دعاء تحت القيود: الإمام موسى الكاظم والإيمان موقفًا لا شعارًا

أوس ستار الغانمي

2026-01-14 07:43

في ذكرى استشهاد الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، لا نقف عند حادثة تاريخية طواها الزمن، بل أمام مدرسة روحية وأخلاقية ما زالت حية في ضمير الأمة، تتجدد مع كل دعاءٍ نردده، وكل موقف صبرٍ نستحضره، وكل معنى إيمانٍ نتأمله. فالإمام الكاظم لم يكن مجرد اسم في سجل الشهادة، بل كان صوتاً هادئاً في زمن الضجيج، ونوراً ثابتاً في عتمة الظلم، وتجسيداً عملياً لمعنى العبودية الخالصة لله.

ومن بين الكنوز الروحية المنسوبة إليه، تبرز أدعيته باعتبارها مرايا صادقة لنفسٍ بلغت ذروة الصفاء. الدعاء الذي يبدأ بـ: «اللهم إني أسألك إيماناً صادقاً» ليس مجرد طلب لفظي، بل إعلان موقف. فالإيمان الصادق، كما يفهمه الإمام الكاظم (عليه السلام)، ليس ادعاءً ولا شكلاً، بل حالة وعي ومسؤولية، وثبات عند الابتلاء، وصدق مع الله قبل كل شيء.

في هذا الدعاء، يخاطب الإمام ربّه بصفاته العظمى: «يا من يملك حوائج السائلين ويعلم ضمير الصامتين». هنا تتجلى فلسفة الدعاء الكاظمي؛ فالله ليس فقط مجيباً لمن يرفع صوته، بل عالماً بمن لم ينطق، بمن كتم ألمه، وبمن صبر دون شكوى. وهذه إشارة عميقة إلى أن الصمت في مدرسة الإمام الكاظم لم يكن ضعفاً، بل قوة واعية، واختياراً أخلاقياً في مواجهة الظلم.

لقد عاش الإمام الكاظم (عليه السلام) سنوات طويلة في السجون، لكن دعاءه لم يكن دعاء المقهور الذي يطلب الانتقام، بل دعاء العارف الذي يطلب الغفران والهداية. حين يقول: «أن تقضي لي حوائجي وأن تغفر لي ولوالدي ولجميع المؤمنين والمؤمنات»، فإنه يوسّع دائرة الدعاء من الذات إلى المجتمع، ومن الألم الشخصي إلى الهم الإنساني العام. هذا الاتساع الروحي يعكس رؤية الإمام للإيمان بوصفه مشروعاً جماعياً، لا خلاصاً فردياً منعزلاً.

اللافت في هذا الدعاء أنه لا ينشغل بتفاصيل الدنيا بقدر ما ينشغل بترتيب العلاقة مع الله. فالإمام يطلب أولاً الإيمان، ثم المغفرة، ثم قضاء الحوائج. وكأن الرسالة واضحة أصل الإصلاح يبدأ من الداخل، من تصحيح القلب قبل تغيير الواقع. وهذه رسالة معاصرة بامتياز، في زمن انشغل فيه الكثيرون بالمطالب المادية ونسوا بناء الإنسان.

كما أن الدعاء يكشف عن يقينٍ راسخ بعلم الله المطلق: «إنك بكل خير عالم غير معلَّم». هنا تتجلى عقيدة التوحيد الخالص، حيث لا حاجة للتبرير، ولا خوف من سوء الفهم، لأن الله يعلم النوايا قبل الأفعال. هذا المعنى يمنح الإنسان طمأنينة داخلية، ويحرره من القلق الاجتماعي ومن وهم رضا الناس.

في ذكرى استشهاد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، يصبح هذا الدعاء بياناً أخلاقياً بقدر ما هو نص تعبدي. فهو يدعونا إلى إعادة تعريف القوة، لا باعتبارها بطشاً، بل صبراً، ولا باعتبارها صوتاً عالياً، بل موقفاً ثابتاً. ويدعونا إلى أن نراجع إيماننا: هل هو إيمانٌ صادق أم عادة موروثة؟ هل هو علاقة حية مع الله أم طقس متكرر بلا روح؟

إن الإمام الكاظم (عليه السلام) وهو يختتم دعاءه بالصلاة على النبي وآله، يربط الإيمان الفردي بالسياق النبوي العام، مؤكداً أن الطريق إلى الله لا ينفصل عن خط الرسالة المحمدية، ولا عن قيم الرحمة والعدل والتواضع.

في زمن تتكاثر فيه الأزمات، وتضيق فيه الصدور، يبدو دعاء الإمام الكاظم وكأنه كُتب لهذا العصر. دعاء يعلّمنا أن الصبر ليس استسلاماً، وأن الإيمان ليس شعاراً، وأن الله أقرب إلينا من كل ما نظن. وفي ذكرى شهادته، لا نكتفي بالبكاء على المظلومية، بل نحاول أن نعيش المعنى، وأن نجعل من دعائه خريطة طريق لإصلاح أنفسنا ومجتمعنا.

هكذا يبقى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) حاضراً، لا في الذاكرة فقط، بل في الضمير، وفي كل دعاءٍ صادق يُرفع من قلبٍ أنهكته الحياة، لكنه لم يفقد ثقته بالله.


ذات صلة

مفهوم المجاز وأثره في توجيه الدلالة عند الإمام الشيرازيتقرير استراتيجي.. مستقبل النظام الإيراني في ظل الاضطرابات الداخلية والعزلة الخارجيةمفهوم العدل الإلهي بين اللغة والنص الشريفالهويَّة في عصر الذكاء الاصطناعي الفائقاحتجاجات إيران وجذورها الاقتصادية