هل التوليف بين أميركا والصين في حكم الممكن؟

بروجيكت سنديكيت

2025-08-30 04:23

بقلم: برادفورد ديلونغ

بيركلي ــ ينبغي لنا جميعا أن نرحب بصدور الكتاب الجديد للمحلل الصيني الكندي دان وانج بعنوان "Breakneck: China’s Quest to Engineer the Future" (خطير للغاية: سعي الصين إلى هندسة المستقبل).

أجل، أنا مُـنـحاز، لأن وانج صديقي. لكنني كنت لأقول الشيء ذاته لو لم أكن أعرفه. كما أنني لست وحدي. يصف الخبير الاقتصادي تايلر كوين كتاب "Breakneck" بأنه "ربما يمكن اعتباره الكتاب الأفضل على الإطلاق هذا العام ". ويصفه جون ثورنهيل من صحيفة فاينانشيال تايمز بأنه "مقنع واستفزازي وشخصي للغاية". ويقول باتريك كوليسون، الرئيس التنفيذي لشركة Stripe، إن وانج "يسلط الضوء على الصين كما لم يفعل أحد غيره من قبل". وتصفه تريسي ألواي من بلومبرج بأنه "أحد أفضل الكتّاب الصينيين على الإطلاق".

في السابعة من عمره، هاجرت عائلة وانج من يونان، في أقصى جنوب غرب الصين ــ حيث تختلف اللهجة المحلية عن لغة الماندرين المحكية في بكين كما تختلف لهجة لويزيانا الكاجونية عن اللغة الإنجليزية المستخدمة في ولاية مين في أقصى شرق الولايات المتحدة. وهو الآن يتنقل بين بالو ألتو وآن أربور، وعاش في تورنتو، وأوتاوا، وفيلادلفيا، وروتشستر، وفرايبورج، وسان فرانسيسكو، وكونمينج، وهونغ كونج وبكين وشنغهاي، ونيوهافن. 

يرى وانج الذي عاش بين كندا والصين والولايات المتحدة الأميركية بوصفه قريبا غريبا، أن كلا من الصين والولايات المتحدة "أخّاذة، ومثيرة للغضب، وغريبة". تجول في أي منهما وسوف تجد أماكن تشعرك بالاضطراب وتعكر مزاجك. وهو لا يقصد بهذا الانتقاد أو التوبيخ. فعلى النقيض من كندا الأنيقة، حيث يشعر بالاسترخاء، تُظهر الصين وأميركا السمات المميزة لمحرك التغيير العالمي.

يصف الكتاب الصين بأنها بلد "الـمِرزّبة"، وأميركا بلد "المطرقة". ففي الصين تحل النخبة الهندسية التكنوقراطية المشكلات بالخرسانة، والفولاذ، والميزان ــ بالطرق، والجسور، ومحطات توليد الطاقة، وغير ذلك من المشاريع الضخمة. ويمتد الدافع ذاته إلى المجتمع، وهو ما ينعكس في سياسة الطفل الواحد السيئة السمعة، وقمع التبت وشينجيانج. تُقدّر التكنوقراطية الصينية النظام، والسيطرة، والإنجاز المرئي.

في المقابل، تحل النخبة القانونية في أميركا المشكلات من خلال تخصيص حقوق الملكية والأمن. وهذا يخلق الظروف التي تتيح للناس أن يعيشوا كما يحلو لهم، ويتبع ذلك المشاريع والإبداع كأمر طبيعي. وتتمثل الاستجابة الانعكاسية لأي مشكلة في إنشاء استحقاق أو حق آخر، على النحو الذي يجتذب مزيدا من الناس إلى الأطر المطلوبة للوفاق والرضا.

بيد أن الأميركيين والصينيين متشابهون في الجوهر ــ وهي حقيقة تبرز عند مقارنة الصينيين باليابانيين والكوريين، أو الأميركيين بالكنديين والأوروبيين. فكل من الشعبين مُـبدِع ولا يهدأ له بال. كلاهما يمزج بين المادية الفجة والإعجاب برواد الأعمال. وكلاهما يتسامح مع انعدام الذوق. كلاهما يحب المنافسة. كلاهما براجماتي ويستعجل العمل غالبا "لإنجازه". يعج كل من البلدين بالمحتالين والباعة الجائلين الذين يبيعون مسارات سريعة إلى الصحة والثروة. وكلاهما معجب بالمشاريع التكنولوجية المهيبة ــ المشاريع الكبرى التي تتخطى الحدود. وتشترك النخب والجماهير في البلدين في عقيدة العظمة الوطنية، التي يمثلها في أميركا شعار "المدينة على التل" الذي رفعه جون وينثروب ورونالد ريجان، وفي الصين نقوش "البلد المركزي" على أواني النبيذ البرونزية الطقسية من عهد أسرة تشو.

وكل من البلدين عبارة عن تشابك من النقائص والعيوب، وهذا يجعلهما في كثير من الأحيان ألدّ أعداء نفسيهما. كما أن التسميات القديمة مثل "اشتراكي"، أو "ديمقراطي"، أو "نيوليبرالي" لا تنطبق عليهما ببساطة. فالصين تحقق تقدما ماديا سريعا وواضحا، ولكن على حساب الحقوق ووسط مخاطر الـمُـغالاة. وتخرج تكنوقراطيتها اللينينية عن المسار بفِـعل الهندسة الاجتماعية، فتتحول من العملي إلى المنافي للعقل.

وتنحرف أميركا عن المسار بإنفاق وقت أطول مما ينبغي في تحديد وتبرير الحقوق، لتتحول إلى دولة ديمقراطية الفيتو الفائقة التنازع. فالضمانات تقيد الإفراط، لكنها تنتج أيضا الركود والطموحات الـمُـهدَرة.

سوف تستفيد الصين من زيادة احترام الحقوق والقواعد غير الشخصية. ومع ذلك، لا ترى النخبة في الصين جاذبية كبيرة في أي نظام من الممكن أن يرفع من شأن دونالد ترمب بدلا من شي جين بينج. على نحو مماثل، كانت الولايات المتحدة ذات يوم تبني بطموح، خاصة بين أواخر القرن التاسع عشر وحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها تحتاج الآن إلى استعادة روح البناء والهندسة هذه.

يَـبـرُز التصلب الأميركي حتى على حدود الاقتصاد العالمي. فيزعم وادي السيليكون إنه يثمن الاختراع، لكنه يبني من حول خنادق من تأثيرات الشبكات والمناورة القانونية. أما الصين فهي على النقيض من ذلك تمنح الأولوية للحجم والإنتاج، وتحتضن أخلاقيات الرئيس التنفيذي السابق الشهير لشركة إنتل، أندي جروف. إذا استطاع وادي السيليكون (Silicon Valley) أو دلتا نهر اللؤلؤ (Pearl River Delta) إيجاد التوازن بين الحجم الهندسي والطموح وبين الحقوق القانونية القوية والضمانات، فلن يكون من الممكن إيقافه.

ما يجعل كتاب Breakneck مميزا هو الكيفية التي يمزج بها بين النظرية، والبيانات الاقتصادية، وعلم الاجتماع، والملاحظة الشخصية. الواقع أن كثيرا من الحديث عن الصين في الوقت الحاضر يخلط بين تقارير بعيدة مستقاة من مصادر خارجية وبين تجريدات مراكز الأبحاث. لكن وانج يعيش القصة. فهو استنادا إلى درايته بالطعام، والشوارع، والمدن، والسياسة في الصين وأميركا وكندا، يجلب إلى كل منها منظور المطلع من الداخل والزائر من الخارج، وهذا يتيح للقراء رؤية واستشعار وتذوق الأماكن التي تحرك العالم المعاصر. وهنا تتحول التفاصيل التي تبدو كالألوان إلى جوهر الفهم.

لعل واحدة من مهام العالم الأكثر إلحاحا وصعوبة في القرن الحادي والعشرين تتمثل في صياغة توليفة من أفضل ما في الصين وأميركا، مع تجنب أسوأ ما في كل منهما. اقرأ كتاب "Breakneck" على سبيل الاطلاع على التقارير بقدر ما تقرأه طلبا للمجادلة ــ ومن أجل تأمله في المقايضات بين الطموح وضبط النفس، والبناء والمنع، واستخدام الـمِـرزَّبة الثقيلة أو المطرقة الخفيفة.

* جيه. برادفورد ديلونغ، أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وباحث مشارك لدى المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، ومؤلف كتاب التراخي نحو المدينة الفاضلة: تاريخ اقتصادي للقرن العشرين

https://www.project-syndicate.org

ذات صلة

المباحث البلاغية في شرح نهج البلاغة للسيد محمد شيرازي.. الكناية أنموذجًامعيار التفريق بين الكسب المشروع وغير المشروع عند أصحاب النفوذالديكتاتور ترامب.. الدخول الى الجنة بأسلوب الطغاةالطائفية رهان الأحزاب الغلّاب ولعبتها المحبّبةالقيم الأخلاقية أساس السلام السياسي