ثلاثة طرق سريعة.. تجلب البركة والأموال والحظ العظيم
آية الله السيد مرتضى الشيرازي
2026-02-12 08:52
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.
قال الله العظيم في كتابه الكريم: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ)[1]، (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ)[2]، (إِنَّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرينَ)[3]، (وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصيدِ)[4].
وقال جل اسمه: (وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظيمٍ)[5].
المقدمة: يتناول البحث قضية الحظ والبركة من وجهة نظر قرآنية وروائية وعلمية، ويفسّرها بأربعة معاني، مستعرضاً ثلاثة عوامل من أهم عوامل البركة في الأموال والأولاد والعلاقات والمؤسسات وغيرها:
أولاً: التواصل الفعّال مع الآخرين، الذين كلما ازدادوا كمّاً وكان أعلى مستوى كيفاً، أمكن للمرء أن يحلّق كنسرٍ مع سائر النسور، مستشهداً بقصص معاصرة طريفة.
ثانياً: الإمام الحسين (عليه السلام) مفتاح الرزق والسكينة النفسية والأمن الداخلي والاستقرار الأسري، كما أنه (عليه السلام) من أهم أسباب الحصول على الرزق الحلال الواسع الطيب، وقد استشهد البحث ببعض القصص الواقعية المعاصرة.
ثالثاً: الزواج والتزويج، حيث استعرض البحث إحدى أهم المشاكل المعاصرة وهي تأخير سن الزواج، منوّهاً إلى أن التبكير فيه يعدّ من أهم عوامل البركة والحظ السعيد: في الحياة الشخصية والاجتماعية، وفي كسب الثروة وغيرها.
ليختم بقصة كُرسف العابد الذي عبد الله تعالى ثلاثمائة سنة، ثم هوى إلى أسفل سافلين، لكونه أعزب غير متزوج!
البحث يدور حول البركة والتوفيق، وكيف يمكنك اكتساب أفضل الحظوظ وأكثر الأرزاق في مختلف مراحل حياتك، ولكن تمهيداً لذلك سنتوقف قليلاً عند فقه مفردة (البركة):
من فقه مفردة البركة ومبدأ اشتقاقها
فقد قال بعض بأنّ (البَرَكة) مأخوذة من البِركة، وقال بعض بأنّها مأخوذة من البَرْك، والوجه في الاشتقاق هو أنّ بِركة الماء تحافظ على المياه من أن تتشرّبها الأرض، أو تمتصّها الرمال والأتربة، أو أن تجري هنا وهناك في سطح الدار أو في المنحدرات، كونها تتميّز بجدرانها وبأرضها الصُّلبة، فهي تكفل لمياه الأمطار التي تتساقط عليها، أو مياه الآبار أو الجداول التي تصبّ فيها، البقاء لفتراتٍ زمنيّةٍ طويلة، كما توفّر لصاحبها أقصى درجات الاستفادة منها.
وأمّا البَرْك فهو الصدر، فـ (بَرْك البعير) أي صدره، وبَرَك البعير أي ألقى بصدره على الأرض أوّلاً، ثمّ استقرّ جالساً ثانياً، ولعلّ وجه التسمية حينئذٍ أنّ البركة تجعل صاحبها المبارك في موقع الصدارة، فيكون له موقع الصدارة في أيّ شيء بُورك فيه: الأولاد، الأموال، الجاه، العلاقات، وغير ذلك.
وعلى أيّ تقدير فإنّ البركة تستقطب المعاني التالية وتدل عليها، إمّا بالدلالة التضمّنيّة أو بالدلالة الالتزاميّة: الزيادة والنمو، والتوسّع، والتجذّر، والامتداد في عمق الزمن:
فالأسرة المباركة مثلاً: تزداد أعدادهم يوماً بعد يوم، وتنمو ثرواتهم، وتتوسّع شبكة علاقاتهم وتتجذّر، كأسرة، في المجتمع أكثر فأكثر، وتبقى طويلاً طويلاً على امتداد الأزمان أسرةً معطاءً معروفة بالخير والبركات.
والأموال المباركة: تزداد بركةً في نهوضها بالمشاريع والمؤسّسات الدينيّة، وفي إنجاد المعوزين والفقراء، وفي إغاثة الملهوفين، وتزويج العزّاب والعازبات، وغير ذلك من أعمال البرّ، وهي مع ذلك تنمو وتتضاعف، إذ (وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقينَ)[6]، و(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها)[7]، (وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ)[8].
وأمّا الحظّ فإنّه يعني: النصيب من الخير والفضل، وفُسّر أيضاً باليسر والسعادة، ولعلّه تفسير باللازم العادي، وقد قال تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظيمٍ)[9].
كيف تكون مغناطيساً يجذب الأموال والنجاح والبركة؟
والسؤال هو: كيف تتحوّل إلى مغناطيس يجتذب إليك النجاح، والأموال، والتوفيق، والناس الطيّبين والخبراء، والسمعة الحسنة، والتأثير الإيجابي الكبير في المجتمع؟ ذلك أنّ الله تعالى، كما خلق في عالم الطبيعة مغناطيساً يجتذب إليه الحديد مثلاً، كذلك جعل في عالم السيسيولوجيا أصولاً مغناطيسيّة، من وفّرها في نفسه اجتذب إليه النجاح، والثروات، والسمعة، والحظّ السعيد، والرفاه والسعادة.
والجواب على ذلك: أنّ هنالك عوامل متعدّدة متنوّعة تجتذب إليك لا النجاح فحسب، بل والنجاح تلو النجاح، والتقدّم بعد التقدّم، والسعادة فوق السعادة، والأموال إثر الأموال، وشتى أنواع الخيرات والبركات، وقد مضى بعضها، وسنشير في هذا البحث إلى ثلاثة منها:
أولاً: التواصل الفعّال مع الآخرين
أوّلاً: التواصل الفعّال مع الآخرين، ذلك أنّ النسور تطير مع النسور، وهل رأيت نسراً يطير مع الحمام؟ ولو أنّه فعل ذلك لسقط عن عليائه، وكشف ذلك عن ابتلائه بمرض ألمّ به أو أصابه عارض أطاح به.
فإذا أردت أن تكون نسراً فعليك أن تطير مع النسور، وذلك يعني أنّك إذا أردت أن تصبح عالماً فعش في أجواء العلم مع العلماء، وزرهم، واقرأ كتبهم، واستمع إلى دروسهم ومحاضراتهم، وأنفق من علمك على السائلين دوماً، يكون علمك مباركاً، وتزداد علومك تألّقاً وبريقاً وأثراً...
وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (جَالِسْ أَهْلَ الْوَرَعِ وَالْحِكْمَةِ وَأَكْثِرْ مُنَافَثَتَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ جَاهِلًا عَلَّمُوكَ، وَإِنْ كُنْتَ عَالِماً ازْدَدْتَ عِلْماً)، و(جَالِسِ الْعُلَمَاءَ يَزْدَدْ عِلْمُكَ، وَيَحْسُنْ أَدَبُكَ، وَتَزْكُ نَفْسُك)[10].
وإذا أردت الثروة فتعامل مع الأثرياء، وصادق التجّار (ولتكن فاعلاً مؤثّراً فيهم بجميل الصفات، لا منفعلاً متأثّراً بقبيح الحالات)، وقد ورد في الحديث ما مضمونه: إذا أردت أن تكون ذا حظّ فاحشر نفسك مع أصحاب الحظوظ، وعليه: إذا أردت أن تنجح في تجارتك فصادق التجّار الناجحين، وتعامل معهم، وإيّاك أن تحشر نفسك مع الفاشلين أو أن تتعامل معهم، فإنّ الفشل، كالمرض، معدٍ، كما أنّ النجاح، كماء المطر، سيّال، جارٍ، متعدٍّ، ليس بلازم.
وبعبارة أخرى: أَحِطْ نفسك بالناجحين والمحسنين والمجدّين، دون المتملّقين والفاشلين والبخلاء، تَكُن منهم، أو دُر حولهم، فإمّا أن تكون قطباً للناجحين والمباركين، وإمّا أن تحوم حولهم وتدور في فلكهم، وحينئذٍ تكون منهم وتصل إلى ما تصبو إليه بقدر تمسّكك بهذه القاعدة الذهبيّة، وتجنّب أولئك الذين يتذمّرون دوماً، والذين يلومون الظروف كثيراً، والكسالى، وذوي الصفات النفسيّة السلبيّة، كالحسد والحقد والكبرياء والبخل والجبن، وإلّا سلبوا منك التوفيق والبركة وحرموك ابتسامة الحظّ لك.
وهنالك نماذج وشواهد معبِّرة ومنوَّعة من مدى فاعلية التواصل الفعّال مع الآخرين وتأثيره على البركة والحظ:
قصة الذي أرسل رسائل إلى ألف تاجر فحصل على ما أراد!
أ- فمن النماذج، أنّ أحدهم وكان ذا عيال، يعمل في وظيفة بسيطة تدرّ عليه راتباً زهيداً، وكان لا يملك سيارة ولا بيتاً، (والمعروف أَن أجرة البيت تستهلك 30-60 بالمائة من الميزانية الشهرية للأسرة، بحسب اختلاف المناطق والمنازل وغير ذلك)، ثم أنه مهما طَرَقَ الأبواب لم تتيسّر له وظيفة أفضل ولا مصدر رزق أوفر، وظلّ يعاني في إعالة أسرته بشدّة، إلى أن هداه التفكير إلى استخدام التواصل الفعّال بطريقة طريفة مبتكرة، وهي أنّه كتب رسالة ضمّنها سيرته الذاتية، وأن كفاءته كذا، وأسرته كذا، ووظيفته كذا، وأنّه لم يقصّر في البحث عن وظيفة أفضل، لكنّ الظروف عاكسته، وأرفقها بالوثائق، ثمّ بعث الرسالة عبر البريد الإلكتروني، وكان ذاك الوقت هو وسيلة التواصل الأولى – قبل حوالي ربما عشرين عاماً – إلى أثرياء وتجّار وملّاك معامل ومصانع، وكان قد بذل جهداً جهيداً في الحصول على عنوان ألف واحد منهم!!
ومن الطبيعي أن كثيراً من هؤلاء لا يقرأون رسائل تصل من مجهول، لكنّ البعض يقرأ، أو يقرؤه سكرتيره، ومن الطبيعي أيضاً أن لا يستجيب أكثرهم، ولكن من الممكن جدّاً أن يتجاوب واحد أو اثنان أو أكثر، وهكذا كان، إذ قرأ أحد الأثرياء المـُحسنين الرسالة وتأثّر بها، وكلّف أحدهم ليُحقّق عن مدى صدق المـُرسِل ودقّة الوثائق، ولما اقتنع أمر بأن يُهدى لذلك الرجل بيت واسع، وسيارة جيّدة، مع توظيفه براتب محترم في إِحدى شركاته!
وليس المقصود أن تفعلوا مثل ذلك لأنفسكم، بل المقصود أنك مثلاً إذا قرّرت أن تبني حسينية أو مسجداً أو مدرسة أو ميتماً أو مكتبة أو مستوصفاً أو غير ذلك من المؤسّسات، فاستعن بطريقة التواصل الفعّال، ولا تقل: لا أملك المال، ولا يوجد من يتبرّع، بل ابحث عن أسماء وعناوين ألف تاجر، أو وسيط تاجر، أو طبيب، ومهندس، ومحامٍ، وزُرهم، أو راسلهم، أو ابعث إليهم وفوداً، وثق أنّ الخير كلّ الخير معقود بمثل هذا السعي (منك الحركة ومن الله البركة)، وأنّ المشروع سيمضي قُدُماً، وسيبارك الله تعالى فيه، وستحصل على ما تريد بل وربما أكثر!
قصة الشاب الذي صادق عشرات الأطباء و...
ب- ومن النماذج أنّ أحد الشباب الطيبين ممن يخدمون في بعض المواكب والهيئات استخدم التواصل الفعّال كطريق إلى قضاء حوائج الناس، في حقل يقلّ أن يفكّر أحد في طَرْقه، حيث أقام على امتداد سنين علاقات جيّدة مع العشرات، وربما المآت، من الأطبّاء أو سكرتاريّاتهم، في مختلف التخصّصات: من طبيب قلب، وطبيب عيون، وطبيب أسنان، وطبيب مفاصل... إلخ، وذلك كلّه لأجل أن يُسهّل الأمر على المؤمنين، خاصّة من خارج النجف من المحافظات، الذين يستهدفون الحصول على طبيب جيّد ولا يعرفونه، أو الذين يريدون الحجز عنده، والحجز عند الطبيب الجيّد صعب عادة، أو يقتضي الانتظار في المطبّ ساعات طويلة.
لكنّ هذا الشاب الطيّب، وباندفاع ذاتي، وحبّاً في قضاء حوائج الناس، كان يبحث عن الأطبّاء الجيّدين فيصادقهم أو أحد سكرتاريتهم، وقد جعل الله البركة في علاقاته وفي لسانه، حيث إنّني علمت أنّ الكثير من الناس من داخل النجف وخارجها، سواء من أصدقائه أو أصدقاء أصدقائه، أو من الذين لا يعرفهم أصلاً إلا أنّهم سمعوا عنه، حجزوا عبره عند أطبّاء، وكان كثيراً ما يضيّفهم في بيته إذا جاءوا إلى النجف ولا مكان لهم، بل والأعجب أنّه أحياناً كان يذهب إلى المطبّ المزدحم وينتظر ساعات طوال حتى تصل النوبة لمريضه، الذي يرتاح في بيته، حتى إذا اقترب وقت دخوله على الطبيب طلبه تلفونياً حتى يدخل على الطبيب مباشرة دون انتظار!.
ورغم أنّ هذا الشاب الطيب متوسّط الحال، إلا أنّه يضطلع بهذا الأمر، وبإدارة الكثير من الضيوف بقلبٍ فَرِح مستبشِرٍ، وقد دفع الله عنه بلاءً عظيماً كاد أن يحلّ به قبل أشهر، كما عرفت قصّته عن كثب.
التواصل الفعال مع العلماء
والتواصل الفعّال يعني مثلاً أن تحاول أن تتقرّب إلى مائة عالم، وتزورهم في مجالسهم، وتتزوّد منهم، وأن تصادق مائة تاجر، ومائة مهندس، ومائة صحفي، ومائة طبيب، ومائة محامٍ مثلاً، على حسب الحقل الذي تريد أن تتخصّص فيه، أو إذا كان هدفك خدمة الناس عموماً، فمع تلك الأصناف جميعاً ومع غيرهم أيضاً، وحينئذٍ ستجد أنك أصبحت ذلك النسر الذي يطير مع النسور، وأنك لو كنت تاجراً فإنّك ستحصل على أفضل الصفقات، إذ يثق بك تجّار كثيرون، ولو كنت طالب علم ستحصل على علم وافر من مختلف العلماء، وستحصل على ثروة من المعلومات لا يحصل عليها من لا يمتلك نسيجاً واسعاً من العلاقات مع مختلف العلماء.
أنت متوسط خمسة تعيش بينهم!
وقد عبَّر بعضهم عن أهمية نوع علاقات الإنسان مع الآخرين منسوبة إلى كميتها بقاعدة لطيفة، وهي أنَّك إذا أردت أن تعرف من أنت، أو أن تعرف أن زيدًا من هو، فاعلم بأنَّ كل شخص إنما هو متوسط خمسة أشخاص يقضي معظم أوقاته معهم! فإذا كان وزن أحدهم عشرة، والآخر أربعين، والثالث ستين، والرابع سبعين، والخامس مائة، فاجمعها ثم اقسمها على خمسة، تعرف متوسط وزن مجموعهم!
وهي قاعدة تقريبية، وتصحيحها أنَّك إما قمة هذا المجموعة أو وسطها أو أدناها، فلتكن قمة مجموعة فاخرة، لا قمة مجموعة دانية! أو كن على الأقل متوسط المجموعة الأولى.
ثانياً: مفتاح الرزق، الخدمة الحسينية (عليه السلام)
ثانياً: إنّ الرزق والبركة والتوفيق والحظ العظيم في خدمة سيد الشهداء صلوات الله عليه، فإنّ الإمام الحسين (عليه السلام) مفتاح للرزق ولألوان الحظوظ ولخير الدنيا والآخر، وما قيل من أنّ سفينة الحسين أوسع وأسرع، وإن لم تدل رواية عليه، فيما وصل إلينا، ولعلها تكون رواية قد ضاعت في خضم ضياع المئات بل الألوف من كتبنا كالأصول الأربعمائة والكتب الستة آلاف والستمائة المؤلفة من زمن الإمام علي (عليه السلام) حتى زمن الإمام العسكري (عليه السلام) – كما فصلناه في بحث النقل بالمضمون – إلا أنه مما يؤيده الاعتبار، وتشهد به التجربة، إذ المشهور أنّ الذين يهتدون به صلوات الله عليه، والذين يبقون ببركة زيارته وبركة مجالسه ونظائرهما، في حظيرة الدين، هم أفواج وأفواج وأفواج مما لا يقاس بغيره صلوات الله عليه، ولذا كان (الإسلام حسيني البقاء)، على القاعدة أيضاً.
الصحة النفسية والاستقرار الأسري
وخدمة الإمام الحسين (عليه السلام) في المواكب والهيئات وغيرهما تعدّ من أهم أسباب البركة في مختلف الجهات:
فهي عامل جوهري في (الصحة النفسية) لمن يخدمه، سواء أكان خطيباً أم رادوداً أم صاحب موكب أم خادماً فيه، بطبخ أو كنس أو استقبال أو غير ذلك، ذلك أنه يستشعر طول فترة الخدمة الرضا والسعادة والحبور، ودونك كل من يخدم بنوع ما، ولذا تجد الرجال والنساء والصغار والكبار والفقراء والأغنياء يتسابقون إلى خدمته طوعاً ورغبة وباندفاع ذاتي، لا بضغط أو قسر أبداً.
كما أنّها تعدّ من أهم عوامل (الاستقرار الأسري)، إذ يوجب تماسك الأسرة، حيث تخدم كلها في موكب واحد أو مجلس واحد أو في أي أمر من شؤون الخدمة الحسينية.
وهي مفتاح الرزق
كما أنّ الخدمة الحسينية (مفتاح الرزق) أيضاً، وهنالك شواهد وقصص كثيرة جداً تدل على ذلك، نشير إلى بعضها:
قصة الخطيب الذي فوجئ بكرم الإمام الحسين (عليه السلام)
أ- أحد العلماء – الخطباء، الذين اضطلعوا بمهمة تربية الخطباء لمدة أكثر من ثلاثين عاماً في قم المقدسة، ثم في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، وقد تخرَّجت على يديه أجيال من الخطباء، نقل لي هذه القضية المعاصرة، وهي أنّ أحد الخطباء في قم المقدسة كان يعاني من ضائقة مالية شديدة، وكان بيته متواضعاً جداً، ولعله قال إنه كان يعيش في سرداب عمارة، وكان محل سكنه مستأجراً وصغيراً جداً، تضيق به عائلته الكبيرة، ويبدو أنّ الحظ لم يكن محالفاً له في منبره لسبب أو لآخر، فكان لا يحصل إلا على أقل ما يسدّ الرمق.
ثم إنّ هذا الخطيب شرح حاله للسيد الشيرازي (قدس سره)، أي السيد الوالد (كل ذلك بحسب نقل ذلك العالم – الخطيب – المربي)، فقال له الوالد: مفتاح الرزق هو أن تقيم مجلساً أسبوعياً في بيتك، وتدعو إليه الجيران، فسيفتح الله تعالى لك حينئذٍ أبواب الرزق من حيث لا تحتسب.
فأجاب الخطيب: بيتي صغير جداً، وإمكانياتي متواضعة، وذلك صعب جداً.
فقال الوالد: فليكن، وليكن الحضور خمسة أو أقل أو أكثر، وقدم ما يتيسر من شاي ونحوه، فإن الله سيفتح عليك.
يقول الخطيب: أثّر فيّ كلامه (قدس سره) فبدأت المجلس في بيتي، وارتقيت أنا المنبر إذ لم أكن أملك أي مبالغ أعطيها لخطباء آخرين أسبوعيًا.
يقول: بدأت أولاً بنية هذه الحاجة، إلا أنني بعد مضي شهرين، ربما، اندمجت مع المجلس، وغفلت عن حاجتي الأصلية (الرزق)، واستمريت في إقامة المجلس حباً في الإمام الحسين (عليه السلام).
وذات ليلة، جائني أحد الجيران الطيبين ومعه تاجر خليجي زائر، كان ضيفاً عنده، وكان قد أخبره أن بالجوار مجلساً هذه الليلة، وقد فوجئ التاجر ببيت هذا الخطيب الصغير والمتداعي، وعندما خرج سأل جاره الذي أتى به: لماذا هذا الخطيب وضعه هكذا؟ فأجاب الجار: الأمر كما ترى.
فقال التاجر: اذهب وابحث له عن بيت واسع مناسب، وأنني سأسافر إلى مشهد، وأرجع خلال أيام، فأرجو أن تكون قد عثرت على بيت جيد.
وسافر التاجر وبحث الجار إلى أن حصل على بيت كبير مناسب جداً معروض للبيع، وعندما رجع التاجر سأله فقال: نعم، فانطلقا وعندما شاهد التاجر البيت، قال للجار: نعم، هو جيد، لكن جيء بالخطيب وأهله، فإذا أعجبهم سنشتريه لهم!
وكان من الطبيعي أن يعجب به الخطيب وأهله جداً، إذ لم يكن هناك قياس بينه وبين بيته المتواضع.. وهكذا سجّل التاجر تلك الدار الواسعة باسم ذلك الخطيب!.
يقول الخطيب: فجأة تذكّرت أنني كنت قد غفلت عن أنّ إقامتي المجلس كانت لهذه الحاجة، ولكنّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم يغفل، فأوصل إليه حاجته بأفضل السبل وأكثرها حفاظاً على كرامته!
- وهنالك قصة جدّنا الأمي الذي تحوّل من صانع بسيط إلى تاجر شهير خيّر معطاء، ببركة معاهدته للإمام الحسين (عليه السلام)، عند استقالته من عمله وعزمه على التجارة وهو صفر اليدين، بأن يشركه (عليه السلام) في أرباحه بأن يدفع خُمس أرباحه (أو نصفها) للقضايا الحسينية، زائداً على الـخُمس الشرعي السنوي.
- وهنالك أيضاً قصة ذلك المحامي – المقاول الذي كان حظّه أسود في سوق الأسهم، فابتسم له الحظ وصار يربح عشرات الألوف من الدولارات باستمرار، عندما نوى إشراكه في الأرباح.
وقد فصّلنا القضيتين الأخيرتين في بحث سابق.
ثالثاً: الزواج والتزويج
ثالثاً: وممّا يجلب الحظ والبركة والتوفيق والأموال أيضاً الزواج والتزويج، وتدلّ على ذلك الآيات والروايات وقواعد علم النفس أيضاً.
كيف يجتذب إليك الزواج، الأموال؟
قال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)[11].
- عن إسحاق بن عمّار، قال: (قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): الْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِيهِ النَّاسُ حَقٌّ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله)، فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ، فَأَمَرَهُ بِالتَّزْوِيجِ، فَفَعَلَ[12]، ثُمَّ أَتَاهُ، فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ، فَأَمَرَهُ بِالتَّزْوِيجِ، حَتَّى أَمَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السالم) [نَعَمْ]، هُوَ حَقٌّ، ثُمَّ قَالَ: الرِّزْقُ مَعَ النِّسَاءِ وَالْعِيَالِ)[13].
- الشيخ أبو الفتوح في تفسيره، عن عبد الله بن العباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الْتَمِسُوا الرِّزْقَ بِالنِّكَاح)[14]
- عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أَتَى رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ، فَقَالَ لَهُ: تَزَوَّجْ، فَقَالَ الشَّابُّ: إِنِّي لَأَسْتَحْيِي أَنْ أَعُودَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله)، فَلَحِقَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِنَّ لِي بِنْتاً وَسِيمَةً، فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ، قَالَ: فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ [قَالَ]، فَأَتَى الشَّابُّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله) فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، عَلَيْكُمْ بِالْبَاهِ)[15].
والآية والروايات صريحة في أنَّ النكاح يجلب الرزق، ومن الأسباب الظاهرية لذلك، إضافة للوعد الإلهي واليد الغيبية، أنَّ الزواج يجعل الإنسان يستشعر المسؤولية بشكل قوي وواضح وصريح ومباشر، وللإنسان طاقات كامنة مذهلة، فلو قرر حتماً وصمم جزماً وصل إلى مبتغاه دون ريب، إذ (مَا ضَعُفَ بَدَنٌ عَمَّا قَوِيَتْ عَلَيْهِ النِّيَّةُ)[16].
والسعي في التزويج أيضاً مدعاة للخير والبركة، وفي الرواية:
- عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ قالا: خطبنا رسولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) (إلى أن قال): (وَمَنْ عَمِلَ فِي تَزْوِيجٍ بَيْنَ مُؤْمِنَيْنِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا زَوَّجَهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ امْرَأَةٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كُلُّ امْرَأَةٍ فِي قَصْرٍ مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ، وَكَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ خَطَاهَا فِي ذَلِكَ، أَوْ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا فِي ذَلِكَ، عَمَلُ سَنَةٍ، قِيَامٍ لَيْلُهَا وَصِيَامٍ نَهَارُهَا)[17].
- وعن زيد الشحّام، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (مَنْ أَغَاثَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ اللَّهْفَانَ اللَّهْثَانَ عِنْدَ جَهْدِهِ، فَنَفَّسَ كُرْبَتَهُ، وَأَعَانَهُ عَلَى نَجَاحِ حَاجَتِهِ، كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِذَلِكَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ، يُعَجِّلُ لَهُ مِنْهَا وَاحِدَةً يُصْلِحُ بِهَا أَمْرَ مَعِيشَتِهِ، وَيَدَّخِرُ لَهُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ رَحْمَةً لِأَفْزَاعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهِ)[18].
عضل الأولاد ومنعهم من الزواج، حرام حرام
والغريب أنَّ كثيراً من الآباء والأمهات يمنعون أبناءهم من الزواج بالكفؤ، ويرفضون مَنْ تقدّم لخطبة بناتهم وإن كان كفؤاً، بأعذار ما أنزل الله بها من سلطان، والكفؤ هو ذو الدين والأخلاق وفي الحديث: (إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسادٌ كَبِيرٌ[19]) )[20].
والعجيب أنَّ الناس يبحثون في الزوج أو الزوجة عن المال والثروة والوظيفة والمنصب، ويُغفِلون أهم الأشياء وهما الدين والأخلاق، والزوج إذا كان يمتلك كل ثروات الدنيا، ولكنَّه كان بلا دين أو أخلاق، تحوّلت حياة زوجته إلى جحيم، وكذلك العكس، مع أنَّه لو كان ذا دين وأخلاق فإنَّه سيكون أفضل زوج وإن كان فقيراً.
والأغرب أنَّ كثيراً من الإخوة أو حتى أبناء العمومة، يمنعون أخواتهم من الزواج لأتفه الأسباب، أو لمجرّد أنَّه لا يعجبه الخاطب، مع أنَّ ذلك من المحرّمات (أي حرمانها قسراً ممّن ترغب بالزواج به).
وحسب الآيات والروايات فإنَّ من أهم أسباب تعاسة المجتمع، وانتشار الفقر والبطالة والتضخّم والجريمة فيه، هو الإعراض عن قوانين الله تعالى الحيوية (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)[21].
ومن أهم قوانينه جل اسمه تزويج الأولاد والبنات عند سنّ البلوغ، لكنَّ الناس بألف عذر وعذر يؤخّرون زواج الشباب حتى بعد التخرّج من الجامعة، والوظيفة، والمنزل… إلخ، مع أنَّ الشباب يعيش أوج الحاجة، والشهوة، في سنين الجامعة، ومع أنَّه يُبتلى بخمسين زليخا لا واحدة فقط، فكيف يصبر؟ إنَّ في ذلك مخاطرة عظمى: أنَّ يؤخّر المجتمع سنّ الزواج رغم حاجة الشباب إلى الزواج بأعلى درجات الحاجة.
هل يعيق الزواج الدراسة؟
ومن الأعذار غير المقبولة أنّ الزواج يعيق الدراسة! مع أنّ الزوجة الصالحة والزوج الصالح، على العكس من ذلك إذ يعين كل منهما زوجه، وذلك لأنّ توفر الأجواء الزوجية الهانئة يوفر أكبر الدعم النفسي للزوجين، بل ويزيد من نسبة القدرة على التركيز والاستيعاب والحفظ ويدفع الكآبة وغير ذلك، وقد دلّت الدراسات الميدانية الحديثة على ذلك كله.
دراسات متنوعة تثبت أن الزواج عامل مساعد على الدراسة
فعلى حسب ما نقل عن مجموعة من الدراسات:
مراجعة علمية حديثة (2024) أجريت على أكثر من 15 دراسة عبر قواعد Pubmed وPsycinfo وScopus تُظهر أن:
أغلب الدراسات تقرّر علاقة إيجابية بين جودة العلاقة الزوجية ومستوى الوظائف المعرفية مثل الذاكرة، الاستدعاء، والتفكير التنفيذي في البالغين[22].
النتائج: ارتباط إيجابي عام بين جودة الزواج والوظائف الإدراكية.
وهناك دراسة علمية شملت عدة دول (الولايات المتحدة، جنوب إفريقيا، المكسيك، الصين). قيّمت العلاقة بين الحالة الزوجية والوظائف المعرفية عند البالغين ≥ 50 سنة باستخدام اختبارات قياسية (مثل الذاكرة الفورية).
النتائج أظهرت أن الأشخاص المتزوجين عموماً لديهم أداء معرفي أفضل من غير المتزوجين (أعزب / مطلق / أرمل)، خصوصاً في الاستدعاء الفوري للكلمات والعمليات العقلية البسيطة[23].
وتوجد أبحاث أخرى عن جودة الزواج والصحة النفسية أشارت إلى أن:
الزواج يمكن أن يعزّز الصحة النفسية، التكيف النفسي، والدعم الاجتماعي – وهذه كلها مرتبطة بقدرة أفضل على التحصيل والتفكير.
وفي دراسة طلابية بين دفعات جامعية (مثل ما في نيجيريا)، أظهرت النتائج أن الطالبات المتزوجات أظهرن عادات دراسية أكثر تنظيماً وقمن بالمذاكرة بانتظام أكثر مقارنة بأقرانهن غير المتزوجات، وارتبط ذلك بالجدول المنظّم داخل الأسرة وتشجيع الشريك لأوقات المذاكرة.
ووجدت دراسات حديثة أنّ الرضا في الزواج يزيد من مرونة التفكير لدى البالغين الشباب (Cognitive Flexibility)، وهي صفة تحسّن معالجة المعلومات وفهمها سريعاً، أي: عندما تكون العلاقة الزوجية جيدة، فإنّ ذلك يعزز قدرة الشخص على التفكير بمرونة وفهم المواقف المختلفة، مما يُسهِّل الفهم الدراسي والقدرة على معالجة المعلومات المعقدة.
ووجدت دراسات قائمة على بيانات من دول أوروبية أنّ الزواج يقلل من تأثير الاكتئاب على بعض الوظائف المعرفية مثل الطلاقة اللفظية (verbal fluency)، ما ويشير ذلك إلى أن الدعم الزوجي يمكن أن يحافظ على قدرة الكلام والتذكر المرتبط به مقارنة بمن يعيشون بمفردهم في التقدم بالعمر.
وهذا لا يعني أن الزواج يحسّن الذاكرة بشكل مباشر، لكنه يوفّر بيئة اجتماعية تساعد على الحفاظ على القدرات المعرفية. وهذا بنفس المنطق ينطبق على التعلم في مراحل الحياة المبكرة إذا كان هناك دعم زوجي.
دراسة في كلية تعليم في نيجيريا أظهرت أنّ الحالة الزوجية مرتبطة بشكل إيجابي بالأداء الأكاديمي لدى الطالبات المتزوجات، حيث كانت لدى المتزوجات عادات دراسية أفضل وأداء GPA أعلى مقارنة بغير المتزوجات في بعض العينات.
ولكن كيف يساعد الزواج على فهم الدروس وحفظها؟
ولكن كيف يساعد الزواج على فهم الدروس وحفظ المطالب أكثر؟
هذه نقطة مثيرة جداً ومهمة، لأنها تمس العلاقة بين الحياة العملية والدراسة/التعلم.
الزواج قد يؤثر على فهم الدروس وحفظ المعلومات بعدة طرق إيجابية وغير مباشرة إذا تم إدارته بشكل صحيح. سأوضح لك بالتفصيل العلمي والمنهجي مع أمثلة عملية:
1- التنظيم وإدارة الوقت، كيف؟
* الزواج يفرض روتيناً يومياً محدداً: أوقات للواجبات المنزلية، للوجبات، وللراحة.
* هذا الروتين يساعد الدماغ على التخطيط للدراسة بشكل أفضل، وتحديد أوقات التركيز.
2- الدعم العاطفي والتحفيز، كيف؟
* الشريك يوفر تشجيعاً ومساندة، ما يقلل التوتر والقلق.
* التوتر العالي يؤثر سلباً على القدرة على الحفظ والفهم.
* وجود دعم عاطفي يزيد القدرة على التركيز الذهني.
3- تعزيز المسؤولية والانضباط الذاتي، كيف؟
* الزواج يجعلك مسؤولًا عن أكثر من نفسك.
* هذا الانضباط الذاتي ينتقل إلى الدراسة: الالتزام بالمواعيد، الانتهاء من المهام، متابعة الدروس.
4- التحفيز العقلي والاجتماعي، كيف؟
* النقاشات اليومية مع الشريك حول مواضيع الحياة أو الدراسة تعزز الفهم العميق.
* تبادل الآراء يخلق ذاكرة مرتبطة بالتجربة، ما يسهل الحفظ.
5- الممارسة التطبيقية الحياتية، كيف؟
* الزواج يخلق مواقف حياتية مرتبطة بالدروس: إدارة ميزانية، حل مشاكل، اتخاذ قرارات.
* الدماغ يتذكر المعلومات المرتبطة بالحياة العملية بشكل أفضل.
6- تقليل المشتتات السطحية
* الزواج السليم يخلق استقراراً نفسياً واجتماعياً، ويقلل الانشغال بالمشكلات الشخصية، وبالتالي يزيد القدرة على التركيز على الدراسة.
* الطلاب أو الباحثون غير المتزوجين قد يتشتتون بين علاقات سطحية أو ضغوط عاطفية غير مستقرة، ما يقلل قدرتهم على الحفظ.
قصة كرسف وخطورة العزوبية على الشباب
وتكفينا الرواية التالية دليلاً على خطورة العزوبية على الشباب والشابات مهما كانوا ورعين، حيث تذكر قصة كُرسف العابد، الذي شكّل الصورة الأخرى المناقضة ليوسف النبي؛ فهذا صبر وصمد ونجح، وكُرسف سقط رغم كونه عابداً، ربما قليل النظير:
الشَّيْخُ أَبُو الْفُتُوحِ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ[24]، عَنْ عَكَّافِ بْنِ وَدَاعَةَ[25] الْهِلَالِيِّ قَالَ: (أَتَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله)، فَقَالَ لِي: يَا عَكَّافُ أَلَكَ زَوْجَةٌ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: أَلَكَ جَارِيَةٌ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: وَأَنْتَ صَحِيحٌ مُوسِرٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَالَ: فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ إِخْوَانِ الشَّيَاطِينِ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ رُهْبَانِ النَّصَارَى، وَإِمَّا أَنْ تَصْنَعَ كَمَا يَصْنَعُ الْمُسْلِمُونَ، وَإِنَّ مِنْ سُنَّتِنَا النِّكَاحَ، شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ، وَأَرَاذِلُ مَوْتَاكُمْ عُزُّابُكُمْ،
مَا لِلشَّيْطَانِ سِلَاحٌ أَبْلَغُ فِي الصَّالِحِينَ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا الْمُتَزَوِّجُونَ؛ أُولَئِكَ الْمُطَهَّرُونَ الْمُبَرَّءُونَ [مِنَ الْخَنَا]، وَيْحَكَ يَا عَكَّافُ! إِنَّهُنَّ صَوَاحِبُ أَيُّوبَ وَدَاوُدَ وَيُوسُفَ وَكُرْسُفَ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ كُرْسُفُ؟ قَالَ: رَجُلٌ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ ثَلَاثَمِائَةِ عَامٍ، يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، ثُمَّ إِنَّهُ كَفَرَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ فِي سَبَبِ امْرَأَةٍ عَشِقَهَا وَتَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَهُ اللَّهُ بِبَعْضِ مَا كَانَ مِنْهُ فَتَابَ عَلَيْهِ، وَيْحَكَ يَا عَكَّافُ، تَزَوَّجْ تَزَوَّجْ، فَإِنَّكَ مِنَ الْخَاطِئِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: زَوِّجْنِي قَبْلَ أَنْ أَقُومَ، فَقَالَ (صلى الله عليه وآله): زَوَّجْتُكَ كَرِيمَةَ بِنْتَ كُلْثُومٍ الْحِمْيَرِيِّ)[26]
إنَّ كلَّ من يعرقل زواج شاب أو شابة، مهما كانت أعذاره، فإنَّه سيكون شريكاً في أي محرّم يقعان فيه، وسيحاسبه الله تعالى حساباً عسيراً شديداً.
تنبيه: المراد من (مَا لِلشَّيْطَانِ سِلَاحٌ أَبْلَغُ فِي الصَّالِحِينَ مِنَ النِّسَاءِ) يراد به النساء المنحرفات لا المؤمنات كما هو واضح، والغريب أنّ كثيراً من الناس يستضعفون النساء أو يرمونهن بالسوء ويتغافلون عنها، أو يجهلون، الروايات الكثيرة التي تعطيهن منزلة مميزة وقد ورد في الروايات:
عن الإمام الصادق (عليه السلام): (مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ حُبُّ النِّسَاء)[27]، و(الْعَبْدُ كُلَّمَا ازْدَادَ لِلنِّسَاءِ حُبّاً ازْدَادَ فِي الْإِيمَانِ فَضْلًا)[28]، و(أَكْثَرُ الْخَيْرِ فِي النِّسَاءِ)[29] وهي روايات رائعة حقّاً.
الخاتمة: خلصنا إلى أنّ للبركة التي تعني الزيادة والنمو والتوسع والتجذر والامتداد الزمني، عوامل غيبية وأخرى مادية، على أنّ العامل الغيبي يصطحب معه عاملاً مادياً، والعامل المادي يخفي خلفه عاملاً غيبياً.
ومن العوامل المادية: التواصل الفعّال مع الآخرين وتوسعة شبكة العلاقات إلى أوسع المديات.
ومن العوامل الغيبية: ركوب سفينة الإمام الحسين (عليه السلام) وخدمته.
ومن العوامل المادية – الغيبية: الزواج والتزويج؛ فإنّ الخير كل الخير "والبركة كل البركة" والحظ كل الحظ في الزواج الناجح السعيد.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين
* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com
........................................................
[1] سورة مريم: 31.
[2] سورة الأنبياء: 50.
[3] سورة الدخان: 3.
[4] سورة ق: 9.
[5] سورة فصلت: 35.
[6] سورة سبأ: 39.
[7] سورة الأنعام: 160.
[8] سورة البقرة: 261.
[9] سورة فصلت: 34-35.
[10] عيون الحكم والمواعظ: ص223.
[11] سورة النور: 32.
[12] لعلها زائدة ولعلها (فلم يفعل) على أن لوجودها وجهاً، لطيفاً فتدبر.
[13] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص330.
[14] مستدرك الوسائل: ج14 ص173.
[15] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص330.
[16] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: ج4 ص400.
[17] ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، ص295.
[18] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج2 ص199.
[19] سورة الأنفال: 73.
[20] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص347.
[21] سورة طه: 124-126.
[22] Exploring the relationship between marital quality and cognitive function
— Social Science & Medicine (systematic review)
[23] Associations between cognitive function and marital status in different countries
[24] تفسير أبي الفتوح الرازيّ ج 4 ص 34، و نقله ابن الأثير في أسد الغابة ج 4 ص 3.
[25] في الطبعة الحجرية و المصدر: وادعة و الظاهر ان ما أثبتناه هو الصواب« راجع أسد الغابة ج 4 ص 3».
[26] مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: ج14 ص159.
[27] ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللآلئ، دار سيد الشهداء (عليه السلام) ـ قم: ج3 ص282.
[28] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: ج3 ص384.
[29] المصدر: ص385.