ما وراء ذو الفقار: الشجاعة الأخلاقية بوصفها منهجاً للحياة

أوس ستار الغانمي

2026-01-03 03:44

في زمنٍ تتبدل فيه المفاهيم، وتختصر القيم الكبرى في شعارات عابرة، يبرز اسم أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لا بوصفه شخصية تاريخية وإمام الشيعة والعالم نحتفي بذكراها، بل باعتباره مشروعًا أخلاقيًا وإنسانيًا متجددًا، يصلح لأن يكون بوصلة للوعي في أكثر المراحل ارتباكًا. فالحديث عن الإمام علي اليوم ليس ترفًا دينيًا ولا استعادة عاطفية، بل ضرورة فكرية تمليها الحاجة إلى نموذج يوازن بين الإيمان والعدل، وبين السلطة والمسؤولية.

وإذا أردنا أن نختصر سيرة الإمام علي (عليه السلام) في صفة واحدة يحتاجها واقعنا المعاصر، فلن نجد أصدق من العدل الشجاع؛ العدل الذي لا يلين أمام الضغط، ولا يتلون بحسب المصالح، ولا يؤجل بحجة الظروف. لقد كان العدل عند الإمام علي موقفًا عمليًا لا خطبة منبرية، وسلوكًا يوميًا لا موسمية خطابية.

ولد الإمام علي (عليه السلام) في الثالث عشر من شهر رجب، في حادثةٍ فريدة لم تتكرر في التاريخ الإسلامي، حين شقّ الله له جدار الكعبة ليكون مولده في جوفها. لم تكن تلك الولادة حدثًا اعتياديًا، بل إعلانًا رمزيًا مبكرًا عن طبيعة هذا الرجل: من قلب التوحيد خرج، وإلى جوهر العدالة انتمى. وكأن القداسة التي أحاطت بمولده كانت تمهيدًا لمسيرة لن تنفصل يومًا عن الحق، مهما كانت كلفته.

في التجربة السياسية والاجتماعية المعاصرة، كثيرًا ما يقدم العدل بوصفه فكرة مثالية يصعب تطبيقها، أو يؤجل بحجة الحفاظ على الاستقرار. لكن الإمام علي (عليه السلام) قلب هذه المعادلة؛ فقدم العدل باعتباره شرط الاستقرار الحقيقي، لا عكسه. وحين تولى الخلافة، لم يرَ فيها امتيازًا، بل عبئًا أخلاقيًا ثقيلًا، وقال كلمته الشهيرة: (والله لهي أحبُّ إليَّ من إمرتكم، إلا أن أقيم حقًا أو أدفع باطلًا).

هذا الفهم العميق للسلطة، بوصفها أداة لخدمة الناس لا للتسلط عليهم، هو ما نفتقده اليوم. فكم من مسؤول يتحدث عن النزاهة، لكنه يبرر الظلم باسم الواقعية؟ وكم من قائد يرفع راية الإصلاح، لكنه يخشى قول الحقيقة؟ هنا تحديدًا يظهر الفرق بين العدل بوصفه شعارًا، والعدل بوصفه نهج حياة، وهو الفرق الذي جسده الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بأوضح صورة.

لم يكن عدله انتقائيًا، ولا مرتبطًا بانتماء أو قربٍ شخصي. أخوه عقيل لم يحصل على امتياز لأنه قريب الإمام، وخصمه لم يظلم لأنه خصم. في عالم اليوم، حيث تبنى القرارات أحيانًا على القرابة والمصلحة والحسابات الضيقة، يبدو هذا النموذج ثوريًا بكل المقاييس. لقد علمنا الإمام علي أن العدالة لا تقاس بحجم القوة، بل بقدرتها على حماية الضعيف.

اللافت في سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) أن شجاعته لم تكن في سيفه فحسب، بل في كلمته. كان يقول الحق حتى لو بقي وحده، ويقدّم المبدأ على الشعبية، والضمير على المكسب الآني. وهذه الشجاعة الفكرية هي ما يحتاجه الإعلامي، والسياسي، والمثقف، بل وكل فرد اليوم؛ شجاعة أن تكون صادقًا في زمن التزييف، وعادلًا في زمن التبرير.

إن استذكار ولادة الإمام علي (عليه السلام) في الكعبة لا ينبغي أن يبقى في إطار الاحتفال الرمزي، بل يجب أن يتحول إلى وقفة تأمل: كيف خرج من أقدس مكان رجل جعل العدالة أقدس من كل الحسابات؟ وكيف تحولت سيرته إلى مرآة تكشف زيف كثير من الادعاءات المعاصرة باسم الدين أو السياسة؟

المقال عن الإمام علي ليس عن الماضي، بل عن الحاضر والمستقبل. عن دولة تبنى على القيم لا على المحاصصة، وعن مجتمع يقيس نجاحه بمدى إنصافه لا بضجيج شعاراته. من هنا، فإن استلهام تجربة أمير المؤمنين (عليه السلام) هو فعل وعي، لا طقسًا مناسبتيًا.

نحن لا نحتاج عليًّا في الذاكرة فقط، بل نحتاجه في القرار، وفي الموقف، وفي الجرأة على تصحيح المسار. نحتاج عدله الشجاع ليذكرنا أن الحق لا يهرم، وأن العدالة، مهما تأخرت، تبقى الطريق الوحيد لإنقاذ الإنسان من الإنسان.

فطوبى لذكرى ولدت في الكعبة، وبقيت حتى اليوم ولادةً متجددة للضمير الحي.

ذات صلة

آليات وسبل الوصول إلى الثروة والغنىدولة الانسان ومفاهيم العدالة الاجتماعية عند الامام علي(ع)في ذكرى وليد الكعبة: الامام علي وعالمية العدالة الانسانيةالصراع على منصب النائب الثاني.. قراءة في النفوذ الرمزي للمكوناتتصدع التحالف.. تداعيات وسيناريوهات الأزمة بين السعودية الإمارات في اليمن