لا يمكنك التنبؤ بالمستقبل. ولكن هل يمكنك التدرّب عليه؟
Time
2026-03-15 05:40
في مقال نشرته مجلة التايم، يطرح فرانك ديانا، خبير المستقبليات في شركة "تاتا للخدمات الاستشارية" (Tata Consultancy Services)، رؤية نقدية لمدى اعتمادنا على التوقعات في عالم سريع التغير. حيث التنبؤ الدقيق بالمستقبل لم يعد ممكناً أو آمناً في عصرنا الحالي الذي تتشابك فيه الأزمات ويتلاشى فيه هامش الخطأ؛ فالاعتماد على التوقعات التقليدية قد يكون مضللاً ومكلفاً جداً. وبدلاً من إطلاق النبوءات حول ما سيحدث، يقترح الكاتب تبني استراتيجية "التدرب على المستقبل" عبر ما يسميه بـ "سلاسل الاحتمالات" (Possibility chains). ويدعو من خلالها المؤسسات وصناع القرار إلى فهم كيفية تراكم الضغوط المختلفة وتفاعلها، للاستعداد بمرونة للسيناريوهات الهيكلية المحتملة، مؤكداً أن الجاهزية الحقيقية تُبنى بالممارسة والتدريب، وليس بالسعي وراء اليقين المستحيل.
وهذه أبرز النصائح العملية التي قدمها الكاتب للشركات وصناع القرار للتعامل مع هذه التغيرات:
عندما يعلم الناس أنني خبير في المستقبليات، غالباً ما يفترضون أن عملي يتمحور حول التنبؤ الدقيق بما سيحدث تالياً، بدءاً من نتائج الانتخابات والتقنيات الجديدة، وصولاً إلى انهيارات الأسواق والكوارث الطبيعية.
لأكون واضحاً: لا يمكنني التنبؤ بالمستقبل. لكن الرغبة في وجود شخص قادر على ذلك هي أمر مفهوم. ففي لحظات عدم الاستقرار، يبدو التنبؤ بمثابة طمأنينة، ووسيلة لفرض النظام على حالة عدم اليقين. ومع ذلك، فإن هذا التوقع في حد ذاته يستند إلى فرضية هشة، لأن التنبؤ لم يكن يوماً أمراً موثوقاً، حتى خلال الفترات التي نتذكرها الآن على أنها هادئة أو أكثر استقراراً.
يوضح السجل التاريخي هذا الأمر بجلاء. فالتوقعات الاقتصادية تفشل بشكل روتيني في استباق فترات الركود، والتنبؤات السياسية تنهار في لحظات إعادة الاصطفاف، والتغير التكنولوجي يحل في وقت أبكر أو متأخر أو بأشكال لم يتوقعها سوى القليلون.
لفهم المستقبل، لا يمكنك إطلاق النبوءات، بل يجب عليك فهم الماضي. وذلك لأن المستقبل لا يُتنبأ به، بل يُتدرّب عليه.
حدود التنبؤ
إن ما حافظ على إيماننا الجماعي بالتنبؤ لم يكن دقته، بل البيئة التي كان يعمل فيها. في الماضي، كانت الأخطاء تتكشف ببطء، وكان لدى المؤسسات الوقت الكافي للاستجابة والتكيف. وعندما كانت التوقعات تفشل، كانت العواقب غالباً محتواة وقابلة للتدارك، مما سمح للتنبؤ بالاستمرار كوهم مفيد بدلاً من كونه دليلاً موثوقاً.
ما تغير اليوم ليس قدرتنا على رؤية المستقبل بوضوح، بل قدرتنا على استيعاب كوننا مخطئين. فهامش الخطأ الذي كان متاحاً في الماضي عبر المؤسسات والاقتصادات والمجتمعات قد تقلص بشكل كبير. والضغوط التي كانت تتوالى في الماضي بشكل تتابعي، باتت الآن تحل في آن واحد، متفاعلة ومُعززة لبعضها البعض بطرق يصعب عزلها أو إدارتها بشكل مستقل.
إننا نعيش فترة يتزامن فيها التسارع التكنولوجي مع الشيخوخة الديموغرافية، وإعادة الاصطفاف الجيوسياسي، والقيود البيئية، والتوتر الاجتماعي العميق. ويُطلب من الأنظمة الاقتصادية تحقيق النمو بالتزامن مع استيعاب التقلبات. ويُتوقع من الأنظمة السياسية الاستجابة بسرعات لم تُصمم قط للتعامل معها. وتنتقل قضايا الهوية والثقة والمسؤولية من النقاش المجرد إلى صميم الحياة اليومية. هذه الضغوط لا تعمل بمعزل عن بعضها؛ بل تتراكم، وتتضاعف، وتتلاقى.
تُبنى معظم الأنظمة على أساس التكيف، ولفترات طويلة من الزمن، ينجح هذا التكيف. إذ تقوم المؤسسات بتعديل عملياتها، وتعيد الأسواق تسعير المخاطر، وتراجع الهيئات قواعدها استجابة للظروف المتغيرة. ومع مرور الوقت، وبسبب الضغط المتراكم، تتآكل المرونة. وتصبح القرارات أكثر صعوبة في التراجع عنها، وتضيق الخيارات، ولا يعود التعديل التدريجي كافياً. وعندما يحدث ذلك، لا تنهار الأنظمة على الفور، بل تبدأ في إعادة تشكيل نفسها على المستوى الهيكلي بدلاً من الاستمرار في التكيف على الهوامش.
لقد كان هذا النمط واضحاً بشكل خاص منذ جائحة فيروس كورونا. فسلاسل التوريد التي تم تحسينها من أجل الكفاءة تصدعت تحت وطأة الضغط وأُعيد بناؤها على أساس المرونة (الصمود). وهياكل العمل المصممة للاستقرار أفسحت المجال لترتيبات أكثر انسيابية وتجزئة. كما أن المؤسسات القانونية والسياسية المبنية للتعامل مع التغيير البطيء تعاني من ضغوط شديدة عندما تتجاوز الأحداث باستمرار قدرتها على الاستجابة. هذه ليست إخفاقات معزولة أو اضطرابات مؤقتة؛ بل هي إشارات على أن التكيف يفسح المجال لإعادة التشكيل الهيكلي.
في هذه البيئة، لا يصبح التنبؤ غير موثوق به فحسب، بل يصبح مضللاً بشكل فعلي. يمكن النجاة من الخطأ عندما تظل الأخطاء محدودة النطاق وتتطور ببطء. ولكن عندما تكون عواقب الخطأ فورية وشديدة، فإن الاعتماد على التنبؤات يمكن أن يضلل صناع القرار. وبسبب السرعة الفائقة لمجتمعنا الحديث، فبحلول الوقت الذي تتضح فيه الرؤية، تكون فرصة الاستجابة المجدية قد فاتت غالباً. إن نقطة ضعف التنبؤ كانت موجودة دائماً؛ وما تغير هو مدى عرضتنا لفشله وتأثرنا به.
التدرّب على المستقبل
لذلك، وبدلاً من السؤال عما سيحدث، أركز على سؤال مختلف: كيف يتراكم الضغط بمرور الوقت، وماذا يحدث عندما تتصادم ضغوط متعددة؟ هذا الإطار ينقل الانتباه بعيداً عن النتائج ويوجهه نحو الهياكل.
قادني هذا النهج من التفكير إلى تطوير ما أسميه "سلاسل الاحتمالات". وهي تبدأ بالمراقبة الدقيقة لما يتغير في الوقت الراهن، من قدرات جديدة تدخل حياتنا اليومية، وسلوكيات متغيرة، وقيود ناشئة، واستجابات مؤسسية قد تتأخر أو تتسارع.
ومن هناك، أقوم بتقييم كيفية تفاعل المتغيرات المرتبطة بهذا التغيير. على سبيل المثال، يؤدي التحول التكنولوجي إلى تغيير الحوافز الاقتصادية، مما يعيد تشكيل كيفية تعلم الناس وعملهم وتحديدهم لمفهوم الأمان. وتثير الاستجابات الاجتماعية تحركات سياسية، والتي بدورها تشكل كيفية حوكمة التكنولوجيا أو تقييدها. وتتبع كل خطوة منطقاً سببياً يمكن فحصه واختباره مع تطور الظروف. والهدف هنا ليس تحديد مستقبل واحد حتمي، بل فهم كيف يمكن للتطورات المختلفة أن تتداخل بمرور الوقت.
عندما يتم تتبع هذه التفاعلات عبر السنوات بدلاً من اللحظات العابرة، تبدأ أنماط بالظهور يمكنها مساعدتنا في التدرب على المستقبل، بدلاً من التنبؤ به.
وهنا تتجاوز "سلاسل الاحتمالات" مجرد الوصف لتصبح أداة عملية. فهي ليست تمارين في التفاؤل أو إثارة الذعر، بل هي أدوات لخلق مساحة لاتخاذ القرار. فكل مستقبل محتمل يحمل في طياته جوانب إيجابية وسلبية معاً. إذ يمكن لقدرة جديدة أن تطلق العنان للإنتاجية والإبداع، أو أن تعمق التفاوت والهشاشة، وذلك اعتماداً على كيفية تبنيها وإدارتها. ويمكن للإصلاح المؤسسي أن يعيد بناء الثقة والتنسيق؛ أو أن يرسخ أشكالاً جديدة من الإقصاء. ويمكن للقيود البيئية أن تسرّع الابتكار أو أن تثير عدم الاستقرار، اعتماداً على التوقيت والاستجابة. إن جعل هذه المقايضات مرئية بوضوح قبل أن يفرض علينا الضغط خياراً ما، هو القيمة الجوهرية للتدرب على المستقبل.
هذا النوع من التحضير شائع في مجالات أخرى عالية المخاطر. فالطيارون لا يحاولون التنبؤ بكل حالة طوارئ قد يواجهونها؛ بل يتدربون على الاستجابات لتسلسلات الفشل المحتملة حتى لا يضطروا إلى الارتجال تحت الضغط. والمدن لا تتنبأ بكل كارثة؛ بل تتدرب على التنسيق حتى لا تعتمد الاستجابة على التبصر المثالي. في الأنظمة المعقدة، يأتي الاستعداد من الممارسة بدلاً من اليقين.
تُطبق "سلاسل الاحتمالات" هذا المنطق نفسه على الأنظمة التي تخضع لضغوط منسقة عبر مجالات متعددة. فهي تسمح للمؤسسات والمنظمات والمجتمعات بالمرور عبر سيناريوهات المستقبل المحتملة. وبدلاً من الجدال حول ما إذا كان توقع واحد بعينه صحيحاً أم خاطئاً، فإنها تساعد صناع القرار على الاستعداد للظروف التي تجعل نتائج معينة أكثر ترجيحاً، في وقت لا يزال فيه المجال مفتوحاً للتأثير على كيفية تشكل تلك النتائج.
نحن ندخل فترة لا تُعرّف بالاضطرابات المعزولة بقدر ما تُعرّف بالقيود المترابطة. هذا لا يعني أن الانهيار المجتمعي أمر حتمي، ولكنه يعني أن الاعتماد على التخمين للمضي قدماً لم يعد كافياً. فقد ارتفعت تكلفة الخطأ، وتقلص الوقت المتاح للاستجابة.
المستقبل ليس وجهة تنتظر من يكتشفها. بل يتشكل من خلال الضغط والتفاعل والتوقيت. قد لا نتمكن أبداً من التنبؤ بالمستقبل بدقة، ولكن يمكننا التدرب على كيفية استجابتنا له. في عالم كهذا، قد يكون التدرّب هو الشكل الأكثر عملية وواقعية للاستشراف الذي نملكه.