العبادة ومعيارها الحضاري في القرآن
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-01-11 04:02
تُقرأ سورة الماعون، في إطار الفهم الحضاري للقرآن، بوصفها أحد أكثر النصوص المكيّة كثافة في تشخيص الخلل البنيوي في الوعي الديني قبل اكتمال التشريع، لا لأنها تتناول شعيرة بعينها، بل لأنها تعيد تعريف معنى التدين ذاته من جذوره الأولى. فالسورة لا تبدأ بالحديث عن الشرك أو إنكار الوحي، بل تنطلق من سؤال استنكاري يكشف زاوية النظر القرآنية منذ اللحظة الأولى: «أرأيت الذي يكذب بالدين»، حيث لا يُقصد بالدين هنا مجرد الإيمان النظري أو الانتماء العقدي، بل معنى الجزاء والمسؤولية والقيمة الأخلاقية للحياة. ومن هذا المدخل، يربط النص فورًا بين تكذيب المعنى وبين السلوك الاجتماعي، فيجعل القسوة على اليتيم، وغياب الحضّ على إطعام المسكين، العلامة الأولى على هذا التكذيب، وكأن القرآن يقرر منذ البداية أن الخلل الحقيقي لا يُقاس بما يُقال في العقيدة، بل بما يُفعل في الواقع.
وفي هذا السياق تأتي الصدمة المقصودة في قوله: «فويل للمصلين»، إذ ينتقل الخطاب من إدانة سلوك اجتماعي إلى إدانة شعيرة دينية، لا لأن الصلاة بذاتها موضع نقد، بل لأن انفصالها عن معناها ووظيفتها يجعلها جزءًا من المشكلة لا من الحل. فالسورة لا تتحدث عن السهو في الصلاة، بل عن السهو عنها، أي عن غياب الوعي بحقيقتها ودورها، وتحولها إلى ممارسة شكلية تؤدى بلا أثر تحويلي في الضمير أو السلوك. ويكتمل هذا التشخيص حين تُربط الصلاة بالرياء ومنع الماعون، أي حين ينتهي التدين الطقوسي إلى تفكك العلاقات الإنسانية ومنع أبسط صور التعاون اليومي.
ولا يمكن فهم هذا الخطاب بوصفه اتهامًا للمسلمين الأوائل في مكة، لأن التاريخ لا يشهد بوجود نفاق ديني منظم في تلك المرحلة، كما لا يمكن إسقاط نموذج المجتمع المدني على المرحلة المكيّة. إنما تكمن دقة النص في كونه لا يخاطب جماعة إسلامية محددة، بل يكشف بنية تدين طقوسي كانت سائدة في المجتمع المكي عمومًا، حيث كانت الشعائر تمارس بوصفها عادات اجتماعية ورموز مكانة، منفصلة عن قيم العدالة والتكافل. وبهذا المعنى لا تكون سورة الماعون نصًا خبريًا عن واقع تاريخي جزئي، بل نصًا تشخيصيًا حضاريًا يعرّي نمطًا إنسانيًا متكررًا، ويضع منذ البداية معيارًا صارمًا لصدق العبادة.
وهذا المعيار لا تقف سورة الماعون وحدها في تقريره، بل يتكرر بصيغ متعددة في السور المكيّة، ما يدل على أن الاتجاه ليس طارئًا ولا استثنائيًا. ففي سورة الفجر، يُربط فساد الفهم الديني مباشرة بعدم إكرام اليتيم وعدم الحضّ على طعام المسكين، وفي سورة البلد يُصوَّر الإيمان الحقيقي بوصفه اقتحامًا لعقبة أخلاقية تتمثل في تحرير الرقاب وإطعام الجائعين، لا في الاكتفاء بالشعور الروحي أو الادعاء اللفظي. وفي سورة الضحى يُجعل معيار القرب من الله في نفي القهر عن اليتيم ونفي النهر عن السائل، بينما تعيد سورة قريش توجيه معنى العبادة من الامتياز الاقتصادي إلى شكرٍ عملي يتمثل في حفظ نعمتَي الأمن والغذاء. هذا التوازي بين النصوص يكشف أن الخطاب المكي لم يكن منشغلًا بإصلاح الطقس بقدر انشغاله بتفكيك البنية الذهنية التي تفصل العبادة عن مسؤوليتها الإنسانية.
من هنا يتبلور مفهوم العبادة في التصور القرآني بوصفها وظيفة حضارية، لا مجرد شعيرة فردية. فالعبادة، في معناها العميق، ليست غاية مكتفية بذاتها، بل أداة لإعادة تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالآخر وبالعالم، وتحريره من الأنانية، وإدخاله في أفق المسؤولية. فالصلاة ليست مجرد حركات، بل تدريب يومي على الحضور والانضباط واستحضار المعنى، والصوم ليس حرمانًا جسديًا بل تهذيبًا للإرادة وكسرًا لهيمنة الرغبة، والزكاة ليست صدقة عابرة بل إعادة توزيع رمزية للثروة تكسر احتكار المال وتعيد الاعتبار لفكرة الحق المشترك. وحين تنفصل هذه العبادات عن وظيفتها التحويلية، تتحول إلى أشكال جوفاء قابلة للاستعمال الاجتماعي والرياء، وهو ما أدانه القرآن بوضوح منذ مرحلته الأولى.
ويتضح الأثر الحضاري لهذا الفهم حين تنتقل العبادة من المجال الفردي إلى المجال الجماعي. فالقرآن لا يعترف بتدين ينغلق داخل دائرة الخلاص الشخصي ويترك المجتمع لمصيره، بل يجعل العبادة مولّدة بالضرورة لمسؤولية اجتماعية، بحيث يصبح الإحساس بحاجات الضعفاء، والاستعداد للتكافل، والمشاركة في تخفيف المعاناة، امتدادًا طبيعيًا للعلاقة بالله. وحين تغيب هذه الحركة من الداخل إلى الخارج، تفقد العبادة قدرتها على بناء الاجتماع الإنساني، بل قد تتحول إلى عامل تبرير للامبالاة والقسوة، كما في النموذج الذي عرضته سورة الماعون، حيث انتهى التدين الطقوسي إلى منع أبسط أدوات التعاون.
ومن هذا المنطلق تتضح القواعد الحضارية التي تحكم مفهوم العبادة في القرآن: فهي وسيلة لا غاية مكتفية بذاتها، ويُقاس صدقها بأثرها الاجتماعي، وتعمل على تحرير الإنسان من مركزية ذاته، ويكون الرياء علامة انهيار وظيفتها، كما تشكل أساسًا لبناء الاجتماع الإنساني لا لانعزاله. وهذه القواعد لا تبقى في مستوى الوعظ الفردي، بل تفتح أفق الانتقال إلى المجال العام، حيث تتحول القيم التي أنتجتها العبادة في وعي المجتمع إلى مطالب أخلاقية تضغط باتجاه تنظيم الاجتماع على أسس أكثر عدلًا وتكافلًا.
وعند هذه النقطة يظهر الارتباط العميق بين مفهوم العبادة في القرآن وفكرة الدولة الحضارية الحديثة. فالدولة، في هذا الإطار، لا تُفهم بوصفها جهازًا إداريًا محايدًا أو سلطة قهرية، بل بوصفها التعبير المؤسسي الأعلى عن منظومة القيم السائدة في وعي المجتمع. والمجتمع الذي تُؤدَّى فيه العبادة بوظيفتها الحضارية هو مجتمع يطالب بدولة تحمي الكرامة الإنسانية، وتربط الشرعية بالعدل، وتعتبر رعاية الضعفاء جزءًا من مسؤوليتها الجوهرية. وبهذا المعنى لا تستمد الدولة الحضارية مشروعيتها من فرض الطقوس ولا من تديين القانون، بل من تجسيد القيم الأخلاقية التي أنتجتها العبادة في الضمير الجمعي، مثل الحرية المسؤولة، والعدالة، والمساواة، والتضامن، وحفظ السلم الاجتماعي.
إن هذا المسار يكشف أن القرآن، منذ مرحلته المكيّة، لم يفصل بين الروحي والاجتماعي، ولا بين العبادة والعمران، بل أعاد ترتيب العلاقة بينهما على أساس قيمي يجعل الإنسان محور الاهتمام، ويجعل العدل معيار الصدق، والرحمة غاية عليا. ومن هنا تُفهم سورة الماعون لا بوصفها إدانة تاريخية لمرحلة بعينها، بل إعلانًا تأسيسيًا لمعيار كوني يرافق الرسالة منذ لحظتها الأولى، ويظل حاضرًا بوصفه ميزانًا دائمًا لصدق التدين، وأحد الجذور العميقة التي يقوم عليها مشروع الدولة الحضارية الحديثة.