اتفاق بلا تأثير
FOREIGN POLICY
2026-08-31 03:22
يناقش المقال مدى قدرة اتفاق مكة الذي وقعته باكستان والسعودية وتركيا في 7 أغسطس/آب على التحول إلى تحالف دفاعي فعلي، رغم تشبيهه بحلف شمال الأطلسي. ويوضح الكاتب فاسابجيت بانيرجي في مجلة «فورين بوليسي» أن الاتفاق يستند إلى تعاون عسكري قائم، لكنه يفتقر إلى القيادة المشتركة والالتزامات الواضحة وآليات التشغيل المتبادل، ويظل معرضًا لمشكلات بنيوية قد تجعل قيمته السياسية أكبر من تأثيره العسكري الفعلي.
ويقول الكاتب في مقاله:
وُصف اتفاق مكة، الذي وقعته باكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا في 7 أغسطس/آب، بطرق مختلفة بأنه «ناتو مسلم»، أو «ناتو إسلامي»، أو «ناتو سني»، أو «ناتو شرق أوسطي». وقد تعكس بعض هذه الأوصاف ببساطة محدودية مجموعة الاستعارات التي يمتلكها المعلقون لوصف التحالفات. لكن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أشار صراحة إلى حلف شمال الأطلسي عند وصف أحكام الدفاع التي يتضمنها الاتفاق الجديد.
وبالفعل، يعلن الاتفاق أن الدفاع المتبادل واجب على أعضائه الثلاثة؛ فالهجوم على أحدهم سيُعد هجومًا على الجميع. لكنه لا ينشئ نظام قيادة مركزية، ولا يحدد أي مسارات لتحقيق قدر أكبر من قابلية التشغيل المتبادل بين القوات المسلحة للدول الثلاث، ولا يضع التزامات واضحة بشأن الإنفاق الدفاعي والمشتريات العسكرية. كما أنه لا يتطرق إلى استخدام الأسلحة النووية.
ولا يعني ذلك أن التحالف بلا معنى. فاتفاق مكة يبني على سنوات من التعاون الدفاعي الثنائي بين الدول المعنية. ويشمل ذلك التعاون الدفاعي بين باكستان والسعودية، الذي بدأ في منتصف ستينيات القرن العشرين، وتضمن قيام باكستان بتدريب أفراد عسكريين ونشر قوات في المملكة العربية السعودية. وقد وفر ذلك مساعدة بالغة الأهمية للنظام السعودي الثري لكنه غير الآمن، والذي لا يستطيع المجازفة بوجود جيش بالغ القوة والاستقلالية.
كما تمتعت باكستان وتركيا بعلاقات متزايدة العمق في مجال التعاون الدفاعي، تمحورت حول منظومات الأسلحة التي تزود تركيا باكستان بها، ومن بينها أربع سفن كورفيت من مشروع «ميلغم» أُنتجت بصورة مشتركة، و30 مروحية هجومية من طراز T129 أتاك. وقد تعمل باكستان أيضًا قناةً لنقل الأسلحة المتقدمة التي طورتها الصين إلى تركيا، مثل مقاتلة JF-17 المنتجة بصورة مشتركة.
لكن العلاقات الثنائية في حد ذاتها لا تصنع تحالفًا قويًا. ويحدد منظّرو العلاقات الدولية أربع مشكلات تضعف جميع التحالفات: الانجرار المتسلسل إلى صراعات الحلفاء، وإلقاء العبء على الآخرين، والمخاطر الأخلاقية، والانتفاع المجاني. واتفاق مكة معرض للأنواع الأربعة من هذه المشكلات، لكنه لا يعالج أيًا منها في الوقت الراهن.
أولًا، تكون التحالفات معرضة لما يعرف بـالانجرار المتسلسل، حيث يجر أحد الأعضاء بقية أعضاء التحالف إلى صراع يتعارض مع مصالحهم الوطنية. وينبغي أن نتذكر كيف أدت الوعود الروسية لصربيا إلى دخول حليفتي روسيا، فرنسا وبريطانيا، الحرب العالمية الأولى احترامًا لالتزاماتهما المنصوص عليها في المعاهدات.
وفي هذه الحالة، قد تحاول باكستان جعل تركيا والسعودية طرفين في تنافسها العسكري الطويل الأمد مع الهند. لكن السعودية والهند تحافظان على علاقات ودية؛ إذ تستورد الهند سنويًا من السعودية ما يقارب 22 مليار دولار من النفط الخام والغاز الطبيعي ومشتقات النفط، فيما تجاوز إجمالي التجارة بين البلدين 40 مليار دولار عام 2024. وقد تحاول تركيا أيضًا جر باكستان والسعودية إلى تنافسها المتصاعد مع إسرائيل بشأن سوريا. والواقع أن هذا الخطر بالذات يتفاقم بفعل الغموض بشأن الطرف الذي يُفترض أن يدافع اتفاق مكة في مواجهته، إن كان هناك طرف محدد أصلًا؛ إذ وصفه المعلقون بالفعل، بصورة متناوبة، بأنه اتفاق موجه ضد إسرائيل وبأنه موجه ضد إيران.
ثانيًا، قد تعاني التحالفات من مشكلة إلقاء العبء على الآخرين، حيث يرفض الأعضاء الوفاء بالتزاماتهم التحالفية، ولا سيما عندما يتعرض أحد أعضاء التحالف لتهديد من دولة غير عضو فيه. ويلقي أعضاء التحالف العبء على غيرهم لأن التهديد المطروح لا يكون خطيرًا بما يكفي لدفعهم إلى دخول الحرب، أو لأن تكاليف الحرب تبدو غير مقبولة بالنسبة إليهم. فعندما ضمت ألمانيا تشيكوسلوفاكيا جزئيًا ثم بالكامل عام 1938، لم تمنع فرنسا ذلك لأنها عدّت القضية محدودة الأهمية، كما لم تمنعه يوغوسلافيا ورومانيا، رغم وجود تحالف بينهما وبين تشيكوسلوفاكيا، لأن التدخل بدا مكلفًا أكثر مما ينبغي.
وقد ينشأ وضع مشابه إذا هاجمت إيران السعودية، إذ قد تجد تركيا وباكستان أن تكاليف التدخل تفوق أي فوائد يمكن الحصول عليها. فالتهديدات الإيرانية لتركيا تتمثل أساسًا في وكلاء إيرانيين في لبنان وسوريا تعرضوا لإضعاف شديد، بينما تشترك باكستان مع إيران في حدود بمحاذاة إقليم بلوشستان المضطرب، حيث يمكن للدعم الإيراني لوكلاء بلوش مسلحين أن يشكل خطرًا.
وإضافة إلى ذلك، توجد في الدول الثلاث توازنات سياسية داخلية تتمحور حول دور المؤسسة العسكرية في المجتمع والسياسة، وقد تتعرض هذه التوازنات للاضطراب بفعل حرب تؤدي إلى إضعاف أجزاء من المؤسسة العسكرية أو تقويتها. فالاستقرار السياسي في باكستان هش؛ إذ أنشأ الجيش ديمقراطية مُتحكَّمًا بها، تتنافس فيها أحزاب مدنية مختلفة انتخابيًا في ظل تعاون ضمني، بينما تتلاعب قطاعات من الجيش أيضًا بالحركات الشعبية والجماعات الإسلامية.
أما السياسة التركية فهي شديدة الاستقطاب؛ فقد استخدم الرئيس رجب طيب أردوغان وسائل متعددة، من السيطرة على وسائل الإعلام إلى سجن قادة المعارضة، للحفاظ على قبضته على السلطة. وعلى الرغم من أن أردوغان أعاد تشكيل الجيش التركي المعروف تاريخيًا بكثرة انقلاباتِه، فإن أي مؤشر إلى تدخل سياسي من أي قطاع في المؤسسة العسكرية يظل أمرًا شديد الحساسية وقابلًا لإثارة التوتر.
وقد يكون سكان السعودية هادئين سياسيًا، لكن الولاءات القبلية المعقدة داخل القوات المسلحة النظامية والحرس الوطني، وهما قوتان متوازيتان صُممتا لمنع كل منهما الأخرى من القيام بانقلاب، ستخلق صعوبات في أي صراع فعلي.
أما المشكلة الثالثة في التحالفات فهي خطر المغامرة من جانب الأعضاء الذين يشعرون بمزيد من الجرأة بفعل القوة العسكرية الإضافية التي يوفرها التحالف. وقد تجلت هذه المشكلة، التي يسميها الاقتصاديون المخاطر الأخلاقية، بأبرز صورها عندما شجع «الشيك على بياض» الذي قدمته ألمانيا إمبراطورية النمسا والمجر المتهالكة على التنمر على صربيا وتجاهل دعم روسيا لها عام 1914، وهو ما أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وتكشف سلسلة الأزمات العسكرية بين باكستان والهند هذا الاحتمال، وكان آخرها حرب جوية عام 2025 هددت قدرة باكستان على إيصال أسلحتها النووية. كما يمكن أن تؤدي النزعة التركية المتزايدة نحو استخدام القوة للهيمنة على بلاد الشام والتحول إلى قوة إقليمية، وهي نزعة صيغت في إطار خطاب عثماني جديد، إلى صراع مباشر أو بالوكالة مع إسرائيل في سوريا يجر السعودية وباكستان إليه.
وفي أفضل الأحوال، قد يؤدي إدراك الحوافز المذكورة سابقًا لإلقاء العبء على الآخرين إلى منع أعضاء التحالف من أن يندفعوا بتهور مفرط اعتمادًا على الثقة التي يمنحهم إياها اتفاق مكة.
أما المشكلة الرابعة، فهي أن الحقائق الاقتصادية الداخلية قد تشجع أعضاء التحالف على خفض مساهماتهم في مؤسسات التحالف وأنشطته، انطلاقًا من اعتقادهم بأن الأعضاء الآخرين سيعوضون النقص.
وتواجه باكستان وتركيا والسعودية أوضاعًا اقتصادية مختلفة بصورة حادة. فاقتصاد باكستان زراعي في المقام الأول ويعاني فقرًا متوطنًا. أما تركيا فهي دولة متوسطة الدخل، لكن السياسات الاقتصادية التي اتبعتها إدارة أردوغان أوجدت تضخمًا جامحًا وديونًا خارجية أدت إلى إبطاء الاقتصاد وكادت تدفع البلاد إلى الإفلاس. ورغم التحولات الكبيرة في السياسة الاقتصادية عام 2023، بما في ذلك فرض أسعار فائدة أعلى تعيد الثقة تدريجيًا، فإن استمرار ارتفاع الإنفاق الحكومي قد يعرقل التعافي الاقتصادي. أما اقتصاد السعودية فلا يزال متمحورًا حول تصدير المحروقات. ولذلك، وعلى الرغم من أنها أغنى الشركاء الثلاثة في التحالف، فإن الأسعار العالمية ستؤثر في حجم إنفاقها الدفاعي.
وكان من الممكن التعامل مع المشكلات المذكورة أعلاه منذ البداية. فعلى سبيل المثال، رغم أن التحالفات قد لا تحدد علنًا عدوًا مشتركًا أو مجموعة من الأعداء تجنبًا لزيادة العداء، فإن عليها أن تفعل ذلك بصورة ضمنية حتى تتمكن من الاستعداد على نحو مناسب لردع هؤلاء الأعداء أو قتالهم. وحتى إذا افتقرت التحالفات إلى أنظمة قيادة مركزية لجيوش أعضائها، فهي تحتاج أيضًا إلى التزامات واضحة تمتد من حق الوصول إلى القواعد العسكرية للدول الأعضاء، مرورًا بالمخصصات المالية للدفاع، وصولًا إلى أنواع محددة من معدات الدفاع المشترك. ولا يبدو أن أيًا من هذه العناصر كان جزءًا من اتفاق مكة.
وما دامت هذه القضايا بلا معالجة، فقد يصبح الاتفاق شبيهًا بـمنظمة المعاهدة المركزية «سنتو»، التي تأسست عام 1955 لردع العدوان السوفيتي في الشرق الأوسط. وقد حظيت المنظمة بدعم مزود للأمن الإقليمي كان في طور التراجع، وهو المملكة المتحدة، ونظيره الصاعد، الولايات المتحدة. لكنها تعرضت لإضعاف شديد بعد خروج العراق منها، عقب سقوط النظام الملكي الذي نصبته بريطانيا في انقلاب شعبي، إذ فضّل النظام الجديد أن يظل محايدًا، إن لم يكن ميالًا إلى الاتحاد السوفيتي.
وحاولت باكستان من دون نجاح جر أعضاء «سنتو» إلى حروبها مع الهند عامي 1965 و1971، لكن التحالف لم يتدخل حتى لمنع هزيمتها العسكرية وتقسيمها على يد الهند في الحرب الأخيرة. وفي عام 1974، غزت تركيا قبرص واحتلتها، وهي الجزيرة التي تضم قاعدتين بريطانيتين للقاذفات، وهو ما حول «سنتو» إلى ما يشبه المهزلة.
والعامل الوحيد الذي قد يحول اتفاق مكة إلى تحالف أقوى، على الرغم من استمرار هذه التحديات، هو ظهور تهديد خارجي محدد بصورة أوضح. فإيران، التي أضعفتها الحرب إلى جانب الانتكاسات في سوريا ولبنان، لا توفر مثل هذا التهديد. والصين، التي تحافظ على علاقات ودية مع تركيا، وعلاقات دفاعية مع السعودية، وتتعامل مع باكستان كما لو كانت حليفًا، لن تؤدي هذا الدور، وكذلك روسيا.
وهذا لا يترك سوى إسرائيل، التي سعت بالفعل إلى إنشاء مجال نفوذ في الشرق الأوسط من خلال اتفاقات أبراهام، باعتبارها الدولة الوحيدة التي يمكن أن تمنح التحالف الجديد حياة فعلية.
وإذا انسحبت الولايات المتحدة من توفير الأمن الإقليمي، في الوقت الذي يستمر فيه النهج الإسرائيلي الحالي تجاه المنطقة ويزداد نفوذًا، فإن الشعور بوجود تهديد مشترك قد يزيد من ترابط أعضاء الاتفاق. وقد يؤدي ذلك، بدوره، في نهاية المطاف إلى ولادة نظام قيادة موحد، وإلى مضاعفة الجهود لشراء الأسلحة من الغرب والصين على السواء.
لكن إلى أن يحدث ذلك، سيظل اتفاق مكة أكثر قليلًا من مجرد مجموع مكوناته.