نعيش في بحرٍ من المشاكل.. فما الحل المؤثر؟
آية الله السيد مرتضى الشيرازي
2026-04-23 02:23
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.
قال الله العظيم في كتابه الكريم: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَريبٌ مِنَ الْمُحْسِنينَ)[1].
المقدمة: يتناول البحث معضلة كيفية مواجهة الإنسان للمشاكل التي تعصف به من كل حدبٍ وصوب، وكيفية التعامل معها.
ويصنّف البحث المشاكل إلى نوعين:
الأول: ما لا مفرّ منه، وهو ما يُعدّ من اللوازم القهرية للحياة البشرية، أو من دائرة القضاء المحتوم.
والثاني: ما يمكن معالجته بوجهٍ من الوجوه.
ويشير البحث إلى أنّ النوع الأول، يجب أن يُواجه باستراتيجية قاعدة الـ 99 والتأقلم والرضا بالقضاء، ما دام أمراً قهرياً من دائرة المحتوم.
وأمّا النوع الثاني فيرى البحث أنّ هنالك حلولاً كثيرة له، إضافةً إلى التخطيط والسعي، وأنّ من الحلول ما يتبع منهجية (تبعيد الطريق لأجل تقريب الهدف، كلما كان تقريب الطريق مانعاً عن الوصول إلى الهدف).
مشيراً إلى إحدى أهم آليات ذلك، وهو التصدّي لحل مشاكل الآخرين وقضاء حوائجهم، فإنّ ذلك وإن بدا بعيداً عن حل مشاكله هو، إلا أنّه في الواقع يفتح عليه أبواباً واسعة لتناله رحمة الله من حيث لا يحتسب، فتنحلّ مشاكله هو حسب نص الحديث: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ).
وقد تطرق البحث إلى بعض من أروع الروايات، ومنها قصة نبي الله داود (عليه السلام)، الذي أخبره ملك الموت بأنه سيقبض روح ذلك الشاب بعد سبعة أيام، فرحمه داود، وحيث كان فقيراً غير متزوج، أعطاه مالاً وزوّجه امرأة شريفة كي يسعد في أيامه السبعة الأخيرة، لكنّ رحمته لذلك الشاب جاءت بنتيجة غير متوقعة، وهي أنّ رحمته له استجلبت رحمةً أخرى عظيمة من رحمات الله تعالى...
وجوه خمسة لتذكير (قَريبٌ) في (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَريبٌ)
ولنتوقف، قبل الدخول في البحث، عند بصيرة قرآنية، وهي: ما هو الوجه في تذكير (قَريبٌ)، مع أنّه خبر رحمة وهي مؤنث، فالمفترض أن يقال (قريبة)؟
وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
منها: ما ذكره بعض الأدباء من أنّ المؤنث المجازي يؤنّث ويذكّر كنفس مثلاً، وبه فسّر تذكير (نفس) في دعاء الصباح (إِلَهِي قَلْبِي مَحْجُوبٌ، وَنَفْسِي مَعْيُوبٌ، وَعَقْلِي مَغْلُوبٌ، وَهَوَائِي غَالِبٌ، وَطَاعَتِي قَلِيلٌ، وَمَعْصِيَتِي كَثِيرٌ، وَلِسَانِي مُقِرٌّ وَمُعْتَرِفٌ بِالذُّنُوبِ)[2].
ومنها: إنه من باب الإشراب، إذ أُشرِب معنى الإحسان ونحوه في (رحمة)، أي: (إحسان الله قريب من المحسنين)، نظير إشراب معنى (يعرضون) في (يُخالِفُونَ) في الآية (فَلْيَحْذَرِ الَّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)، فمع أنّ (يُخالِفُونَ) يتعدى بنفسه فيقال: (يخالفون أمره) جيء بـ (عن) لإشرابها معنى (يعرضون): أي (يعرضون عن أمره).
ومنها: أنّ هنالك مضافاً محذوفاً، وهو مكان، أي: (أنّ مكان رحمة الله قريب)، ومكانها المساجد والمشاهد المشرفة، وعند العلماء، وتحت أقدام الأمهات، ونحو ذلك، فكما أنّه تعالى قرَّر مناجم للألماس والذهب ونحوها، ومعادن للفحم وغيره، قرّر مناجم من نوعٍ آخر لرحمته وللمعنويات، فهي، على هذا، قد تشير، بدلالة الإشارة، إلى طلب الرحمة من مواطنها.
ومنها: أنّ هنالك موصوفاً محذوفاً، وهي شيء أو أمرٌ، أي: (أنّ رحمة الله شيء قريب من المحسنين، أو أمر قريب).
ومنها: تأويل الرحمة بالترحّم ونحوه.
ولعلّ من أسباب العدول عن (قريبة) المتداولة والمعهودة إلى (قَريبٌ) غير المتداول، وكذا نظائره، هو تحريك فكر الإنسان وتنشيط ملكة الاجتهاد، وربط الناس بالقرآن الكريم أكثر فأكثر، إذ تضمّن الألوف، وأكثر، من مختلف اللطائف والدقائق التي تحتاج إلى تفكُّر وتدبُّر..
نعيش جميعاً في بحر من المشاكل التي لا تنتهي
إذا تمهَّد ذلك، نقول: إنّ كلَّ واحدٍ منّا، يعيش في بحرٍ من المشاكل: فالأمراض، مثلاً، تهاجمنا طوال أعمارنا، من حيث نحتسب ومن حيث لا نحتسب، في أنفسنا وأهلينا وأحبابنا... والفقر، مثلاً، يعتصر الكثيرين، والحسّاد والمنافسون الشرّسون لا يكاد يسلم منهم مؤمن.. والغلاء يزداد يوماً بعد يوم في كل مكان... والكثير يعاني من مشكلة البطالة.. كما لا يخلو تاجر من مصاعب ومطبّات وخسائر أو حتى انكسارات يذوق طعم مرارتها، كثيراً ما، أكثر من مرّة.. وهناك الكثير ممَّن يريد / تريد الزواج، ولا يتيسَّر له / لها ذلك، وقد حدّثني أحدهم أنّه أقدم على الزواج أكثر من ثلاثين مرّة، ففشل فيها جميعاً، إمّا لأن أباها رفض، أو لأن أمّها اعترضت، أو لأنّ أخاها، أو حتى ابن عمّها، عارض.. وهكذا.. وكم من الشباب والشابّات تأخّر بهم سنّ الزواج أو حتى فاتهم القطار، رغم شدّة حاجتهم وتطلّبهم.
إضافةً إلى ذلك فإنّ الجريمة المتزايدة في كلّ المجتمعات تزيد منسوب المشاكل المحيطة بكل إنسانٍ، وقد رفعت امرأة في مدينةٍ مجاورةٍ إلى المحكمة شكايةً على زوجها لا لكونه سكيراً مدمناً على الخمر، رغم فداحة هذه المعصية الكبيرة، بل لأنّه، وقد استحوذ عليه الشيطان، يتعمّد أن يسكب قطرات من الخمرة كل يوم في فم طفلته الرضيعة! فإذا اعترضت الأمُّ ضربها وسقى الطفلة قسراً! وقد حكمت المحكمة لصالحها إذ ثبت لديها ذلك!!.
وأحدهم كان يعمل في وظيفةٍ بسيطةٍ، لكنّ أحد أصدقاء السوء جرّه، بوهم الثراء السريع، إلى محلٍّ شهيرٍ للقمار، فربح ما يعادل أربعمائة ألف دولار في اليوم الأول، فدفعه الطمع والشيطان لكي يعاود، إلّا أنّه خسر ثمّ خسر وفقد كلّ ما ربح، ثمّ وضع بيته ثمّ سيارته ثمّ كلّ ما يملك، فخسرها جميعاً.. فاستحوذ عليه اليأس والشيطان وسوَّلت له نفسه أنّه كيف يواجه زوجته وأولاده ولعله فكّر أنه كيف يعيشون من بعده.. فرجع إلى الدار في آخر المساء وقد أعدّ مسدساً.. ثمّ أطلق النار على زوجته الحاملِ فقتلها، ثمّ قتل ولديه، ثمّ وجّه المسدس إلى رأسه وأطلق النار وانتحر... إلى جهنّم وبئس المصير.. في حادثةٍ هزّت ذلك البلد الغربي هزّاً.
والشاهد: إنّ المشكلات التي تعصف بالناس لا تنشأ فقط من مناشئ طبيعية، كالمرض ونحوه، بل كثيراً ما تنشأ ممّا يسبّبه الشيطان من النّصب للإنسان، إذ يوسوس لأوليائه باجتراح أنواع المآثم وارتكاب ألوان الجرائم.
فما هو الحل؟
والسؤال هو: ما هو الحلّ؟ وكيف نتخلّص من تلك المشاكل ونتغلّب عليها ونتحرّر منها أصلاً، لنعيش حياةً سعيدةً دون منغّصات؟
الجواب: المشاكل نوعان ولكلِّ نوعٍ نوعٌ من الحلول
والجواب هو أنّ المشاكل على نوعين، وكلٌّ من النّوعين يُواجَه بطريقة غير ما يواجه به الآخر.
أ- المشاكل الحتمية المبرمة اللازمة للحياة البشرية
فأحدهما: المشاكل القهريّة اللّازمة لطبيعة الحياة البشريّة.
والآخر: المشاكل المنفكّة، غير اللّازمة، المتراوحة، التي قد تجيء بأسبابها وتذهب بتوفير الأسباب المضادّة، ولكلٍّ من النّوعين بلسم وعلاج:
النوع الأول: المشاكل اللّازمة التي تقتضيها طبيعة الحياة الدّنيا، وذلك مثل أصل وجود مشاكل للإنسان في الحياة، وأصل ابتلائه عادةً بأمراض مختلفة طوال حياته، وأصل وجود أناس يزعجونه أو يؤذونه، وقد يكونون حسّاداً أو منافسين أو أعداء، وإلى ذلك أشار تعالى بقوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في كَبَدٍ)[3].
وقال الشاعر:
طُبِعَت عَلى كدرٍ وَأَنتَ تُريدُها --- صَفواً مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ
وَمُكَلِّف الأَيامِ ضِدَّ طِباعِها --- مُتَطَّلِبٌ في الماءِ جَذوة نارِ
فالدنيا عكس الجنّة التي كان فيها آدم: (إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى)[4]، وعكس الجنّة في الدار الآخرة: (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ)[5]، (لا يَسْمَعُونَ فيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً)[6]، و(لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)[7]، (وَفيها ما تَشْتَهيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ)[8].
والحل في إتباع قاعدة الـ99، والتأقلم والرضا
وحيث إنّ أصل هذه المشاكل لازمٌ قهريٌّ للحياة الإنسانيّة، فلا ينبغي أن يفكر عاقلٌ في كيفيّة التخلّص مما علم أنّه من محتوم البلاء وقطعيّ القضاء ولازم القدر، بل عليه أن يتّبع الحلّ الأمثل، وهو إعادة برمجة العقل وهندسة النّفس على التعايش معها، لا بصبرٍ بل برضا بالقضاء.
وبوجهٍ آخر: أن يبرمج نفسه على تذوّق طعم السعادة فيما يجده، دون الإحساس بالشقاء والتعاسة لما يفتقده، أي أن يهندس ذاته لكي تنظر إلى النّصف المليء من الكوب، لا إلى النّصف الفارغ منه.
ألا ترى أنّ من يعيش في الصحراء مثلاً يجب عليه أن يتطبّع على أجوائها القاسية، وأن يتأقلم مع ظروفها الصعبة؟ هبوب عواصف رمليّة مثلاً تغطّي كلّ بدنه وآلاته وما يتعلّق به بترابٍ كثيف، ولا ترى عاقلاً يتوقّع أن تكون الحياة في الصحراء كالحياة في المدينة تماماً، وكذلك الحياة في الغابة ونحوها، نعم من الممكن توفير وسائل راحة في كلّ مكان، إلّا أنّ العيش في الصحراء يبقى هو العيش في الصحراء، مختلفاً تماماً عن الحياة في الجبال أو في الغابة، وكلٌّ منها مختلفٌ عن الحياة في المدن.
وفي مثال آخر: ألا ترى أنّ من يعيش في بلادٍ مستبدّة أو في بلادٍ تعصف بها الحروب، يصيبه، شاء أم أبى، رذاذ، أو أكثر، من ويلاتها ومصائبها؟.
فالحلّ يكمن في إدراك هذه الحقيقة والتأقلم معها والرضا بالقضاء فيما مُنِيَ به المرء من محتوم البلاء، وإلّا كان في حزنٍ دائمٍ من دون جدوى.
ألا ترى أنّ الإنسان الذي رُزق بأولاد لا بدّ أن يُبتلى بمرض هذا حيناً ومرض ذاك حيناً، وبمشاكل قد تعرض لهذا تارةً، كنزاعه مع أصدقائه، وذاك تارةً كتأخّر سنّ زواجه أو بطالته، لا لأمرٍ راجعٍ إليه بل لأوضاع البلد عامّة.
والحاصل: إنّ أصل هذه المشاكل، على سبيل البدل، لا مفرّ منه، إنّما الكلام يقع في زيادتها ونقصانها، الذي يكون بيد الإنسان، وهو النوع الثاني الآتي.
قصة الملك والوزير والخادم السعيد وقاعدة الـ99
ومن أكثر القصص تعبيراً عن أثر كلٍّ من طريقتي التّعاطي مع المشاكل: من التأقلم وعدمه، والرضا وعدمه، القصة التالية: وهي أنّ أحد الملوك كان يستشعر التعاسة دوماً، ولكنّه كان يثير عجبه أن يرى خادمه يستشعر البهجة دوماً!.
فكّر مع نفسه: كيف يمكن ذلك؟ أنا أملك كلّ شيء: الأموال والثروات والحُرّاس والجيوش والقصور وغيرها، ومع ذلك لا أستشعر طعم السعادة، وهذا الخادم يفقد كلّ شيء تقريباً ومع ذلك أجده سعيداً دوماً، كيف يُعقل ذلك؟
وكان له وزير حكيم فسأله عن سر سعادة الخادم؟ فأجاب الوزير: إنّ السرّ يكمن في قاعدة الـ99.
فتساءل الملك متعجباً: وما هي هذه القاعدة؟
قال: سنجربها على الخادم لترى مفعولها السريع.
ثم أخذ صرة ملكية ووضع فيها 99 ديناراً ذهبياً، وأغلقها، وكتب عليها: مائة دينار ذهبية هدية من الملك لفلان، اسم الخادم.
ثم وضعها عند باب بيت الخادم قبيل موعد خروج الخادم بدقيقة مثلاً، وانتظر، يراقب من بعيد، حتى إذا خرج الخادم فوجدها ووجد اسمه عليها مكتوباً، أخذها ودخل إلى المنزل، ولما فتحها امتلأ هو وأهله بهجة وسروراً، ثم بدأوا بعدّها وإذا بهم يجدونها تنقص ديناراً ذهبياً، فقلقوا وحزنوا لذلك: هل يا ترى اشتبه الملك فوضع 99 بدل الـ 100؟ أو أنّ خازن بيت المال هو الذي سرقها؟ أو ماذا؟
ثم جاء الخادم إلى القصر فرآه الملك حزيناً.
فقال الوزير للملك: أرأيت تأثير قاعدة الـ 99؟
قال: نعم، ولكن كيف؟
قال: إنّ الإنسان لا يفكر عادةً بما لديه من النِعم إذ يعتبرها مسلّمة، بل يفكر بما يفتقده، لذلك يحزن، ولو فكّر بما يملكه لشكر الله وسعد، لكنه دوماً يفكر بما يفتقده فيحزن.
وأنت أيها الملك تملك كل شيء، لكنك تعتبره أمراً مسلّماً، فتحزن لما لا تمتلكه من أراضي البلاد الأخرى، أو من الثروات الأكثر التي تطمع فيها، أو من جيش أكبر تطمح إليه، وهكذا.
وهذا الخادم كان سعيد الحال لأنه كان قنوعاً بما يملك، ولكن عندما كتبنا له مائة دينار اعتبرها مسلّمة، فعندما رأى نقص واحدة ملأت عليه ذهنه فحزن، وغفل عن الـ 99، إذ كان يرى أنّ الأكثر من نصيبه لكنه وجد الأقل فقط.
أقول: ولعمري إنّ الناس كلهم لكذلك: إما من قبيل هذا الملك البائس أو ذلك الخادم السعيد أولاً، البائس أخيراً، وقلّ من كان بين وبين.
ولذا يستحب أن يعدّد المرءُ نِعَم الله عليه
ومن هنا ورد في الروايات استحباب أن يعدّد الإنسان نِعم الله تعالى عليه وأن يشكرها، بدل أن يتذكر النواقص ويعدّدها دوماً فيتذمر ويسخط، وذلك لأنّ من يتذكر النعمة ويشكر الله تعالى سيحصل، إضافة إلى الثواب ورضوان الله تعالى، على الطمأنينة ورضا النفس، ويستشعر السعادة كلها فكّر فيما لديه مما يفتقده غيره.
ثلاثة روايات من أروع الروايات
وقد ورد في الرواية عن هشام بن أحمر قال: (كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام) فِي بَعْضِ أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ إِذْ ثَنَى رِجْلَهُ عَنْ دَابَّتِهِ فَخَرَّ سَاجِداً فَأَطَالَ وَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَرَكِبَ دَابَّتَهُ، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَدْ أَطَلْتَ السُّجُودَ.
فَقَالَ: إِنَّنِي ذَكَرْتُ نِعْمَةً أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيَّ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَشْكُرَ رَبِّي)[9].
كما ورد في الروايات أيضاً استحباب أن يعدد الإنسان ذنوبه فيستغفر الله تعالى منها، كي يتطهر ويتحصّن.
والروايات تستبطن إشاراتٍ قوية إلى تلك القاعدة السيكولوجية المهمة، حيث ورد عنه (صلى الله عليه وآله): (وَمَنِ انْقَطَعَ رَجَاؤُهُ مِمَّا فَاتَ اسْتَرَاحَ بَدَنُهُ، وَمَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَهُ اللَّهُ قَرَّتْ عَيْنُهُ)[10].
ألا ترى أنّ بعض التجّار عندما يفقد ثروته في السوق فجأةً، يصاب بانهيارٍ عصبيٍّ أو بجلطةٍ في المخّ أو القلب، أو بالكآبة؟ مع أنّه لو انقطع رجاؤه من ثروته الماضية، وفتح عينه على آفاق المستقبل وركّز كي ينهض من جديد لاستراحت نفسه.
إذ إنّه إنّما يتألم ويحزن لأنه لم يقطع رجاءه مما مضى، أمّا إذا علم أنّ التحسّر والتألم لا يجديان نفعاً أبداً، بل يزيدان وضعه سوءاً حتماً؛ إذ الحسرة لا تُرجع أمواله التالفة إليه، ولكنّها تضرّ بصحته ومعنوياته وتركيزه، وبإتباع استراتيجية قطع الرجاء عن الماضي يستطيع أن يعمل بجدٍّ ونشاطٍ وتفاؤلٍ لما يمكن أن يصل إليه في المستقبل.
لكنّ المرتبة الأعلى هي ما أشار إليه الشطر الثاني من الحديث: (وَمَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَهُ اللَّهُ قَرَّتْ عَيْنُهُ)، والمقصود القسمة الحتمية لا التي تدخل في دائرة البداء، بل حتى هذه عليه أن يرضى ويسعى لا لكونه غير قانع وراض بل إذا كان يستهدف من تحصيل ثروة، مثلاً، فوق ما يحتاجه لحياته العادية، خدمة الدِّين وأهله والناس والفقراء، وحينئذٍ عليه أن يسعى بجدٍّ، ولكن مع أن يقنع أيضاً في حياته الشخصية بما يكفيه من رزق الله تعالى ليجري الخير في الفائض على يديه لغيره.
ورد في الحديث أنّ الله تعالى قال: (يَا ابْنَ آدَمَ يَأْتِي رِزْقُكَ وَأَنْتَ تَحْزَنُ، وَيَنْقُصُ مِنْ عُمُرِكَ وَأَنْتَ لَا تَحْزَنُ، تَطْلُبُ مَا يُطْغِيكَ، وَعِنْدَكَ مَا يَكْفِيك)[11].
فلنشكر الله تعالى على أن رزقنا ما رزقنا، ولسنا ممن يموت جوعاً مثلاً، فلماذا نحزن ونحن أفضل حالاً من الملايين من الناس بكثير؟
وتشير الجملة الثانية من الحديث إلى أنّ الإنسان يفرح كل يوم بما يحصل عليه من ثروة أو جاه أو سلطة، مع أنّه حريٌّ بأنّ يحزن؛ إذ أنّه نقص من عمره يومٌ واقترب إلى القبر أكثر، فإنّه وإن كان من الصحيح أنّه قد حصل على شيء ما، لكنّه فقد أهمّ شيء؛ لكونه قد فقد أوراقاً من صفحات عمره، وبقي عليه أن يواجه ليله الأليل مع عزرائيل لا سمح الله، إلا إذا كان عمله لآخرته، فإنّه سيواجه صبحاً مشرقاً معه ببركة سادات الورى صلوات الله عليهم.
ب- المشاكل غير القهرية، غير المبرمة
النوع الثاني: المشاكل المنفكّة عن الحياة، أي تلك التي تزيد أو تنقص بحسب سعي الإنسان أو غيره، وبمقدار ما مهَّده من المقدمات، وذلك كمن له جار يؤذيه، وقد يمكنه التخلّص بالتواضع له، أو بحلو الكلام، أو بتوسيط وسائط، أو غاية الأمر بالانتقال إلى دار أخرى، فإن لم يمكنه التخلص بما مضى ونظائره، دخل في دائرة النوع الأول. وكذلك درجات الأمراض وأنواع ومدى تكررها، فإنّه كثيرا ما يكون ذلك، التكرّر والدرجات والأنواع، بيد الإنسان، بحسب مراعاته للقواعد الصحيحة في الأكل، والرياضة، وغير ذلك.
وكذلك من يفشل في تجارة فإنّه بالسعي قد ينجح في أخرى، أو من يفشل في إقدامه على خِطبة فتاة مراراً لكنّه قد ينجح بالإصرار والتكرار... وهكذا.
والسؤال هو: ما هو مفتاح مكافحة هذا النوع من المشاكل التي لا تُعدّ لازمةً قهريةً للحياة البشرية؟
بالتراحم وقضاء حاجات الآخرين، تُقضى حاجتك
والجواب: إضافةً إلى السعي والمثابرة والكفاح المستمر، هناك حلول مفتاحية نشير إلى أحدها اليوم، وإلى سائرها في الأسابيع القادمة إذا شاء الله تعالى.
أولاً: التراحم والتوادّ والبرّ والإحسان إلى الآخرين، ذلك أنّه ورد: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)[12]، وهذه قاعدة يمكن أن نسميها (استراتيجية تبعيد الطريق لأجل تقريبه)، وذلك عندما لا يُجدي الطريق الأقرب للوصول إلى الهدف، فعليك أن تسلك الطريق الأبعد.
وحسب هذه الرواية وغيرها: فإنّك إذا سعيت لقضاء حوائج الناس ورحمتهم، فكثيراً ما يفتح الله تعالى لك باباً لا تتوقعه تأتيك منه الرحمة وتقضي حاجتك.
فمثلاً: من تريد الزواج ولا يسمح والدها أو أخوها، عضلاً وظلماً، ولا يمكنها فعل شيء، فلتسعَ لتزويج الأخريات، فإنّ ذلك يفتح باب رحمة الله عليها لكي يليّن قلب والدها لتزويجها ممن خطبها فرفضه أو لكي يأتيها خاطب تقبله أسرتها فوراً.
ومن يبحث عن فرصة عمل فلا يجدها، فليسعَ لغيره، إذ كثيراً ما يتيسر له أن يتوسط لغيره، لأن له وضعاً آخر، فإذا فعل ذلك، يسّر الله تعالى له، ولو عبر مؤمن آخر، العثور على فرصة عمل لنفسه أيضاً... وهكذا.
ولقد جرّبت شخصياً ذلك مراراً وتكراراً، حيث إنّي كثيراً ما كنت، ولا أزال كذلك، ولله الحمد، على أية حال، تتراكم عليَّ القروض الثقيلة لمؤسسات دينية وعلمية اضطلعت بتأسيسها، أو لحوائج للناس اقترضت لتمشيتها، وكثيراً ما كانت تغلق عليَّ أبواب سداد تلك الديون، فكنت أعمل بتلك القاعدة، فأسعى لأجل سداد دين مؤسسة أخرى أسسها آخرون، من غير عَوْدِ فائدة شخصية منها لي أصلاً، أو لتفريج كربة مؤمنين ولو باقتراض مبلغ يزيدني ديناً على ديوني.
فكان الله تعالى يفتح عليَّ باباً لتسديد ديوني عبر بعض عباده من أهل الخير من حيث لا أحتسب، وإنما ذكرت ذلك؛ قد يكون محرِّضاً للآخرين على أن يُقدّموا خدماتهم لسائر المؤمنين ويرحموهم ويسعوا في قضاء حوائجهم، فإنّ ذلك وإن بدأ تبعيداً للمسافة، لكنه تقريب لها في واقع الأمر.
بعبارة أخرى: كثيراً ما لا يجدي سعي الإنسان لنفسه، فلا ينفعه طَرْق الأبواب مهما فعل، لكنّه إذا سعى لغيره أَذِن الله تعالى له بالفرج بلطفه وكرمه، بل قد ورد: (مَنْ لَمْ يَرْحَمِ النَّاسَ مَنَعَهُ اللَّهُ رَحْمَتَهُ)[13].
قصة تزويج النبي داود للشاب الفقير الذي حضر أجله، فتغيرت المعادلة
ومن أروع القصص في هذا الحقل قضية تزويج النبي داود (عليه السلام) لذلك الشاب الذي حضر أَجَلُه، وهي قصة مليئة بالدروس والعبر والتوجيهات، وهي ما رواه الإمام الباقر (عليه السلام)، ففي قصص الأنبياء عليهم السلام، بالإسناد إلى الصدوق عن الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (بَيْنَا دَاوُدُ عَلَى نَبِيِّنَا وَآلِهِ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ جَالِسٌ، وَعِنْدَهُ شَابٌّ رَثُّ الْهَيْئَةِ، يُكْثِرُ الْجُلُوسَ عِنْدَهُ، وَيُطِيلُ الصَّمْتَ، إِذْ أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَأَحَدَّ مَلَكُ الْمَوْتِ النَّظَرَ إِلَى الشَّابِّ، فَقَالَ دَاوُدُ عَلَى نَبِيِّنَا وَآلِهِ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ: نَظَرْتَ إِلَى هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنِّي أُمِرْتُ بِقَبْضِ رُوحِهِ إِلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَرَحَّمَهُ دَاوُدُ، فَقَالَ: يَا شَابُّ هَلْ لَكَ امْرَأَةٌ؟
قَالَ: لَا، وَمَا تَزَوَّجْتُ قَطُّ.
قَالَ دَاوُدُ: فَأْتِ فُلَاناً رَجُلًا كَانَ عَظِيمَ الْقَدْرِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ دَاوُدَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ، وَتُدْخِلَهَا اللَّيْلَةَ، وَخُذْ مِنَ النَّفَقَةِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَكُنْ عِنْدَهَا، فَإِذَا مَضَتْ سَبْعَةُ أَيَّامٍ فَوَافِنِي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَمَضَى الشَّابُّ بِرِسَالَةِ دَاوُدَ عَلَى نَبِيِّنَا وَآلِهِ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ، فَزَوَّجَهُ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، وَأَدْخَلُوهَا عَلَيْهِ، وَأَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ.
ثُمَّ وَافَى دَاوُدَ يَوْمَ الثَّامِنِ، فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: يَا شَابُّ كَيْفَ رَأَيْتَ مَا كُنْتَ فِيهِ؟ قَالَ: مَا كُنْتُ فِي نِعْمَةٍ وَلَا سُرُورٍ قَطُّ أَعْظَمَ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ!!.
قَالَ دَاوُدُ: اجْلِسْ فَجَلَسَ، وَدَاوُدُ يَنْتَظِرُ أَنْ يُقْبَضَ رُوحُهُ، فَلَمَّا طَالَ قَالَ: انْصَرِفْ إِلَى مَنْزِلِكَ، فَكُنْ مَعَ أَهْلِكَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّامِنِ فَوَافِنِي هَاهُنَا.
فَمَضَى الشَّابُّ، ثُمَّ وَافَاهُ يَوْمَ الثَّامِنِ، وَجَلَسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ أُسْبُوعاً آخَرَ، ثُمَّ أَتَاهُ وَجَلَسَ، فَجَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ دَاوُدَ، فَقَالَ دَاوُدُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أَلَسْتَ حَدَّثْتَنِي بِأَنَّكَ أُمِرْتَ بِقَبْضِ رُوحِ هَذَا الشَّابِّ إِلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: بَلَى.
فَقَالَ: قَدْ مَضَتْ ثَمَانِيَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَثَمَانِيَةٌ، قَالَ: يَا دَاوُدُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَحِمَهُ بِرَحْمَتِكَ لَهُ، فَأَخَّرَ فِي أَجَلِهِ ثَلَاثِينَ سَنَةً)[14].
دروس وعِبَر مهمة في القصة
فلاحظ العِبَر التالية:
1- إنّ داود كان نبيّاً، وكان عظيماً في أمته، وكان قائداً وملكاً، ومع ذلك لم يكن يتكبر على آحاد الناس، ولا كان يحجبه عنهم حاجب، حتى إنّه كان بمقدور ذلك الشاب الفقير رثِّ الهيئة أن يزوره متى شاء، وأن يطيل الجلوس عنده.
2- إنَّ الشاب كان يتميز بإطالة الصمت، وهو مستحب، وقد ورد: (إِذَا رَأَيْتُمُ الْمُؤْمِنَ صَمُوتاً فَادْنُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي[15] الْحِكْمَةَ، وَالْمُؤْمِنُ قَلِيلُ الْكَلَامِ كَثِيرُ الْعَمَلِ، وَالْمُنَافِقُ كَثِيرُ الْكَلَامِ قَلِيلُ الْعَمَلِ)[16]، ذلك أن الـمِهذار والثرثار يكثر لغطه وسقطاته، وقد تكثر منه الغيبة والتهمة والنميمة وشبهها، أما الصمت فهو حائل دون ذلك كله.
3- إنَّ داوُد (عليه السلام) كان يتميز بأنّه يهتم بآحاد رعيته ويرحمهم، حتى رقَّ قلبه لذلك الشاب وكأنّه ابنه وولده.
4- وإنَّه لم يكتفِ بأن يعطف عليه بقلبه، بل شفع الرحمة القلبية بالسلوك العملي، فبادر إلى تزويجه.
5- إنَّ داود، فيما يبدو من هذه القضية ونظائرها مما ورد إلينا عن النبي (صلى الله عليه وآله) وغيرها، كان يريد تحطيم السنن الاجتماعية الدارجة المبنية على الاعتبارات الاجتماعية في الزواج؛ إذ إنَّ مقياس الزواج هو أن يكون الزوج كفؤاً لها، وقد ورد: (وَالْمُؤْمِنُ كُفْوٌ لِلْمُؤْمِنَةِ)[17]، وورد (إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ)[18]، فهذان هما المقياس، لا الدرجة الوظيفية؛ وأنّه طبيب فلتكن هي طبيبة أو العكس، فلا يتزوج الطبيب من مُزارِعٍة أو أميّة، ولا تتزوج من معلم ابتدائية مثلاً، ولا يتزوج غنيٌّ من عائلة فقيرة، ولا تزوج العائلة الغنية ابنتها لفقير، وإن كان ذا دين وخلق فاضل.
6- إنَّ ذلك الرجل العظيم القدر في بني إسرائيل لم يعصِ أمر داود (عليه السلام)، كما نعصي نحن أوامر رسولنا وأئمتنا (عليهم السلام) الإرشادية، بل والمولوية أيضاً، بل أنّه أطاع من دون تلكؤ.
7- إنَّ الله تعالى حيث رأى رحمة داود لذلك الشاب، رحمه برحمة داود له، فأنسأ في أجله ثلاثين سنة.
وهكذا يكون مجتمع التراحم، فـ:
1- إذا رحمت غيرك بتمشية أموره وحاجاته، رحمك الله تعالى بتمشية أمورك وحاجاتك، إذ (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ).
2- إذا رحمت غيرك، ممن يعنيك أمره ولو لكونه أخاً مؤمناً، زاده الله رحمة على رحمة.
3- فتعود إليك الرحمةُ، على القاعدة، مضاعفة، إذ (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها...)[19].
ثم إنَّ الإنسان كثيراً ما يجد آثار رحمته للآخرين ظاهرةً في أن يقضي الله تعالى حاجاته، مما يُعبَّر عنه باللطف الجلي، وكثيراً ما يفيض الله تعالى عليه من رحماته باللطف الخفي الذي قد لا يلتفت إليه، وأنَّه أعطاه الله كذا: ولداً صالحاً مثلاً، أو سمعةً حسنة، أو غير ذلك؛ لأنه رحم فلاناً وقضى بعض حاجاته.
ثم أنّه مع قطع النظر عن ذينك الأمرين، فإنّ رحمة الله مدخرة له أيضاً، بما لا يتصوّر في الآخرة.
والآثار الأخروية أيضاً، ومنها: ان الله يخلق من السرور الذي أدخلته في قلب المؤمن، مِثالاً ينجدك يوم القيامة
ومن أروع الروايات في هذا الحقل ما تشير إلى إحدى مظاهر ذلك، فقد ورد عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن سدير الصيرفي، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل: (إِذَا بَعَثَ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ قَبْرِهِ خَرَجَ مَعَهُ مِثَالٌ يَقْدُمُ[20] أَمَامَهُ، كُلَّمَا رَأَى الْمُؤْمِنُ هَوْلًا مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ لَهُ الْمِثَالُ: لَا تَفْزَعْ وَلَا تَحْزَنْ، وَأَبْشِرْ بِالسُّرُورِ وَ الْكَرَامَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
حَتَّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيُحَاسِبُهُ حِساباً يَسِيراً، وَيَأْمُرُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَالْمِثَالُ أَمَامَهُ.
فَيَقُولُ لَهُ الْمُؤْمِنُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، نِعْمَ الْخَارِجُ خَرَجْتَ مَعِي مِنْ قَبْرِي، وَمَا زِلْتَ تُبَشِّرُنِي بِالسُّرُورِ وَالْكَرَامَةِ مِنَ اللَّهِ حَتَّى رَأَيْتُ ذَلِكَ.
فَيَقُولُ[21]: مَنْ أَنْتَ؟
فَيَقُولُ: أَنَا السُّرُورُ الَّذِي كُنْتَ أَدْخَلْتَ عَلَى أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا، خَلَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ لِأُبَشِّرَكَ)[22].
وذلك هو ما يُعبَّر عنه بتجسُّم الأعمال، بل هو من تجسُّم الحالات والطاقة؛ إذ السرور حالة نفسية وطاقة تتحوّل إلى مثالٍ ملكوتي يأخذ بيد الإنسان في أهوال يوم القيامة الذي ورد عنه (في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسينَ أَلْفَ سَنَةٍ)[23].
الملخص: في مواجهة القضاء المبرم الحتمي، لا مناص للعاقل من أن يترك التحسّر والتذمّر وندب الحظ، إذ لا يزيده ذلك إلا شقاءً على شقاء، بل عليه أن يتّبع استراتيجية قاعدة الـ 99% التي جسّدها ذلك الوزير الحكيم للملك، عبر تطبيقها على خادمه السعيد، فتحوّل إلى بائس عندما غفل عن هذه القاعدة، فلا حلّ إلا بالتأقلم والتطبع.
ولكن في مواجهة المشاكل الطبيعية التي يمكن علاجها بالسعي والجدّ والجهد، فإنه يمكن، للإنسان، إضافةً إلى بذل الجهود المعهودة، أن يصل إلى حلّ مشاكله بطريقة موازية تماماً، وقد تكون أكثر فاعلية من طرقه المعهودة، وهي أن يسعى لحلّ مشاكل الآخرين، وذلك لأنّه يؤثّر ميتافيزيقياً وغيبياً على حلّ مشاكله هو أيضاً من حيث لا يحتسب، ويؤثّر كذلك على حلّها عبر الظواهر الطبيعية أيضاً، إذ يكسبه ذلك محبّة الناس وثقتهم، فيفتحون له أبواباً لم يكن ليتيسّر له أن يفتحها هو لنفسه.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين