الحياكة… الإبرة التي تخيط الدماغ وترمم الروح
أوس ستار الغانمي
2026-01-11 03:41
عندما كانت أصابع أجدادنا تنسج الصوف على ضوء الفوانيس، لم يكونوا يدركون أنهم لا يصنعون ثوبًا فحسب، بل يحيكون ذاكرة تمتد إلى يومنا هذا. كانت الإبرة في يدهم أداة رزق، ووسيلة دفء، وصناعة مهارة، لكنها اليوم تحولت إلى مساحة علاج نفسي، ومختبر صغير يدرب العقل على الصبر والتركيز والإبداع. ما بين غرزٍ كانت تعد على مقاعد الطين، وأبحاث علمية تنشر اليوم في أرقى الجامعات، تقف الحياكة شاهدة على رحلة مذهلة؛ رحلة جمعت بين حرفةٍ بسيطة وعمقٍ معرفي لم يكن متوقعًا.
الحياكة هذه المهنة القديمة التي امتهنها أجدادنا لم تعد مجرد صناعة قماش بين إبرتين، بل أصبحت لغة عالمية تستخدم في العلاج، وفي تقوية الدماغ، وفي استعادة الذاكرة، وفي صناعة لحظات سلام لا تمنحها التكنولوجيا السريعة. وما بدأ كحرفة شرقية تسافر مع القوافل، أصبح فنًّا يدرسه العلماء ويحلله الباحثون، ووسيلة فعالة لتحسين صحة الإنسان النفسية والعقلية، ولمنح للحياة معنى إضافيًا عبر العطاء والإبداع.
في هذا التقرير، نعود إلى خيوط الحكاية الأولى، لنرى كيف نسجت هذه الحرفة تاريخها، وكيف أصبحت اليوم أكثر من مجرد مهنة… بل رفيقًا ذهنيًا ونفسيًا يدعم من يمارسها، ويغير شيئًا في الداخل مع كل غرزة جديدة.
ما هي الحياكة؟
الحياكة هي فن صنع القماش باستخدام إبرتين طويلتين مدببتين، واحدة في كل يد. باستخدام هاتين الإبرتين، يمكن للحائكات إنشاء نوعين من الغرز: غرز الحياكة وغرز الغزل العكسي. نشر موقع (skillshare) تُشكَّل غرز جديدة بإدخال إبرة في غرزة موجودة، ولفّ الخيط حول الإبرة، وسحبه عبر الغرزة الأصلية.
بينما لا تتطلب المشاريع البسيطة، كالأوشحة أو مناشف الوجه، عادةً باترونًا، ستجدين أن حياكة القطع الأكثر تعقيدًا، كالسترات الصوفية والشالات، أسهل بكثير باتباع باترون. لحسن الحظ، هناك مئات الآلاف من أنماط الحياكة التي يمكنكِ تنزيلها عبر الإنترنت، بالإضافة إلى العديد منها مطبوع في كتب ومجلات الحياكة.
نشأة الحياكة
يصعب تحديد أصول الحياكة بدقة، ولكن يُعتقد أنها نشأت في الشرق الأوسط حوالي القرن الخامس الميلادي. عُثر على أقدم القطع الأثرية المحبوكة المعروفة في مصر، والتي يعود تاريخها إلى أوائل العصر الإسلامي، حوالي القرن الحادي عشر. كانت هذه الجوارب محبوكة بدقة، مما يدل على أن هذه الحرفة قد وصلت بالفعل إلى مستوى عالٍ من التعقيد.
انتشرت الحياكة إلى أوروبا عبر طرق التجارة، وانتشر انتشارًا واسعًا خلال العصور الوسطى. وبحلول القرن الرابع عشر، تأسست نقابات الحياكة في إسبانيا، وأصبحت هذه الحرفة جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الأوروبية. في البداية، كانت الحياكة مهنةً يهيمن عليها الرجال، لا سيما في صناعة الجوارب والقفازات. ومع ذلك، مع مرور الوقت، أصبحت حرفةً منزليةً، تمارسها النساء في الغالب.
أحدثت الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر تغييرات جوهرية في فن الحياكة باختراع آلة الحياكة. سمح ذلك بإنتاج كميات كبيرة من الأقمشة والملابس المحبوكة، محولاً الحياكة من حرفة يدوية إلى صناعة كبرى.
معزز للصحة العقلية
في ممارستها لعلم النفس، توصي سارة أودوهيرتي بالعديد من الحرف اليدوية، وخاصةً الحياكة والكروشيه، لمساعدة الناس على التحكم في حالتهم النفسية. وتقول إن الحرف اليدوية يمكن أن تكون علاجًا فعالًا للاكتئاب، لأنها تساعدنا على الخروج من دوامة الأفكار السلبية، وتعيد تركيزنا على ما يمنحنا شعورًا بالإنجاز، مما يخفف من مشاعر انعدام القيمة والعجز واليأس. وفقًا لموقع (The Guardian).
أظهرت دراسة أجراها باحثون بجامعة غوتنبرغ السويدية أن الحياكة مفيدة للأشخاص الذين يعانون من مشاكل الصحة العقلية. وأوضح الباحثون أن الحياكة توصف بأنها وسيلة لجلب الشعور بالهدوء، ونشرت النتائج، الثلاثاء، في دورية «العلوم المهنية».
وبحسب ما نقلته صحيفة (الشرق الأوسط) تعزز الدراسة الصورة الناشئة من أبحاث أخرى بأن الحياكة نشاط يمكن أن يحسن الصحة ونوعية الحياة. وركزت الدراسة الجديدة على استكشاف ما يقوله الأشخاص الذين يعانون من مشاكل الصحة العقلية بكلماتهم الخاصة حول ما تعنيه الحياكة لصحتهم.
وجمع الباحثون 600 مشاركة من الحاضرين لمنتدى دولي حول أهمية الحياكة بوصفها هواية. وتم تحليل مشاركاتهم باستخدام أساليب تحليل المحتوى النوعي المعمول بها. وأظهرت النتائج 3 طرق واضحة تدعم من خلالها الحياكة تحسين الصحة العقلية للأشخاص؛ إذ وجد الباحثون أن الحياكة تساعد الأشخاص على الاسترخاء. ورغم عدّها هواية، فإنها توفر أيضاً وظيفة وسياقاً اجتماعياً منخفض المخاطر. كما يمكن للحياكة أن تضيف تنظيماً لحياة الناس، مما يحسن صحتهم العقلية.
وبشكل عام، شعر من يمارسون الحياكة ممن شملتهم الدراسة بأنها كانت مهنة تحظى بتقدير كبير وأدت إلى تحسين صحتهم على المديين القصير والطويل. ولاحظ بعض الأشخاص أيضاً تغييراً في عملياتهم العقلية، قائلين إنهم عندما كانوا يمارسون الحياكة أصبح تفكيرهم أكثر وضوحاً وأسهل في الإدارة.
كما أفاد آخرون بأنهم يعتمدون على الحياكة للتخفيف من مشاعر القلق والتوتر بدلاً من اللجوء إلى تناول دواء مهدئ، كما أنها تساعدهم على التركيز بدلاً من التفكير في العديد من الأشياء في الوقت نفسه.
من جانبها، قالت الباحثة الرئيسية للدراسة، جوانا نوردستراند، التي تعمل معالجة مهنية وتدرس للحصول على درجة الدكتوراه في جامعة غوتنبرغ: «تتمتع حرفة الحياكة باهتمام ترفيهي إبداعي يمكن أن يساعد مَن يقومون بها على التأقلم مع الحياة وبالتالي تحسين صحتهم العقلية».
وأضافت نوردستراند، عبر موقع الجامعة: «أنا مقتنعة بأن هذا جزء من السبب وراء اهتمام الكثير من الناس بالحياكة هذه الأيام، كما أنني أستمتع بالحياكة في أوقات فراغي أيضاً».
وسيلة للعطاء
فائدة أخرى مهمة للصحة العقلية للحياكة هي الحياكة للآخرين، سواء كانت هدية للأحباء أو لرد الجميل لمجتمعهم، فهي تمنح شعورًا بالرفاهية وتجعلك تشعر بالرضا عن العطاء. وفقا لموقع (The Icelandic Store) يمكنك أن تكون كريمًا وتمنح وقتك ومهاراتك لصنع شيء لشخص عزيز، أو تعليم شخص ما كيفية الصنع، أو صنع أشياء للأعمال الخيرية. فيما يلي بعض أفكار الهدايا التي يمكنك البدء في الحياكة لإعطائها للآخرين.
الفوائد الإدراكية وصحة الدماغ
لا تقتصر فوائد الحياكة على توفير استراحة ذهنية فحسب، بل تشمل أيضًا فوائد معرفية. تتطلب الحياكة التركيز، واستعادة الذاكرة، ومهارات حل المشكلات، مما يحفز مناطق مختلفة من الدماغ. تشير الأبحاث إلى أن الحياكة يمكن أن تعزز الوظائف الإدراكية، وتُحسّن القدرة على تذكر المعلومات، بل وتؤخر التدهور المعرفي المرتبط بالعمر.
أظهرت الدراسات أن الحياكة تُشغّل نصفي الدماغ، مما يُعزز الترابط العصبي ويُقوّي المسارات المعرفية. تُحفّز الأنماط المعقدة، وعدّ الغرز، واتباع التعليمات، الدماغ على العمل، مما يُحسّن التركيز والانتباه وخفة الحركة. علاوة على ذلك، يُسهم الجمع بين التنسيق بين اليد والعين والمهارات الحركية اللازمة أثناء الحياكة في مرونة الدماغ، مما يُعزز نموه وصيانته بشكل صحي. نقلا عن (Wellness Within).
تحسين الذاكرة
من أبرز الفوائد التي تقدمها الخياطة هو تحسين الذاكرة، فعند ممارسة هذا النشاط، يتم تنشيط مناطق مختلفة في الدماغ، مثل الحُصين والفص الجبهي، واللتين تعدان المسؤولتين عن تخزين واسترجاع الذكريات، مثلما يحتاج الجسم إلى تمارين لزيادة قوته، فإن ممارسة الخياطة تعمل على تقوية هذه المناطق في الدماغ، مما يعزز قدرة الشخص على حفظ واسترجاع المعلومات بسهولة أكبر.
والخياطة تتطلب انتباهًا دقيقًا وتركيزًا مستمرًا على التفاصيل، عملية تكرار الحركات الدقيقة والمتقنة ليست مجرد تدريب عضلي بل هي تدريب ذهني أيضًا، وهذا التكرار المستمر يُحسن القدرة على التركيز ويُحفز الدماغ للتركيز لفترات طويلة، ويساعد هذا النشاط على تطوير اليقظة الذهنية، وهو ما يُحسن من الأداء العقلي بشكل عام.
وبحسب ما نشره موقع (القاهرة 24) من الفوائد النفسية التي توفرها الخياطة، هو تأثيرها المشابه للتأمل، وتتطلب الخياطة مستوى عالٍ من التركيز الذي يُدخل الشخص في حالة من الهدوء الذهني، مما يساعد على التخفيف من التوتر والقلق.
ووفقًا لـ الخبراء، فإن التركيز على المهمة اليدوية يساهم في تهدئة العقل، ويُمكن أن يكون أداة فعّالة للهروب من ضغوط الحياة اليومية والمشاكل الشخصية، وعند إتمام مشروع خياطة، يشعر الشخص بالفخر والرضا، مما يزيد من شعوره بالسعادة.
وإلى جانب تحسين الذاكرة والتركيز، تعمل الخياطة على تحفيز الإبداع، ويتيح هذا النشاط للأفراد فرصة لتطوير مهاراتهم الفنية والإبداعية، مما يعزز القدرة على التفكير الابتكاري وحل المشكلات بطرق جديدة، الخياطة لا تقتصر على مجرد إعادة تكوين الأقمشة، بل يمكن أن تكون وسيلة لتعبير الشخص عن ذاته من خلال تصميمات فنية وأفكار مبتكرة.
يحدث حالة التدفق
بالإضافة إلى تحسين حالتك المزاجية، فإن الطبيعة التأملية والإيقاعية للتطريز معروفة بأنها مهدئة وتتطلب تفكيرًا أقل تركيزًا، مما قد يساعدك على الانتقال إلى "حالة تدفق" تشبه الزن، كما تقول لاتيفسيس.
إذا شعرتِ يومًا باختفاء الوقت أثناء الحياكة، فهذا ما يُسمى بحالة التدفق، وهي عندما تنغمسين بعمق في نشاط ما لدرجة أن كل ضجيج الخلفية يتلاشى، كما توضح دافنبورت. يمكن تحفيز موجات الدماغ المُريحة، مثل ألفا وثيتا، أثناء الحياكة، وهي مرتبطة بالإبداع والاسترخاء، مما يساعدكِ في النهاية على التركيز وتهدئة ناقدكِ الداخلي.
الخلاصة
بعد رحلةٍ تمتد من تاريخٍ غائر في جذور الشرق إلى مختبرات علم النفس الحديثة، يتضح أن الحياكة ليست مجرد حرفة تقليدية ورثناها عن أجداد كانوا يحيكون للدفء والرزق، بل هي ممارسة حيّة تتجاوز حدود الزمن. لقد أثبتت الأبحاث أن هذه الغرز الصغيرة التي تتشكل بين إصبعين ليست عملاً يدويًا بسيطًا، بل نشاطًا يدعم صحة الإنسان العقلية، ويقوي ذاكرته، ويحسن وظائف دماغه، ويمنحه لحظات من السكينة لا توفرها سرعة الحياة المعاصرة.
تظهر التجارب العلمية أن الحياكة تعمل كمساحة هادئة لإعادة ترتيب الأفكار، ومتنفسًا للضغط النفسي، وأداةً فعّالة لتحسين الانتباه وتنشيط الذاكرة والخيال. بل إنها كما قال المشاركون في الدراسات تخلق مجتمعًا صغيرًا من الدعم المتبادل، حيث تتحول الهواية إلى وسيلة للعطاء وبناء الروابط الإنسانية.
وفي زمنٍ يتزايد فيه القلق والتشتت، يبدو أن العودة إلى الحياكة ليست ترفًا، بل خيارًا يعيد إلينا شيئًا فقدناه: القدرة على التباطؤ، الإصغاء لذاتنا، وصناعة شيء جميل بأيدينا. إنها حرفة تجمع بين الماضي والحاضر، بين مهارة الجدات وبحوث الجامعات، وتُذكّرنا بأن أبسط الأدوات قد تكون أكثرها تأثيرًا في صحة الإنسان وراحته.
وهكذا، تظل الحياكة بكل خيوطها وألوانها فنًا لا يشيخ، وعلاجًا لا يقدر بثمن، وجسرًا يصل ما كان بما سيكون.