الامام الكاظم والحرب الناعمة

محمد علي جواد تقي

2026-01-15 03:34

"لن ينقضي عنّي يومٌ من البلاء إلا انقضى عنك معه يومٌ من الرخاء حتى نفضي جميعاً الى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون".

من رسالة للإمام الكاظم الى هارون العباسي

واجه الامام الكاظم، عليه السلام، جبهتين حاربت الثقافة الرسالية بسلاح بارد:

الجبهة الأولى: حلقات النقاش الفكري والعقدي في الإلحاد، والشرك، والتحلل من الالتزامات الدينية، والعنصرية، والطبقية في المجتمع الاسلامي.

والجبهة الثانية: حلقات الغناء الفاحش، وموائد الخمور، والرقص الخليع على أنغام الموسيقى في شوارع بغداد في ظل حكم هارون العباسي. 

يتفق المؤرخون على استئناس السلطة العباسية لهذه الاجواء الموبوءة، والتوجه المعاكس للمسيرة الحضارية للإسلام، فضلاً عن التشجيع عليها لإبعاد الناس عن التفكير بشرعية السلطة، وما يقوم به الحاكم من تلاعب فاحش بأموال المسلمين، وتصفيات دموية للمعارضين، وإسكات صوت الحق المعارض، وكان الأعلى؛ صوت الإمام موسى بن جعفر الكاظم، الذي نعيش هذه الايام ذكرى استشهاده في إحدى الزنزانات الانفرادية في سجون هارون بالعاصمة بغداد. 

أراد هارون العباسي من استقدام الإمام الكاظم من مدينة جدّه المصطفى الى بغداد لاعتقاله و زجّه في غياهب السجون لقطع اتصاله بالمجتمع، ومن ثم الحدّ من تأثيره على الناس، وهي كانت قاتلته، ولكن خاب فأل هارون بخوض الإمام مواجهة مفتوحة على الجبهتين في وقت واحد رغم ظروف الاعتقال والمراقبة الشديدة له، عليه السلام، ولاتباعه في بغداد وسائر الامصار الاسلامية. 

الجبهة الفكرية 

ظهور الافكار المنحرفة والتوجهات الفكرية الشاذة عن رسالة الإسلام في عهد الامام الكاظم، عليه السلام، جاءت على خلفية تاريخية و اسقاطات سياسية سببها الحكام منذ رحيل رسول الله، صلى الله عليه وآله، عن الحياة وعن هذه الأمة، فبدلاً من أن تنتشر في الأمة تعاليم الدين وأحكامه وقيم الأخلاق والانسانية، أشاع الحكام الافكار العنصرية والقومية، وفاءً منهم للجاهلية التي حاربها رسول الله، كما تسببوا بظهور الطبقية بفعل الاستئثار بثروات الأمة؛ ففي ظل الحكام الثلاثة بعد رسول الله، كانت الاموال توزع الى المقربين منهم، وعلى ابناء قبيلتهم وعشيرتهم، ثم تحول الأمر الى سياسة اقتصادية معترف بها عند معاوية ودولته الأموية، حتى صار المسلم من أصول غير عربية، "مواطن من الدرجة الثانية"، أما في ظل الدولة العباسية فقد كانت آلاف الدراهم والدنانير توزع الى الشعراء والعلماء المتزلفين، وعلى المغنين والراقصات في حفلات المجون ببغداد، مما مهّد الأرضية لانتشار كل فكرة وعقيدة يعدها الناس بديلاً لما سمعوه من العقيدة الاسلامية التي فقدت مصاديقها العملية في تلك الحقبة، وحتى من القرآن الكريم الذي كاد أن يتحول الى إطار وشكل دون محتوى.

ومن جملة التوجهات الفكرية التي ظهرت في عهد الامام الكاظم، عليه السلام، ويذكرها الشيخ الباحث الفذّ؛ باقر شريف القرشي في كتابه "حياة الامام موسى بن جعفر، دراسة وتحليل"؛ الشعوبية، وتعني العودة الى الجذور القومية والعرقية للمسلمين من غير العرب ممن أضرّت بهم سياسات التمييز العنصري منذ الحاكم الثاني بعد رسول الله، وخلال قرن من الزمن تحولت الشعوبية الى ظاهرة اجتماعية وسياسية، وموجة فكرية عارمة في الامة، ظهرت على شكل حرب كلامية بين العرب وممن هم من أصول غير عربية في المحافل الادبية والسياسة.

كما اشتدت موجة الالحاد والزندقة في عهد الامام الكاظم، عليه السلام، للاسباب المذكورة آنفاً، و"قد بذل الامام الصادق، عليه السلام، جهوده في انقاذ الوطن الاسلامي من الملحدين والمضللين، وعمل معه في ميدان هذا الجهاد المقدس؛ ولده الامام موسى، كما قام معهما جماعة من تلامذتهما ممن تسلحوا بالمناهج العقلية، وعرفوا بقوة البيان، وحسن الرأي، ونفاذ البصيرة، وقوة الحجة، فعقدوا المجالس والمناظرات في الاماكن العامة، وخاضوا مع الملحدين في المباحث الكلامية، واثبتوا بقوة البرهان، والدليل زيف تلك العقائد".

وثمة التفاتة هامة في هذا السياق تكشف لنا الفارق بين المنهج الرسالي والمنهج السلطوي في التعامل مع الانحرافات الفكرية، فالأول: يتطلع الى الهداية والرشاد وجمع شمل الأمة على كلمة الحق، بينما منهج السلطة يستعجل الأمور بالعنف والقتل لإنهاء كل ما يعده زعزعةً للاستقرار السياسي والاجتماعي، ومن ثمّ تهديداً لشرعية الحكم. ولذا فان الالحاد والزندقة تحولت في العهد العباسي الى تهمة جاهزة، ليس فقط لمن يتبنى هذه العقيدة عن قناعة، وإنما تهمة لكل من يعترض على سياسة السلطة في مجال الاقتصاد والأمن وحرية التعبير، وكان أتباع أهل البيت، عليهم السلام، في طليعة هؤلاء، فقد ضربت أعناق المئات من المسلمين والشيعة بدعوى الالحاد والزندقة، بعد إلصاق تهمة الكفر بهم.

أما الامام الكاظم، عليه السلام، فقد كان سلاحه العلم والمنطق والدليل لإزالة الشبهات من الاذهان، ومنها؛ شبهة "حركة الله" لمن يؤمنون بالتجسيم، وما تزال بعض الكتب منتشرة اليوم وهي تحمل روايات مكذوبة تتحدث عن "نزول الله في الثلث الاخير من الليل ينادي من يستغفره"! فجاء الردّ السريع من الامام، عليه السلام: "بأن الله لا ينزل، ولا يحتاج الى أن ينزل، انما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب، ولم يقرب منه بعيد"، كما نفى، عليه السلام، الحركة عن الله –تعالى- لأن "كل متحرك يحتاج الى من يحركه او يتحرك به، فمن ظن بالله الظنون فقد هلك". 

وسُئل الامام الكاظم عن معنى لفظ الجلالة؛ الله، فأجاب: "استولى على ما دقّ وجلّ"، وقد شرح هذا الكلام البليغ؛ الشيخ الطبرسي في "الاحتجاج" بأن "معنى الإلهية يلزمه الاستيلاء على جميع الاشياء جليلها ودقيقها، وحاضرها وغائبها، وكل شيء فيها".

جبهة الميوعة والإباحية

جاء في مؤلف الشيخ القرشي أن "بغداد، وجميع انحاء العراق تحولت الى دور للهو والعبث والمجون، وانساب الناس وراء الشهوات، ونبذوا القيم الاسلامية التي تحرم ذلك، وأدى هذا الى انحطاط أخلاقي وانغماس الناس في الاثم والمنكر، وامتد الفجور الى الغزل بالغلمان، ومما لا شبهة فيه أن سياسة الحكم العباسي هي المسؤولة بالدرجة الاولى عن هذه الموجة من التحلل والفجور"، فهي كانت انعكاساً لما كان يجري داخل القصور من فواحش وموبقات لا يصدق من يقرأها في كتب التاريخ أنها أماكن تابعة لأمراء وحكام الدولة الاسلامية. 

الامام الكاظم عليه السلام، كان يراقب هذه الاوضاع المؤسفة عن كثب، وهو في مدينة جدّه المصطفى، حيناً، وفي بغداد حيناً آخر خلال فترة إطلاق سراحه بعد فترة طويلة من الاعتقال، على أثر الدعاء البليغ له، عليه السلام، "يا مخلّص الشجر من بين رمل وطين، ويا مخلص النار من بين الحديد والحجر، ويا من مخلص اللبن من فرث ودم، ويا مخلص الولد من بين مشيم ورحم، ويا مخلص الروح من الأحشاء والأمعاء، خلصني من سجن هارون"، وكانت الاستجابة السريعة على خلفية رؤيا رآها هارون كما يذكر المؤرخون، وفي كل الاحوال، حظي الامام الكاظم بفسحة من الزمن بين افراد الأمة، وهو تحت المراقبة، ينشر تعاليم وأحكام الدين، ويذكر الناس بالقيم الأخلاقية التي بشّر بها رسول الله، وكانت السبب في رقي وتقدم المجتمع الاسلامي، لكن يبدو أن التاريخ صار شريكاً في ظلم الإمام الكاظم بإخفاء الكثير من مجريات ووقائع تلك الأيام، وما أسفرت عنه جهوده، عليه السلام، بين افراد الأمة، وتحديداً في العاصمة بغداد، بينما تخلّدت قصته مع "بشر الحافي" وهو بشر بن الحارث، أحد وجوه المجتمع آنذاك، وكان على معرفة بالإمام الكاظم، بيد أن موجة اللهو والمجون جرفته مع الآخرين، وكان الإمام الكاظم، عليه السلام، يسير في إحدى أزقة بغداد فمرّ على داره، واذا به يسمع صوت الأغاني والطبول تعلو من بيته، ثم رأي جارية تخرج لترمي القمامة، فسألها عن سيدها هل هو سيد أم عبد؟! فأجابت إنه سيد، فقال الإمام، بلى؛ لو كان عبداً لاستحى من ربه.

هذه الكلمة التي سمعها بشر جعلته يتحول الى ايقونة للتغيير الجذري والتأثر بالكلمة النافذة، الى درجة أن يخرج من بيته مسرعاً حافياً معتذراً من الإمام مما بدر منه، ثم يتحول الى الصلاح والرشاد، وأن يكون من الملازمين للإمام الكاظم، ولنهجه الرسالي، و يتخلّد اسمه في التاريخ، ويكون بشر الحافي.

هكذا منهج و اسلوب حضاري للتعامل مع مسائل الفكر والعقيدة في الامة، بالتأكيد لا يرُق لهارون العباسي، ولا لأي حاكم على شاكلته، لأنه لا يكون مجرد مناظراً او مناقشاً للأفكار، وإنما يكون قائداً يوجه الناس الى الصراط المستقيم، ومن ثم اتخاذ الموقف الحازم من كل ما يرتبط بالظلم والانحراف والطغيان الصادر دائماً من قصور الحكام، مما أضطره الى إعادة الإمام الكاظم الى زنزانته المظلمة، وتشديد الوطأة عليه، ومن ثم إصدار الأمر باغتياله، عليه السلام، بالسمّ في مثل هذه الايام. فسلام الله على الإمام الشهيد والسجين، والخزي والعار والخيبة لكل جبّار عنيد. 

ذات صلة

سيكولوجية الغفلة: لماذا تعجز الأجيال عن الاستقراء الأخلاقي لمن سبقها؟حين يتحوّل اللقب إلى مدرسة.. الكاظم يُجسِّد منهجًاالعودة الى اللهموقف التمييز الاتحادية من النفط والغازمن يخلق المعنى النص أم القارئ؟