لماذا ترفض إدارة ترامب قبول ولاية ثالثة لنوري المالكي في العراق؟
Atlantic Council
2026-02-05 12:19
في مقال نشره موقع (Atlantic Council)، تستعرض الكاتبتان رند الرحيم وفيكتوريا تايلور التحول الدراماتيكي في الموقف الأمريكي تجاه تشكيل الحكومة العراقية. ,تدخل الرئيس دونالد ترامب الحاسم عبر منصة "تروث سوشيال" لعرقلة ترشيح المالكي، معتبراً إياه عودة بالبلاد إلى حقبة الفساد والطائفية والنفوذ الإيراني. ويخلص إلى أن الفاعلين السياسيين في العراق باتوا أمام واقع دولي جديد يتطلب اختيار قيادة قادرة على الموازنة بين الضغوط الأمريكية الحازمة والتحديات الإقليمية المتفجرة، بدلاً من التمسك بوجوه الماضي.
وفيما يلي ترجمة المقال:
في منشور موجز ولكن لا لبس فيه على منصة "تروث سوشيال" (Truth Social) في 27 يناير، أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن معارضته لمساعي نوري المالكي ليكون رئيس وزراء العراق المقبل، مما أحدث هزات ارتدادية في المشهد السياسي العراقي. وقبل رسالة ترامب، بدا أن ترشيح المالكي غير المرجح لولاية ثالثة كرئيس للوزراء يمضي قدماً دون معارضة تذكر؛ إذ كان هذا الترشيح، الذي أُعلن عنه في 24 يناير، نتاجاً لمساومات النخبة، ونهجاً أمريكياً أكثر ابتعاداً عن التدخل، ودعماً إيرانياً في نهاية المطاف، مما مثّل علامة مقلقة على أن العراق قد يتجه إلى الوراء بدلاً من الأمام. ومع ذلك، وبجمل قليلة، أنهى ترامب فعلياً ترشيح المالكي وأعاد تأكيد الامتياز الأمريكي فيما يخص رئاسة الوزراء في العراق.
كيف وصلنا إلى هنا؟
عندما زارت إحدى المؤلفتين -فيكتوريا تايلور- بغداد في نوفمبر، أكد لها قادة من التحالف الشيعي الحاكم "الإطار التنسيقي" إجماعهم الراسخ ضد منح ولاية ثانية لأي رئيس وزراء، وضد أي مرشح يمتلك حزباً سياسياً خاصاً به. وفي واقع الأمر، كثيراً ما استُشهد بولاية المالكي الثانية المثيرة للجدل كسبب لعدم منح أي رئيس وزراء عراقي ولاية ثانية على الإطلاق. بدا اسم المالكي في البداية وكأنه برز في مناقشات رئاسة الوزراء كمناورة تكتيكية مصممة لإجبار كل من المالكي ورئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني على الانسحاب من دائرة الترشيح. ومع ذلك، اكتسب مسعى المالكي للترشح زخماً بعد أن وافق السوداني على دعمه. وهناك بعض التكهنات بأن السوداني اتخذ هذه الخطوة لتوقعه بأن أطرافاً أخرى ستعرقل ترشيح المالكي، مما يسمح له (للسوداني) بالظهور كمرشح الإطار الوحيد. لكن في 24 يناير، رشح الإطار رسمياً المالكي، وإن كان ذلك، بشكل ملحوظ، ليس بالإجماع.
تاريخ مثير للجدل
إن سعي الولايات المتحدة لعرقلة المالكي ليس بالأمر المفاجئ؛ فخلال ولايتيه كرئيس للوزراء من 2006 إلى 2014، وضع المالكي أسس الدولة الحالية في العراق، مما يجعله مسؤولاً إلى حد كبير عن العديد من أسوأ عيوبها. وخلال فترة توليه المنصب، تجذر الفساد والمحسوبية في مؤسسات الدولة، وأدى سجله في الطائفية المتجذرة وجنون الارتياب، مقترناً بعدائه للأكراد والسنة، إلى دفع العراق إلى حافة الحرب الأهلية وبلغ ذروته باستيلاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على ثلث الأراضي العراقية. وبينما استعاد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تلك الأراضي، فإن العديد من الأمراض التي ابتلي بها العراق في عهد المالكي لا تزال تقوض الدولة. وقد وصف مسؤولون أمريكيون سابقون خدموا في العراق خلال فترة حكم المالكي فترته الكارثية بعبارات قاسية وصريحة.
علاوة على ذلك، يمتلك المالكي علاقات طويلة الأمد مع إيران تعود إلى سنوات منفاه قبل عام 2003، وقد أنتج التزامه الأيديولوجي بالتشيع سياسات دعمت المصالح الإيرانية على حساب الولايات المتحدة. إن دعم المالكي للانسحاب الكامل للقوات الأمريكية في عام 2011 ودعمه اللاحق للميليشيات المدعومة من إيران قد رسخ نفوذ طهران على العراق بطرق دائمة. وقد رفضت التصريحات الرسمية الأمريكية بشأن الجولة الأخيرة من تشكيل الحكومة فكرة "حكومة تنصبها إيران"، مما يشير إلى أن معارضة ترامب للمالكي مدفوعة جزئياً على الأقل بدعم إيران لترشيحه.
ومع ذلك، فإن القول بأن المالكي مرهون لإيران هو سوء فهم لدوافعه التي غالباً ما تحركها مصالحه السياسية والاقتصادية الشخصية. ونظراً للنفوذ السياسي الذي تتمتع به طهران والفصائل المدعومة منها في السياسة العراقية، فقد حصل كل رئيس وزراء عراقي على "مباركة" إيران، ولن يختلف رئيس الوزراء القادم عن ذلك.
تحرك أمريكي متأخر
على الرغم من أن الولايات المتحدة أوضحت للإطار التنسيقي أنها لن تقبل بحكومة تضم منظمات إرهابية مصنفة، إلا أن الرسائل الأمريكية لم تشر إلى معارضة حازمة لأي مرشحين محددين. ومع استمرار تسارع ترشيح المالكي، أعطى الانخراط الأمريكي "منخفض الوتيرة" في عملية تشكيل الحكومة انطباعاً بالقبول الضمني لترشيحه. تغير هذا الموقف تماماً عندما كان ترشيح المالكي على وشك الإقرار، برسالة أمريكية متأخرة لقيادة الإطار مفادها أن التجربة الأمريكية خلال رئاسة المالكي السابقة كانت سلبية.
سواء كان بإمكان الولايات المتحدة أن تكون أكثر وضوحاً أو أنها تدخلت ببساطة في وقت متأخر جداً من العملية، فقد وقع الإطار التنسيقي في خطأ فادح في تقدير عمق المعارضة الأمريكية للمالكي، مما أدى إلى خروج ما كان يمكن أن يكون نزاعاً خاصاً إلى العلن. وفي منشورات وبيانات متتالية على وسائل التواصل الاجتماعي في الأيام التي تلت ترشيح المالكي، تصاعد الانخراط الأمريكي وأصبحت المعارضة للمالكي مباشرة بشكل متزايد، مع مكالمات للقادة العراقيين من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في 25 يناير، والمبعوث الخاص إلى سوريا السفير توم باراك في 26 يناير، وتهديد حاد من المبعوث الخاص للعراق مارك سافايا (الذي حُذف لاحقاً عندما أغلق حسابه على منصة X). جعلت رسالة ترامب المعارضة الأمريكية واضحة تماماً، وزادت الإقالة المزعومة لسافايا في خضم النزاع حول المالكي من حدة الدراما وضاعفت نظريات المؤامرة.
ماذا سيحدث بعد ذلك؟
لقد أدت معارضة ترامب العلنية للمالكي إلى قلب عملية تشكيل الحكومة رأساً على عقب، مما تسبب في إحراج للمالكي وللإطار التنسيقي. ويواجه الإطار الآن خياراً صعباً: إما إيجاد طريقة للتراجع للحفاظ على علاقته مع الولايات المتحدة، أو المخاطرة بعواقب سياسية واقتصادية من إدارة ترامب. رد المالكي على ترامب بتحدٍ على منصة X في 28 يناير، رافضاً التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية للعراق ومدعياً دور المدافع عن السيادة العراقية. وفي العلن على الأقل، تردد صدى تنديد المالكي بالتدخل الأمريكي لدى زملائه في الإطار، الذين أعادوا تأكيد دعمهم لترشيح المالكي في 30 يناير.
ومع ذلك، هناك مؤشرات على أن المفاوضات خلف الكواليس مستمرة. فقد تأخرت جلسة مجلس النواب المقررة في 1 فبراير، ظاهرياً بسبب عدم الاتفاق بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على منصب الرئاسة. كما يمنح التأخير الإطار وقتاً لمواصلة مفاوضاته الداخلية، حيث إنه بموجب الدستور العراقي، يكلف الرئيس مرشح رئاسة الوزراء بتشكيل الحكومة القادمة.
الخيار الأسهل للإطار هو أن ينسحب المالكي، مما يمنح القادة السياسيين الشيعة خيار اختيار مرشح جديد. ورغم أن هذا قد يفسح المجال للسوداني، إلا أن ثمن انسحاب المالكي قد يتطلب من الإطار دعم مرشح أكثر توافقاً معه. وإذا رفض المالكي الانسحاب، فقد يبحث الإطار عن بدائل لحفظ ماء الوجه لعرقلة طريقه، مثل طلب التوجيه من آية الله العظمى السيستاني، الشخصية الدينية الشيعية المؤثرة، أو حتى تقديم ترشيح المالكي لمجلس النواب مع توقع أن السنة والأكراد لن يصوتوا لصالحه. ومع ذلك، فإن الاعتماد على قادة آخرين لعرقلة رئاسة المالكي هو نهج محفوف بالمخاطر، وهو بشكل ما الطريقة التي تمت بها الموافقة على ترشيحه في المقام الأول.
عالم متغيّر
إن التحديات التي تواجه رئيس الوزراء العراقي القادم جسيمة. يجب على الإطار، وكذلك القادة السنة والأكراد، قبول الحقائق الجديدة في عالم متغير، ويجب أن يعكس اختيارهم لرئيس الوزراء ذلك، ليس لاسترضاء القوى الخارجية، بل لحماية الأمن الداخلي والازدهار. دولياً، يجب على رئيس الوزراء العراقي القادم والحكومة التعامل مع بيت أبيض حازم ولا يلين. وفي أماكن أخرى من المنطقة، تواجه إيران تهديداً بضربات إضافية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، مع احتمال قائم دائماً بأن يمتد التصعيد إلى العراق.
يجب على القادة في بغداد أيضاً التعامل مع قيادة سورية جديدة يُنظر إلى جذورها السنية المتطرفة بريبة من قبل القيادة الشيعية في العراق. وسيتعين على الحكومة الجديدة اتخاذ خيارات دقيقة تسمح لها بالإبحار وسط هذه الأزمات ببراعة. وعلى الصعيد الداخلي، سيواجه رئيس الوزراء القادم مشاكل شاقة بالقدر نفسه: نزع سلاح الميليشيات التي تشكل تهديداً لاستقرار البلاد، ومعالجة أزمة مالية تلوح في الأفق تهدد الملايين الذين يعتمدون على المدفوعات الحكومية، والتوصل إلى اتفاق مستدام مع حكومة إقليم كردستان بشأن إيرادات النفط والتحويلات المالية.
إن المخاطر بالنسبة للولايات المتحدة ومستقبل العلاقة الأمريكية العراقية مرتفعة أيضاً. فالمصالح الأمريكية في العراق والمنطقة تخدم بشكل أفضل من خلال عراق مستقر وقادر على إعادة تأكيد سيادته ضد التدخل الإيراني. إن قرار العراق قبول سبعة آلاف معتقل من داعش من سوريا الشهر الماضي بناءً على طلب من واشنطن هو تذكير بكيفية نجاح الشراكة الأمريكية مع العراق في تحقيق نتائج مهمة. ورغم أن العراق قد تراجع عن قمة أولويات واشنطن، إلا أن الولايات المتحدة تتجاهل العراق على مسؤوليتها الخاصة. ورسالة ترامب الصارمة بشأن ترشيح المالكي هي تذكير بأن المصالح الأمريكية في العراق أهم من أن تُهمل.