الجميع؛ تبدأ كعملية بناء تربوي متراص متراكم متكامل، ينتشر في المجالس الحسينية والحوزات والمؤسسات الثقافية، والمدارس، والجامعات؛ ولكن قبل ذلك لا بد أن يكون لدينا إحساس بأهمية التربية الرقمية في عصر الإنترنت.

إن أهم نقطة في المشروع التربوي الرقمي هي بناء الوعي، وحماية الانتباه والتفكير لدى الإنسان، حتى لا يُسرق؛ وحتى لا يُسرق أبناؤنا ويصبحوا ضحايا، حيث السلوكيات الاجتماعية تتغير بشدة الآن، لأن الانتباه يُسرق، والوعي يسطح، وتُزرع أفكار سيئة تلوث البواطن والقلوب والاذهان؛ وذلك تحت عناوين مثل: «النسوية»، و«الانفتاح»، و«الحداثة»، وتغير مفاهيم الجمال والأخلاق والدين.

لذا لا بد أن نبني ما يمكن تسميته «بنية تحتية» للمعرفة والوعي، وأن تكون لدينا «تربية رقمية» في عصر الانتظار؛ لكي نستطيع بالنتيجة أن نقدم رؤية للشباب مفادها أن بناء نفسك هو أفضل من تضييع وقتك في تقليب الصور التافهة.

وعن الإمام الهادي عليه السلام أنّه قال:

 (لَولا مَن يَبقى بَعدَ غَيبَةِ قائِمِكُم عليه السلام مِنَ العُلَماءِ الدّاعينَ إلَيهِ، والدّالّينَ عَلَيهِ، والذّابّينَ عَن دينِهِ بِحُجَجِ اللهِ، والمُنقِذينَ لِضُعَفاءِ عِبادِ اللهِ مِن شِباكِ إبليسَ ومَرَدَتِهِ، ومِن فِخاخِ النَّواصِبِ، لَما بَقِيَ أحَدٌ إلاَّ ارتَدَّ عَن دينِ اللهِ، ولكِنَّهُمُ الَّذينَ يُمسِكونَ أزِمَّةَ قُلوبِ ضُعَفاءِ الشّيعَةِ، كَما يُمسِكُ صاحِبُ السَّفينَةِ سُكّانَها، أُولئِكَ هُمُ الأَفضَلونَ عِندَ اللهِ عزّ وجلّ)(3).

استراتيجيات استثمار التواصل الاجتماعي

كيف يمكن استثمار وسائل التواصل الاجتماعي التي نتحدث عنها الآن في تعزيز ثقافة الانتظار؟

أولاً: تحويل الانتظار إلى «ثقافة حياة». فنحن اليوم بين حياة وموت؛ ومن ينتظر، فلا بد أن يتجه صوب الحياة، فالانتظار هو الحياة. وهذا هو معنى ثقافة الانتظار.

أما العصر الرقمي، فأنا أسميه «عصر الموت». لأنه تسبب في مسخ الإنسان؛ مستشهداً بكلام الإمام علي (عليه السلام): «من شغل نفسه بغير نفسه». فالإنسان الذي ينغمس في العصر الرقمي يتعرض للانسلاخ العقائدي والاخلاقي.

ان البديل الذي يستنقذنا من الانحطاط هو عصر الانتظار، وهو الحياة؛ حيث أشعر بشخصيتي وبوجودي وذاتي ونفسي، وأستشعر النعم التي منحها الله سبحانه وتعالى لي؛ كإنسان يبصر ويرى ويتكلم ويفكر، فعملية شكر النعمة هو شعور عميق بالوجود الذاتي. 

ان «ثقافة الحياة» في عصر الانتظار؛ هي التي تتغذى بالقصص الإيجابية والأمثلة الجيدة التي تتضمن قدوة حسنة، لنتأمل بها ونرسم بها مستقبلاً جميلاً.

مقاومة الفردية وتعزيز العمل التطوعي

ثانيا: مساعدة الناس. حيث إن أسلوب المساعدة يمنح طاقة في الحياة. ومشكلة الإنسان اليوم -وإحدى سلبيات ونتائج العصر الرقمي- هي «تمركز الفردية»؛ حيث أصبح الإنسان يعيش وحيداً. فاليوم يقول الشاب: «أنا أعمل، وآكل وحدي، وأعيش وحدي، وأستمتع وحدي؛ ولا أحتاج إلى أي شيء، فكل ما أحتاجه موجود في الهاتف».

فنزعة «الفردية» جعلت كثير من المجتمعات وخصوصا الشباب يعيشون حياة العزلة والفردية. وهذا يعني أن الإنسان قد أصبح اكثر أنانية، والسبب في ذلك هو هذا العصر الرقمي والخوارزميات التي تجعله سلبيا وعدميا يميل الى سوء الظن بالآخرين والانفصال عن المجتمع، وكلما انغمس في فرديته ازدادت الظلامية القاسية في قلبه وتحجرت مشاعره.

لكن مساعدة الناس، وقضاء حوائجهم، والتفاعل والتواصل معهم، أمر يمنح طاقة إيجابية معاكسة للحالة الفردية، وينمي الحالة الجماعية الطيبة لدى الإنسان.

ولذلك، فإن العمل التطوعي محوري في بناء المجتمعات الصالحة؛ ومن ذلك الشعائر الحسينية، ومناسبات المواليد استشهاد الأئمة (عليهم السلام)، والمناسبات الدينية كافة، هي عمل تطوعي لتنمية الإنسان وحسه في الخير الاجتماعي. فمن يقوم بعمل تطوعي، ويخدم في المجالس والمواكب، فإن هذا كله يُعد في الواقع تنميةً لذاته وتربية لها –واشتغاله بنفسه لنفسه عمليا- وهو بذلك يكتسب طاقة إيجابية، ويغذي نفسه بها، التي تتحول الى شعور غامر بالسعادة والسكينة والاطمئنان.

الإعمار كجزء من الانتظار

ثالثا: تحويل ثقافة الانتظار إلى حالة إعمار. فاليوم عندما نعمل ونكسب المال، لا بد أن نقيم مشاريع لإعمار الحياة. ويعني ذلك أن نضع بناءً فوق بناء من أجل تحصين الناس أخلاقياً؛ كبناء الحسينيات، والمساجد، والمدارس، وتأسيس كل ما ينمي معرفة الإنسان. فالحوزات العلمية والمدارس والمؤسسات التربوية والثقافية كلها مطلوبة لإعمار الأرض، حتى نصنع بالنتيجة «حاضنة»؛ للاستيعاب التربوي العميق في عصر الانتظار.

صفات الشاب المنتظر

ما هي الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الشاب المنتظر للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) في زمن الفتن والتضليل؟ 

أولاً: البصيرة. فعن الإمام علي (عليه السلام): «وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ وَاسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَرَجِلَهُ وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي وَلَا لُبِّسَ عَلَيَّ»(4). ومعنى ذلك أن الإنسان الذي يمتلك البصيرة لا يَنخدع ولا يُضلل؛ أما إذا انخدع فمعناه أنه لا يمتلك البصيرة. وأهم نقطة في تحصيل البصيرة هو بالمعرفة والوعي والقراءة والمطالعة ومجالس التفكير المشترك.

الثاني: التأني في إصدار الأحكام. فمن صفات الإنسان المنتظر ألا يصدر الأحكام على الناس بمجرد أن يسمع خبراً عن شخص معين، بل يتأنى ويذهب ليحقق. ومع الأسف هناك حالة من التسرع في الحكم على الآخرين؛ فإذا نقل أحدهم نميمة ينشرها الفرد بين الناس دون تحقق، وهذا سلوك سلبي ينشر الكراهية والعدوان والتصارع في المجتمع ويؤدي الى تمركز الآثام.

الثالث: عدم الانفعال السريع؛ إذ يلزم الإنسان حين يبني شخصيته ألا ينفعل سريعاً في عملية التفاعل والتعامل مع الآخرين. فلا يغضب، ولا يتخذ قراراً سريعاً، بل تكون لديه حالة من التعقل والعقلانية. واسترشاده بالعقلانية يجعله متماسكا امام الإنترنت والمعلومات المتدفقة التي قد تؤدي الى ابتلاعه. 

كذلك إن هذه الصفات للمنتظر تجعله محصناً من الغرق في «مستنقع الخوارزميات». فالخوارزميات مستنقع يسحب من يقع فيه الى أعماق مجاهيله؛ ولكن عندما يمتلك المرء البصيرة، وعدم الانفعال، والتعقل، والفهم، فلن تبتلعه الخوارزميات؛ بل هو من يسيطر عليها، ويتحكم بها، ولا يدعها تتحكم في حياته.

نصيحة الإمام الصادق (ع) الى المنتظرين

لو كان الإمام المهدي (عجل الله فرجه) بيننا اليوم فماذا يتوقع من الشباب في هذا العصر؟

سنأخذ النصيحة من الإمام الصادق (عليه السلام)؛ إذ يقول:

 «إنَّ لنا دولةً يجيء الله بها إذا شاء. ثم قال عليه السلام: من سرَّه أن يكون من أصحاب القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق، وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدّوا وانتظروا هنيئاً لكم أيتها العصابة المرحومة»(5).

أولاً، هو يشير إلى مفهوم الانتظار الإيجابي، أي سواء ادركته ام لم تدركه، أي الانتظار بالأمل والعمل. وهذا هو معنى الانتظار في قوله: «فلينتظر.

ثانيا، قوله «فليعمل بالورع»؛ ويعني بذلك أن يردع نفسه، ويبنيها، ويشتغل عليها؛ حتى يكون منتظراً حقيقياً وينال الأجر. أي أن يكون أنموذجاً يُقتدى به. فيكون زيناً وليس شيناً، فلا بد أن يتحلى في عصر الانتظار بمحاسن الأخلاق، كالصدق والأمانة.

وقوله فجدّوا وانتظروا، انه ربط بين الجدية والاجتهاد والعمل وتحمل المسؤولية؛ بمعنى الانتظار، وذلك يتمثل في الورع، ومحاسن الأخلاق، والجدية، والعمل، والأمل، والإيجابية، والطاقة الإيجابية؛ لأنها تدفع الإنسان ليكون تلك الشخصية المرجوة.

وهذه الصفات المطلوبة تعطي المنتظر قوة الصبر؛ بحيث يؤدي الى ان يمتلك التركيز على استثمار المواهب التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليه.

التشكيكيون وتمييع الثوابت

ويكون لديه رضا ويقين؛ لأن الإنسان الإيجابي في حياته، عبر الأمل والعمل والجد والانتظار الإيجابي، يمتلك قوة الايمان واليقين بالمستقبل وعصر الظهور. وذلك على العكس من أولئك السلبيين، اليائسين، العدميين، المتلبسين بالشك دائما، الذين يزدادون تخلفا وجمودا.

وفعلاً، لاحظ أن هؤلاء الذين تبتلعهم الشبهات والتشكيكات هم السلبيون؛ يقعون خارج إطار دائرة الورع ومحاسن الأخلاق، ويدخلون في دوائر من التغذية السيئة أخلاقية وثقافيا، ويستولي عليهم خبائث النفس من الحرص والطمع والخيانة والنفاق.

ويتلبس التشكيكيون غالبا بالنسبية الأخلاقية، حيث يجعلهم التعرض لثقافات متباينة إلى تمييع الثوابت، حيث يبدو كل شيء قابل للنقاش حتى المسلمات والبديهيات.

كذلك يتصفون بكثرة الجدال الديني في التعليقات العامة وتحويل المقدسات إلى مادة للاستهلاك اليومي والمهاترات القائمة على مغالطات متلبسة بالجهالة، وبعضهم يحولها الى سخرية عبر (الميمز) تكسر "هيبة الدين وقدسيته" في نفس الشاب تدريجياً.

وعن ذلك يقول الامام علي (عليه السلام): (يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ: إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ النَّاسُ ثَلَاثَةٌ فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ)(6).

لذلك فان المنتظر الإيجابي هو الذي يكون في حالة متصاعدة من اليقين والرضا، بحيث يمتلك حالة من عدم الانسياق وراء المجموع الهمجي وخصوصا القطيع الرقمي؛ فليس كل ما فعله الناس هو الصحيح، فلا يلهث وراء كل ما تلهث وراءهم الجموع الصاخبة، بل يرجع الى ركن وثيق مستضيئا بنور أهل البيت (عليهم السلام).

* المقال هو حوار بث على قناة الانوار الفضائية في برنامج المحطات

.............................................

(1) الكافي، ج ١، الشيخ الكليني، ص ٢٥.

(2) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 157.

(3) الاحتجاج، ج ١، أحمد بن علي الطبرسي، ص ٩.

(4) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 10.

(5) موسوعة الكلمة، ج ١٣، السيد حسن الحسيني الشيرازي، ص ٨٨.

(6) نهج البلاغة، الحكمة رقم: 147.

ذات صلة

بناء الثقة.. الحلقة المفقودة في معادلة الأمن الوطني العراقيمن فتح ملف ابستين في توقيت حرب ايران؟‏تداعيات عودة المالكي للمشهد السياسيساسة العقل ومناهج الفطرةمستقبل العراق: صراع السيادة وغياب المشروع الوطني