ميثاق الإنسان المهدوي: بيان من أجل حضارة العقل والرحمة

مخاض العالم في لحظة التيه الكبرى

شبكة النبأ

2026-02-03 02:52

إن المشهد العالمي في مطلع عام 2026 لم يعد مجرد صراع عسكري أو تنافس اقتصادي تقليدي، بل هو "انفجار في المعنى" وتفكك كامل للعقود الاجتماعية التي سادت لقرون. نحن نعيش في ذروة "لعبة البازل" الجيوسياسية، حيث يتم التعامل مع الشعوب كأرقام في معادلات الربح والخسارة، وتتحول الأوطان إلى ساحات تجارب للأسلحة والسياسات النقدية المتوحشة. 

هذا التيه ليس نتاج صدفة، بل هو الثمرة المرة لقرون من تغليب "الأنا" الاستعمارية على "النحن" الإنسانية. إن العالم اليوم يصرخ بصمت تحت وطأة نظام مالي جعل من الديون أغلالاً ومن التجارة البينية وسيلة لتركيع الدول ومصادرة سيادتها على مواردها الطبيعية.

في هذا السياق، تبرز الأزمات المتلاحقة—من جفاف يضرب أهوار العالم وأنهاره إلى أوبئة تُصنّع في غرف مغلقة—كإشارات تحذيرية بأن المحرك الذي يقود السفينة البشرية قد تعطل تماماً. إن الكتابات الليبرالية الحديثة بدأت تعترف خجولة بأن "العولمة" التي وعدت بالرفاه لم تكن سوى غطاء لنهب الثروات وحصرها في يد فئة "الأوليغارشية" العالمية التي تمتلك مفاتيح التكنولوجيا والمال. 

هذا الفشل الذريع لم يترك للإنسان المعاصر سوى الفراغ والعدمية، مما جعل من قضية "المنقذ" ضرورة ملحة لا ترفاً فكرياً. إننا أمام واقع يثبت يوماً بعد يوم أن الأنظمة الوضعية قد استنفدت كل أرصدتها، وأن البشرية باتت مهيأة نفسياً وعقلياً للانتقال إلى نموذج يختلف جذرياً في جوهره ومنطلقاته، نموذج لا يقيس النجاح بنمو الناتج المحلي الإجمالي، بل بمعدل الكرامة والاطمئنان الذي يتمتع به أصغر فرد في هذا المجتمع الكوني الكبير.

السيادة للعقل في مواجهة توحش الغرائز

لقد نجحت الحضارة المادية في "رقمنة" كل شيء، لكنها فشلت في "أنسنة" أي شيء. إن التكنولوجيا التي كان من المفترض أن تحرر الإنسان، تحولت بمرور الوقت إلى "سجن افتراضي" يستهدف أعمق نقاط الضعف في النفس البشرية. الرأسمالية المتوحشة أدركت أن الربح الأقصى لا يأتي من تلبية الاحتياجات، بل من استفزاز الغرائز وتأجيج النهم الاستهلاكي. هذا الاستفزاز الممنهج أدى إلى نشوء إنسان "غريزي" بامتياز، إنسان يعيش في حالة قلق دائم وهلع من فوات اللذة أو ضياع الفرصة، مما أدى إلى انهيار المنظومات الأخلاقية والروابط الأسرية. 

إن السيادة الحقيقية التي يطرحها المشروع المهدوي تبدأ من تحرير العقل من هذه العبودية الرقمية والغريزية.

المشروع المهدوي يطرح "التحرر العقلاني"، حيث لا يكون الدين مجرد عادات او شعارات، بل هو قوة ضابطة تجعل العقل هو القائد والمدبر. إن العودة إلى القوانين الإلهية التكوينية تعني الانسجام مع فطرة الكون؛ فكما أن التوازن الفيزيائي يحفظ النجوم في مداراتها، فإن التوازن الأخلاقي هو الذي يحفظ المجتمعات من التآكل الداخلي. 

الإنسان المهدوي هو الذي يدرك أن "السعادة" ليست في مراكمة الأشياء، بل في "السمو الروحي" والسيطرة على النوازع الشريرة. في هذا العصر الجديد، سيتم استبدال "اقتصاد الجشع" بـ "اقتصاد الكفاية والعدل"، حيث تُسخر التقنية لخدمة الجوهر الإنساني وليس لاستعباده. إننا نتحدث عن تحول جذري في مفهوم "القوة"؛ فالقوي ليس من يمتلك زر السلاح النووي، بل من يمتلك القدرة على كبح جماح عنفوانه وتحويل طاقته نحو البناء والرحمة، وهو ما سيؤدي تلقائياً إلى ذوبان بؤر التوتر والصراع التي يغذيها الجهل والانسياق وراء الأوهام المادية.

معجزة التكامل وهندسة الحلم البشري

حين نتأمل في الرواية التي تتحدث عن وضع الإمام يده على رؤوس العباد لتكتمل عقولهم، فإننا نرى أمامنا أعظم عملية "إصلاح بنيوي" في تاريخ البشرية. إنها ليست مجرد معجزة غيبية، بل هي "ثورة معرفية" تعيد الاعتبار للعقل المهمل والمستنزف. في عالمنا الحالي، نرى آلاف العقول الجبارة في الفيزياء والكيمياء والبرمجة تكرس حياتها لتطوير فيروسات فتاكة أو خوارزميات تلاعب بالرأي العام أو أسلحة دمار شامل، وكل ذلك لخدمة أجندات سياسية ضيقة. المعجزة المهدوية تأتي لـ "تأميم" هذه العقول لصالح الإنسانية جمعاء، في عملية جمع كوني للطاقات المبدعة وتوجيهها نحو حل معضلات الوجود الكبرى كالجوع والجفاف والمرض.

هذا التكامل العقلي هو ما نسميه "سياسة الحلم"، والحلم هنا هو أرقى درجات النضج البشري؛ حيث يسيطر الإنسان على غضبه ويدير صراعاته بمنطق "الحكمة" لا بمنطق "القوة الغاشمة". إن العقل العملي الذي سيسود في العصر المهدوي سيعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والبيئة. فالجفاف والارتباك المناخي الذي يشهده عام 2026 هو نتيجة مباشرة لـ "اللا عقلانية" في إدارة الموارد والجشع في استنزاف باطن الأرض. عندما تكتمل العقول، سيفهم البشر أن الأرض كائن حي يحتاج للرعاية لا للنهب، وحينها ستستجيب الطبيعة لهذا التناغم الأخلاقي وتفيض بخيراتها. إن "الحلم" المهدوي سيخلق بيئة آمنة ليس للبشر فقط، بل لكل الكائنات، حيث تختفي لغة الافتراس السياسي والاقتصادي، وتتحول الأرض إلى مختبر كبير للابتكار النافع والنمو المستدام الذي لا يترك أحداً خلف الركب، وهو ما يفسر كيف ستتحول المعجزات الغيبية إلى حقائق علمية وواقع معاش بفضل السياسة الحكيمة والإدارة الإلهية الشاملة.

سيرة الرحمة وبناء السلم الشامل

في عالم تسيطر عليه صورة "الرجل القوي" الذي يفرض إرادته بالحديد والنار، يأتي المشروع المهدوي ليطرح سيرة مغايرة تماماً، هي سيرة الرحمة النبوية التي تستوعب الجميع. إن التاريخ البشري مثقل بجراح القادة الذين حاولوا توحيد العالم بالقوة، من الإسكندر إلى هتلر، وكان مصير مشاريعهم الفشل الذريع لأنها قامت على "فظاظة القلب" وغياب العدل. أما الإمام المهدي، فإنه يظهر حاملاً "بروتوكول السلم الشامل"؛ وهو السلم الذي لا يعني الاستسلام، بل يعني غياب مبررات الصراع. 

سيرة الإمام القائمة على العدل والإنصاف هي التي ستجعل الناس يلقون بأسلحتهم طواعية، ليس خوفاً من قوته العسكرية، بل عشقاً لنموذجه الأخلاقي الذي يفتقدونه في غابة السياسة الدولية الراهنة.

هذه السيرة تعتمد على "إبطال الجاهلية الحديثة" بكل تجلياتها؛ من العنصرية العرقية إلى الطبقية الاقتصادية الرقمية. الإمام يستقبل الناس بالعدل الذي يعيد الحقوق للمظلومين ويجبر خواطر المستضعفين الذين سحقتهم تروس العولمة. في ظل هذا العدل، ستختفي "اللوبيات" و"جماعات الضغط" التي تتلاعب بمصائر الشعوب، وتصبح الشفافية والصدق هما العملة الوحيدة في التعاملات السياسية. إن "السلم كافة" الذي يدعو إليه المشروع المهدوي هو حالة من الوئام الكوني الذي يجمع بين العلم والدين، وبين المادة والروح، مما يخلق بيئة يزدهر فيها الإنسان وتتلاشى فيها نزعات التدمير الذاتي. 

القوة الحقيقية للإمام تكمن في "قوة المنطق" الذي يخاطب الفطرة البشرية مباشرة، مما يجعل شعوب العالم تراه المنقذ الحقيقي من عبثية الأنظمة التي تتاجر بالخوف وتقتات على الحروب.

آفاق الاستشراف والتمهيد للواقع الجديد

إن قراءة المستقبل بروح مهدوية تحتم علينا إدراك أننا نعيش في الأمتار الأخيرة من عصر "الظلم والجور" بمفهومه الشامل. الاستشراف المهدوي لعام 2026 وما بعده يشير إلى أن الانهيارات الكبرى في الأنظمة المالية والاجتماعية هي في الواقع "آلام مخاض" لولادة عالم جديد. التمهيد لهذا الواقع لا يكون بالانعزال، بل بالانخراط الواعي في بناء "النموذج المصغر" للمجتمع المهدوي؛ وهو المجتمع الذي يقدس العلم، ويمارس الرحمة، ويحترم القوانين الكونية. علينا أن نكون "طلائع العقل" في زمن الجنون، وأن نبني شبكات تواصل إنسانية تقوم على التعاون لا على التنافس الهدام، لنكون مستعدين نفسياً وعقلياً لتلقي فيوضات ذلك العصر الذي سيمسح فيه الإمام على رؤوس العباد.

إن التحول نحو "الإنسان" هو المشروع الكوني الأهم في القرن الحادي والعشرين. وبدلاً من الاستهلاك الأعمى للغرائز، يجب أن نتجه نحو "الاستهلاك الواعي للقيم". إن رؤيتنا الاستشرافية تؤكد أن العالم سيمر بموجة من "العودة إلى الروح" بعد أن يكتشف زيف الوعود المادية. المهدوية هي البوصلة التي ستوجه هذه الموجة نحو شاطئ الأمان، بعيداً عن التطرف أو العدمية. إننا نبشر بعالم لا يُظلم فيه أحد، حيث تمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً بفضل تكاتف العقول الناضجة تحت قيادة الحكمة الإلهية. هذا الميثاق هو دعوة لكل إنسان واعي ليساهم في غرس بذور هذا المستقبل من الآن، عبر نشر ثقافة "الحلم" والعدالة واليقين، ليكون الظهور المقدس هو التتويج الطبيعي لرحلة الكفاح الإنساني الطويلة نحو الكمال.

ذات صلة

أخلاق المنتظرين في عصر الغيبة والطهارة المعنويةفي ذكرى مولد المُنقذ: نحن والانتظار الإيجابيمرويات الإمام حسن العسكري في الإمام المهدي(عليهم السلام)‏ترامب والمالكي وبينهما العراقخيارات إيران المحدودة