الاستقرار المجتمعي في الميزان التشريعي

شبكة النبأ

2026-02-19 05:24

بقلم: د. زهراء عبدالخالق السلطاني / دكتوراة في القانون الخاص و استاذ جامعي 

لم يعد مفهوم الاستقرار المجتمعي في العراق مسألة أمنية فحسب، بل أصبح معياراً حقيقياً لمدى فاعلية الدولة في تحقيق العدالة وترسيخ سيادة القانون. فالدول التي تؤسس استقرارها على الشرعية القانونية والعدالة الاجتماعية تمتلك مناعة مؤسسية طويلة الأمد، بينما تلك التي تعتمد على الردع المجرد تبقى عرضة للاهتزاز عند أول أزمة سياسية أو اقتصادية. ومن هنا، فإن تحليل الاستقرار المجتمعي يستوجب قراءة معمقة للميزان التشريعي الذي ينظمه.

لقد أرسى دستور جمهورية العراق جملة من المبادئ التي تشكل الأساس الدستوري للسلم الأهلي، وفي مقدمتها مبدأ المساواة أمام القانون، وضمان الحقوق والحريات العامة، والتأكيد على استقلال القضاء. غير أن الإشكالية الجوهرية تكمن في الفجوة بين النصوص والتطبيق، إذ إن استقرار النص الدستوري لا يكفي ما لم يُترجم إلى تشريعات وسياسات عامة منسجمة تحقق أثرها الواقعي في حياة المواطنين.

وفي سياق مواجهة التحديات الأمنية، اتجه المشرع العراقي إلى تبني مقاربة جزائية واضحة، من أبرز تجلياتها قانون مكافحة الإرهاب، الذي جاء استجابة لظروف استثنائية فرضتها المرحلة الانتقالية. وعلى الرغم من أهمية الردع لحماية النظام العام، فإن الاقتصار على المعالجة العقابية دون تبني سياسات وقائية تنموية قد يؤدي إلى إدامة أسباب التوتر بدلاً من معالجتها جذرياً.

ومن الناحية الاجتماعية-الاقتصادية، تشكل البطالة وتفاوت التنمية وضعف الخدمات العامة عوامل ضاغطة على التماسك المجتمعي. فحين تتراجع العدالة التوزيعية، يضعف الشعور بالانتماء، ويتصدع مفهوم العقد الاجتماعي. وهنا يتجلى الدور البنيوي للتشريع في إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، عبر قوانين تعزز الشفافية وتكافؤ الفرص وتفعيل أدوات الرقابة والمساءلة.

كما يبرز التحدي في تنظيم حرية التعبير ومكافحة خطاب الكراهية ضمن معايير دستورية واضحة، بحيث لا تتحول القيود إلى أدوات تضييق سياسي، ولا تُترك الساحة لخطابات تحريضية تهدد السلم الأهلي. فالتوازن بين الحرية والنظام العام يمثل جوهر الفقه الدستوري 

وعليه فأن الاستقرار المجتمعي الحقيقي لا يتحقق عبر تضخم النصوص الجزائية، بل عبر مشروع تشريعي متكامل يربط بين الأمن والتنمية وحقوق الإنسان. فالقانون الفاعل هو الذي يعالج جذور المشكلة لا مظاهرها، ويؤسس لثقافة قانونية قوامها الثقة لا الخشية.

لذلك، فإن تحديث المنظومة التشريعية في العراق ينبغي أن يستند إلى:

 1. اعتماد دراسات الأثر التشريعي قبل إصدار القوانين.

 2. تعزيز الرقابة الدستورية وضمان استقلال القضاء.

 3. موازنة السياسات الأمنية مع البرامج التنموية.

 4. إشراك المجتمع المدني والجامعات في الحوار التشريعي.

إن الرهان على الاستقرار ليس رهانا أمنياً بحتاً، بل هو رهان تشريعي-مؤسسي يعيد بناء الثقة بين الفرد والدولة، ويجعل من العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية التطبيقية أساساً للسلم الأهلي المستدام.

المصادر:

 1. دستور جمهورية العراق.

2.قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005.

ذات صلة

العدالة في المنظور الإسلاميإرادة رمضان: كيف نتحرر من التوحش الاستهلاكي لنصنع الإنسان السيّد؟حتمية الانسجام مع سنة اللهالعفن الفكري.. أسبابه، معالجاته، ونتائجهالإطار التنسيقي والمخاض العسير