إيران قد تثبت صحة وجهة نظر ترامب.. وهنا تكمن المشكلة
Newsweek
2026-04-09 05:56
في مقال نشرته مجلة نيوزويك (Newsweek)، يستعرض الكاتب بريندان سميالوفسكي جوهر استراتيجية "نظرية الرجل المجنون" التي يتبعها دونالد ترامب ضد إيران. يوضح المقال أن إيران لا تتحدى ترامب بقدر ما تتجنب الاصطدام به بحذر، مما يشير إلى نجاح الاستراتيجية في الخارج مقابل فشلها المحتمل في الداخل الأمريكي؛ حيث يرى الكاتب أن إطالة أمد "عدم اليقين" بدأت ترهق الناخب الأمريكي اقتصادياً، مما يجعل عامل الوقت عدواً لترامب وحليفاً لطهران التي تراهن على نفاذ صبر الديمقراطية الأمريكية قبل انكسار نظامها.
وفيما يلي ترجمة المقال:
للوهلة الأولى، يبدو رد فعل إيران على تهديدات الرئيس دونالد ترامب بدمار غير مسبوق وكأنه حالة من التحدي؛ فقد انقضت المواعيد النهائية، ولم تذعن طهران بشكل مرئي، كما أن الحرب لم تنتهِ وفق الشروط التي وضعتها واشنطن.
لكن هذه القراءة قد تكون مضللة؛ فإيران لا تتصرف كنظام يحاول كشف "خداع" ترامب، بل كنظام يتجنبه بحذر شديد. وهذا يشير إلى احتمالية أكثر إثارة للقلق: وهي أن رهان ترامب الاستراتيجي الأساسي قد يكون ناجحاً في الخارج، في حين تزداد صعوبة الحفاظ عليه في الداخل.
تجسد "نظرية الرجل المجنون"
لطالما اعتمد ترامب عدم القدرة على التنبؤ كاستراتيجية لإبقاء الخصوم في حالة من الارتباك، سواء في العقارات أو في الجغرافيا السياسية. وفي الصراع مع إيران، تبلورت هذه الغريزة لتصبح أقرب إلى "عقيدة": إنذارات متغيرة، تهديدات قصوى، دعوات متقطعة للدبلوماسية، وغموض متعمد بشأن التصعيد.
يوصف هذا النهج غالباً بأنه نسخة حديثة من "نظرية الرجل المجنون" التي تعود لحقبة الحرب الباردة؛ وهي فكرة أن الخصوم يقدمون تنازلات عندما يعتقدون أن القائد قد يتصرف خارج الحدود التقليدية. والمهلة الأخيرة الممنوحة لطهران -والتي قدمها ترامب بصفتها نهائية- تجسد هذا المنطق: "أبرموا اتفاقاً أو واجهوا عواقب مدمرة للبنية التحتية الحيوية".
ويشير رد فعل إيران إلى أن هذه النظرية تؤتي ثمارها؛ فقد استوعبت طهران الضربات، وعايرت ردود فعلها الانتقامية، وتجنبت الأفعال التي قد تؤدي إلى تصعيد إقليمي شامل. وفي الوقت نفسه، أبدت انفتاحاً على الدبلوماسية عبر وسطاء. وبدلاً من تحدي واشنطن لاتخاذ إجراء، يبدو القادة الإيرانيون -رغم صخبهم الخطابي- مركزين على عدم تجاوز خط أحمر غير معلوم، مع الحفاظ على مسار للمفاوضات.
اختبار التحمل
لكن الردع ليس حلاً نهائياً. يبدو أن استراتيجية إيران تنحو باتجاه تحويل الصراع إلى اختبار للتحمل، مراهنةً على قدرتها على امتصاص الضغوط لفترة أطول مما يستطيع ترامب فيه الحفاظ على التسامح الداخلي مع حالة عدم اليقين، خاصة مع اقتراب القيود السياسية لانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
فكل موعد نهائي يمر، ينقل الصراع من مرحلة "الصدمة" إلى مرحلة "الصبر". وتعمل "نظرية الرجل المجنون" بشكل أفضل عندما تظل تكلفتها مجردة ونظرية، أما في الصراع الإيراني، فالتكلفة ملموسة؛ إذ إن أسواق الطاقة، ومسارات الشحن، وأسعار الوقود قد جذبت سياسة حافة الهاوية إلى صلب الحياة الاقتصادية اليومية. وما قد يقيد إيران في الخارج، هو نفسه ما يضيق الخناق على ساعة ترامب السياسية في الداخل.
عندما يصبح "عدم التوقع" عبئاً
العواقب الاقتصادية تجعل هذه الاستراتيجية ملموسة بشكل غير معتاد؛ فالتقلبات في أسواق النفط، وارتفاع تكاليف الشحن، والمخاوف المتجددة من التضخم، تترجم المخاطر الجيوسياسية إلى ضغوط مباشرة على الناخبين. بالنسبة لقاعدة ترامب، فإن هذا التقلب، الذي يعززه خطابه الحربي، قد يقوي صورة القائد القوي. لكن بالنسبة للناخبين المستقلين، الحسابات تختلف؛ إذ يصبح عدم التوقع عبئاً عندما يرفع التكاليف دون تحقيق نتائج ملموسة.
تاريخياً، تسامح الأمريكيون مع المخاطر عندما كانت الأهداف واضحة والنتائج تبدو قابلة للتحقيق، أما الغموض فيؤدي إلى تآكل هذا التسامح بسرعة أكبر. إن نظرية الرجل المجنون، بحكم تصميمها، تضغط عامل الوقت؛ فهي قد تنتج اختراقات سريعة، لكنها لا تترك مجالاً كبيراً لجمود طويل الأمد. فكل أسبوع إضافي يمر دون حل، يزيد من خطر النظر إلى التقلبات لا كأداة ضغط، بل كحالة من التخبط: مكلفة، مفتوحة الأطراف، ويصعب تبريرها بشكل متزايد.
يتحمل هذه التكاليف أمريكيون قلقون بالفعل بشأن تكلفة المعيشة، ومرهقون من التورط في صراعات الشرق الأوسط. وهذا سيجهد حتى صبر أنصار "MAGA" المخلصين، وهم يملؤون سياراتهم بالوقود يومياً، مراقبين عداد أسعار الغاز وهو يرتفع أكثر فأكثر بسبب نوع من الحروب قيل لهم إنها أصبحت من مخلفات الماضي الأمريكي.
إيران وحدود "دبلوماسية الصدمة"
تختبر إيران ما هو أكثر من مجرد الإرادة العسكرية الأمريكية؛ فمن خلال تجنب التصعيد الدراماتيكي مع رفض التنازل في الوقت نفسه، قامت طهران بتمطيط الصراع ليصبح معركة صبر. وهي تستغل بذلك عدم تماثل مألوف: فالأنظمة الاستبدادية غالباً ما تستطيع استيعاب عدم اليقين المطول بسهولة أكبر من الديمقراطيات المستقطبة.
في واشنطن، لا يزال النقاش يؤطر الصراع كقضية "مصداقية"، أما بين الناخبين الذين يمكن إقناعهم، فالعدسة أكثر واقعية: هل الصراع مُحتوى؟ هل أمريكا أكثر أماناً؟ هل هناك مخرج معقول؟
تعتمد نظرية الرجل المجنون على افتراض رئيسي مفاده أن الخصوم يخشون عدم اليقين أكثر مما تخشى الديمقراطيات عدم الاستقرار. لكن سلوك إيران يشير إلى حسابات مختلفة: وهي أن الديمقراطيات ستطالب في النهاية بالوضوح. وإذا كان هذا هو رهان طهران، فإن مهمة ترامب ليست تهدئة خطابه، بل تحويل عدم القدرة على التنبؤ إلى فوز مرئي قبل أن ينفد الصبر. وإنذاره الأخير، الذي يبدو أنه الأخير فعلاً، سيجبر الأمور على الوصول إلى خاتمة.
لا يزال بإمكان ترامب النجاح
من السابق لأوانه إعلان فشل استراتيجية ترامب؛ فالتاريخ يقدم أمثلة على سياسات حافة الهاوية التي بدت متهورة حتى نجحت في النهاية. يجادل المؤيدون بأن إيران تعاني من ضائقة اقتصادية، ومعزولة دبلوماسياً، وتواجه رئيساً أمريكياً مستعداً للتصعيد بقوة عسكرية صلبة لا مثيل لها تحت تصرفه. ومن وجهة النظر هذه، فإن التقلب ليس نتاجاً ثانوياً، بل هو الآلية التي تمنع طهران من كشف "خداع" واشنطن بثقة.
إذا نجح ترامب في تأمين تنازلات ملموسة -بشأن أمن الشحن، أو نشاط الوكلاء الإقليميين، أو القيود النووية- فقد يُحكم على الاستراتيجية بالنجاح. فالناخبون يميلون إلى الحكم على النتائج أكثر من الأساليب، والعملية الفوضوية التي تتبعها نتيجة واضحة هي أمر يمكن النجاة منه سياسياً.
على طهران أن تقرر ما إذا كانت تعتقد أن ترامب يخادع أم لا. لقد حذر إيران من التشكيك في إرادته في التحرك، على الرغم من المواعيد النهائية المرنة السابقة. والحرب نفسها دليل كافٍ على أنه سيمضي قدماً عندما يريد ذلك.
جبهتان توأمان
تختبر إيران استراتيجية ترامب على جبهتين في آن واحد؛ في الخارج، السؤال هو ما إذا كان عدم التوقع سيفرض تنازلات أم مجرد إطالة أمد الضغط. وفي الداخل، السؤال هو ما إذا كان التقلب لا يزال يشير إلى القوة أم إلى حالة أكبر من عدم اليقين.
هذا التوتر هو الخطر الجوهري. فإذا حول ترامب الضغط إلى نتيجة واضحة ومرئية، فستبدو استراتيجيته كمخاطرة مدروسة، ويمكنه بيع قصة انتصار لناخبين متشككين. ولكن إذا طال أمد الصراع دون حل، فقد تكشف إيران حدود "نظرية الرجل المجنون"، وتظهر أنه حتى عندما تنجح في الخارج، فإنها قد تفشل في المكان الأكثر أهمية: لدى الناخبين.