في ذكرى مولد المُنقذ: نحن والانتظار الإيجابي

محمد علي جواد تقي

2026-02-03 02:49

"أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج"

رسول الله، صلى الله عليه وآله

رسول الله، في بواكير تأسيس الدولة والمجتمع الإسلاميين يتحدث عن انتظار الفرج، بينما لم تكن ثمة أزمة بحاجة الى انفراج، وإن كانت، فهو الملاذ الأول والأخير، والصلة المباشرة بين الأرض والسماء، وهو كل شيء للمسلمين وللبشرية جمعاء، فأيّ انتظار يقصده الرسول لنفهمه كما لم يفهمه المسلمون في تلك المرحلة من الزمان؟

التنبيه المبكّر بالانتظار الإيجابي 

ثمة إشكالية نفسية يشترك فيها مسلمو اليوم مع مسلمي الأمس في عهد رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهي التوهم بعدم الحاجة للانتظار، كمفهوم وتطبيقات عملية، ففي ذلك الزمان كانوا مكتفين بوجود رسول الله، وما يقدمه لهم من آيات كريمة يأتي بها الوحي في مناسبات ولأسباب عديدة، فكانت مثل الفنار، يهديهم الصراط المستقيم، وينظم حياتهم اليومية في تلك الفترة، بينما نجد اليهود، وبسبب تراكم الأزمات والمحن والرزايا عليهم طيلة قرون من الزمن، كانت لهم رؤية خاصة، وهي انتظار المخلّص لما هم فيه من الاضطهاد والتنكيل والمهانة من الحكام على مر العصور، لذا استوطنوا أرض الحجاز، وتحديداً في المدينة ينتظرون ظهور نبي آخر الزمان، كما جاء في كتبهم، ولكن مفاجأتهم بأن النبي الخاتم ليس كما أرادوا بأن يكون من نسل اسحاق، كفروا به.

نفس الشعور نلاحظه اليوم من عدم استشعار الحاجة للمخلّص والمنقذ، وهذا الشعور يترسخ في النفوس مع تطور وسائل الحياة، وتطور الفكر البشري، الى درجة أن نجد زعيم دولة، او مفكر، او حتى، رجل دين، يعد نفسه هو المخلص البشرية دون غيره من الأزمات والمصائب بما لديه من قدرات وأفكار ونظريات. 

بلى؛ نحن نتحدث عن حاجة العالم للمنقذ من الحروب، والمظالم، والموت الجماعي، بيد أن "الانتظار" كمصطلح للتداول النظري، يبقى دون ومصاديق عملية في واقع حياة الناس في كل مكان بالعالم ليؤكد بأنهم منتظرون حقيقيون لمن يغيّر واقعهم وينقذهم مما هم فيه، كما هو حال المعسّر مالياً، يبحث عمن يسلّفه مبلغاً من المال لقضاء حاجة مستعجلة، وما أن يتم له هذا، ينسى كل شيء؛ حالة الانتظار للدائِن، وايضاً؛ حالة انتظاره لتجاوز محنته، فعندما تنفرج أزمته، كأن يحصل على فرصة العمل، او يمتلك داراً فارهة، او يتزوج المرأة المتوافقة لمزاجه ورغبته، يستشعر كأنه ملك الدنيا بما فيها، ويغفل عن آفاق الحياة وما تخفي له الأيام. 

استشعار الحاجة المستدامة للمنقذ تُعد من مصاديق الانتظار الإيجابي، وهذا لا يستقر في النفس التي يصعب عليها البحث عن الأفضل والأصلح، ويصعب عليها تجاوز الذات في مسار التطور في المجالات كافة، الى رحاب الجماعة في المنطقة السكنية الصغيرة، وللمدينة الكبيرة، وللبلد بأكمله، بل وللأمة والعالم بأسره، فالإمام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، لا يظهر ليقود الشيعة كإمام ثاني عشر لهم، وإنما يقود أهل العالم جميعاً، بمختلف قومياتهم، ولغاتهم، وعقائدهم. 

الانتظار أم الاختبار؟

العلماء الباحثون في ملف الغيبة، وطريقة الانتظار، يسوقون لنا مثال المضيّف المستعد لاستقبال ضيف كريم وعزيز، فهو يجهّز المستلزمات والاجواء اللازمة بما يليق بالضيف الزائر، وهكذا ينبغي ان يكون الحال في انتظارنا لإمامنا المهدي المنتظر، عجل الله فرجه الشريف، بأن تكون الاولوية له وحده في قيادة الحياة، لا لغيره، من مال أو جاه اجتماعي، او منصب حكومي، او حتى مرتبة علمية، يصفها سماحة آية الله السيد محمد رضا الشيرازي –طاب ثراه- في إحدى بحوثه عن الامام المهدي؛ بـ "الصنم" الذي كان يعبده الجاهليون من دون الله، "فالقضية خطيرة ومصيرية، فالموقع لاينبغي ان يكون صنماً ولا المال، ولا العلاقات الاجتماعية، لأنه اذا تحولت هذه الامور الى اصنام في قلوبنا ربما تكون سبباً في خسارتنا ذلك الاختبار الكبير".

السؤال الصعب في هذا الاختبار؛ كيفية تحويل الوجاهة الاجتماعية، والمرتبة العلمية، والأرصدة المالية الضخمة من أهداف نهائية في الحياة، الى وسائل لتمهيد الظهور؟

وثمة رواية ينقلها آية الله الفقيه الشيرازي عن الامام الصادق، عليه السلام، "إن الامام المهدي اذا قام أتى الناس وكلهم يتأوّل عليه بكتاب الله ويحتج عليه"! وهذه هي الاشكالية الفكرية التي تواجهها الرسالة منذ انطلاقها في حياة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، ثم امتدت مع الحكام من بعده، ثم كانت إحدى السيوف التي اشتركت في قتل الامام الحسين، عليه السلام، وشعارها: "حسبنا كتاب الله".

وهذا يحتاج الى ممارسة عملية مستمرة في حياتنا ونحن ندعو ليل نهار بدعاء الفرج: "اللهم كُن لوليك الحجة ابن الحسن"، ليكون ما نملكه في خدمة نشر القيم الدينية التي ننتظر أن يطبقها الامام المنتظر بشكل كامل على ارض الواقع في عهد الظهور، والخدمة هنا بكل الاشكال؛ بالكلمة الطيبة، والأعمال الخيرية، ونشر العلم والثقافة والمعرفة المستقاة من منهج أهل بيت رسول الله، صلوات الله عليهم، فلا يوجد اختبار واحد يمنحنا النجاح الكامل الى الأبد، إذ الحياة مستمرة مع تغيراتها وتحولاتها، وايضاً؛ تحولات ظروف الانسان، مما يستلزم البحث عن "النجاحات الجزئية، فهو تكريس للنجاحات القادمة، فالنجاح العام يتوقف على مجموعة من تلكم النجاحات، ونحن علينا ترويض أنفسنا في الاختبارات الجزئية".

يحدونا الأمل بأن نكون ممن تشملهم الرعاية الإلهية في معاصرة عهد الظهور لنرَ العدل والحرية والأمان والكرامة الانسانية والمساواة بما لم يره أحد من الأولين والآخرين، ولكن! هل أوجدنا لهذه اللوحات الجميلة مكانةً في حياتنا اليومية، وفي سلوكنا اليومي مع افراد العائلة، ومع الاصدقاء، وجميع افراد المجتمع؟ أم نبقيها معلقة على الجدار، كما هي اللوحات المزيّنة بالآيات القرآنية والحكم والمواعظ المروية عن المعصومين؟ 

إنه الاختبار الذي يسبق الانتظار الحقيقي. 

جعلنا الله وإياكم من المنتظرين الحقيقيين لإمامنا المهدي المنتظر، عجل الله فرجه الشريف.

ذات صلة

أخلاق المنتظرين في عصر الغيبة والطهارة المعنويةميثاق الإنسان المهدوي: بيان من أجل حضارة العقل والرحمةمرويات الإمام حسن العسكري في الإمام المهدي(عليهم السلام)‏ترامب والمالكي وبينهما العراقخيارات إيران المحدودة