ثلاثة لقاءات وخريطة متحركة.. هل يولد شرق أوسط جديد؟

شبكة النبأ

2026-08-08 08:48

خلال فترة زمنية متقاربة، استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ثلاثة قادة من دول شكّلت، بدرجات مختلفة، المجال الجغرافي والسياسي لشبكة النفوذ الإيراني في المشرق العربي: الرئيس السوري أحمد الشرع، ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، والرئيس اللبناني جوزيف عون.

حمل كل واحد منهم إلى واشنطن ملفات داخلية مختلفة، لكن اللقاءات الثلاثة التقت عند قضايا متشابهة: حصر السلاح بيد الدولة، تقليص نفوذ الجماعات المرتبطة بإيران، ضبط الحدود، دعم المؤسسات العسكرية الرسمية، وفتح مسارات جديدة للتعاون الاقتصادي والسياسي مع الولايات المتحدة.

وتبدو الصورة، من الخارج، وكأن واشنطن تتحرك لاستثمار الضعف الذي أصاب ما تسميه إيران وحلفاؤها «محور المقاومة». غير أن قراءة أكثر تدقيقًا تظهر ثلاث حالات متباينة: سوريا ابتعدت بصورة واضحة عن التحالف الاستراتيجي مع طهران بعد سقوط نظام بشار الأسد، والعراق يحاول توسيع هامش استقلاله مع الحفاظ على توازن دقيق بين الولايات المتحدة وإيران، أما لبنان فيواجه صراعًا داخليًا حول قدرة الدولة على احتكار السلاح في ظل استمرار الثقل السياسي والعسكري لحزب الله.

لذلك، لا تكفي صور اللقاءات في البيت الأبيض للحديث عن انتقال الدول الثلاث إلى محور تقوده الولايات المتحدة. السؤال الأكثر دقة هو ما إذا كانت حكومات دمشق وبغداد وبيروت تمتلك القدرة على ملء الفراغ الناتج عن تراجع النفوذ الإيراني، وبناء مؤسسات قادرة على فرض قراراتها داخل حدودها.

طريق طهران إلى المتوسط

على مدى عقود، مثّلت سوريا والعراق ولبنان حلقات مترابطة في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، لكن طبيعة ارتباط كل منها بطهران لم تكن متطابقة.

كان نظام الأسد حليفًا رسميًا واستراتيجيًا لإيران، ووفّر لها طريقًا جغرافيًا لنقل الأسلحة والدعم إلى حزب الله في لبنان. وفي العراق، استفادت طهران من علاقاتها مع أحزاب وفصائل مسلحة أصبحت جزءًا من النظام السياسي والأمني بعد عام 2003. أما في لبنان، فتركز النفوذ الإيراني بصورة أساسية في حزب الله، الذي يمتلك قوة عسكرية وسياسية تتجاوز في جوانب أساسية قدرات الدولة.

ويصف المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية هذه المنظومة بأنها جزء من استراتيجية «الدفاع المتقدم»، التي تهدف إلى إبعاد المواجهات المحتملة ئن الأراضي الإيرانية، وبناء قدرات عسكرية وسياسية حليفة بالقرب من خصوم طهران.

لكن سقوط نظام الأسد، وتعرض حزب الله لضربات عسكرية وسياسية، وتصاعد الضغوط على الفصائل العراقية، أضعفت الترابط بين حلقات الشبكة. وترى دراسة صادرة عن مؤسسة كارنيغي أن خسارة إيران حليفها في دمشق قلّصت قدرتها على الوصول إلى لبنان وإعادة تسليح حزب الله.

هذا التراجع لا يعني بالضرورة انهيار المنظومة بالكامل. فقد بنت إيران خلال عقود شبكات سياسية واقتصادية واجتماعية لا تعتمد حصريًا على الحكومات، ما يمنحها قدرة على التكيف والعمل من خلال حلفاء محليين حتى في حال تغير التوازنات الرسمية.

الشرع يقلب اتجاه دمشق

تمثل سوريا الحالة الأكثر وضوحًا في التحول بعيدًا عن إيران. فالقيادة الجديدة برئاسة أحمد الشرع ورثت دولة أنهكتها الحرب والعقوبات والانقسامات، لكنها لم ترث التحالف السياسي والعسكري الذي جمع نظام الأسد بطهران.

ركزت لقاءات الشرع مع ترامب على رفع العقوبات، وإعادة بناء الاقتصاد السوري، والحصول على الاعتراف الدولي، والحفاظ على وحدة البلاد. وقدمت دمشق انفتاحها على واشنطن باعتباره بداية لمرحلة جديدة من العلاقات، بعد عقود من العزلة والخصومة.

وبحسب الرواية الرسمية التي نشرتها [وكالة سانا] تحدث الشرع عن توافق مع الإدارة الأمريكية على دعم استقرار سوريا ووحدة أراضيها واقتصادها. وفي المقابل، اتخذت واشنطن خطوات لتخفيف القيود المفروضة على دمشق، شملت إلغاء برنامج العقوبات على سوريا وبدء إجراءات إزالة اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفق البيت الأبيض

ولا يقتصر التقارب على الاقتصاد والعقوبات. تنظر الولايات المتحدة إلى الحكومة السورية الجديدة باعتبارها طرفًا قادرًا على قطع طرق تهريب الأسلحة إلى حزب الله، وإبعاد القوات والشبكات المرتبطة بإيران، والتعاون في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، وضبط الحدود مع العراق ولبنان.

لكن حدود هذا التقارب ظهرت عندما تحدث ترامب عن دور محتمل لسوريا في مواجهة حزب الله. فقد رفضت دمشق الانخراط في عمل عسكري داخل لبنان، محذرة من أن ذلك قد يعيد إشعال توترات طائفية ويجر سوريا، الخارجة من حرب طويلة، إلى مواجهة جديدة. وأظهر تقرير لـ[رويترز] وجود تباين بين رغبة واشنطن في توظيف التحول السوري ضد حزب الله، وحرص الشرع على تجنب التدخل العسكري في الشؤون اللبنانية.

وبذلك، تبدو دمشق قد خرجت من التحالف الاستراتيجي مع إيران، لكنها لا تسعى بالضرورة إلى الانضمام لمحور مضاد. هدفها المباشر هو استخدام الانفتاح على الولايات المتحدة ودول الخليج وأوروبا للحصول على الموارد والشرعية اللازمتين لإعادة بناء الدولة، مع تجنب التحول إلى ساحة مواجهة بين واشنطن وطهران أو بين إسرائيل وإيران.

الزيدي بين واشنطن والفصائل

تختلف الحالة العراقية عن نظيرتها السورية. فالعراق، بوصفه دولة، لم يكن عضوًا كاملًا في محور المقاومة، بل حافظ على علاقات أمنية واقتصادية مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي امتلكت فيه إيران نفوذًا واسعًا من خلال أحزاب وفصائل مسلحة ومؤسسات سياسية.

من هنا، لا تعني زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن انتقال العراق من معسكر إلى آخر. لكنها تشير إلى محاولة الحكومة توسيع هامش استقلال القرار العراقي، وإعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة على أسس سياسية واقتصادية، بدل حصرها في الوجود العسكري والحرب على الإرهاب.

وثّق البيت الأبيض الاجتماع الثنائي بين ترامب والزيدي، فيما أظهرت التغطيات اللاحقة أن ملف حصر السلاح بيد الدولة كان ضمن أبرز القضايا المطروحة. كما ناقش الطرفان التعاون الاقتصادي والطاقة والاستثمار والعلاقات الإقليمية ومستقبل الشراكة الأمنية.

ويشير تحليل نشره مركز أورسام إلى احتمال حدوث تحول هيكلي في العلاقات العراقية–الأمريكية، يقوم على الانتقال من الوجود العسكري إلى الشراكة الاقتصادية. لكنه يلفت أيضًا إلى محدودية قدرة الحكومة على فرض سيطرتها الكاملة على المجال الأمني.

فالفصائل القريبة من إيران لا تعمل خارج النظام السياسي فقط، بل تمتلك تمثيلًا برلمانيًا وعلاقات داخل مؤسسات الدولة وموارد اقتصادية وشبكات اجتماعية. كما تعتمد الحكومات العراقية عادة على تحالفات تضم قوى تختلف في موقفها من الولايات المتحدة وإيران.

وعليه، فإن أي محاولة سريعة لتفكيك الفصائل أو نزع أسلحتها قد تتحول إلى أزمة سياسية أو أمنية. وفي الوقت نفسه، قد يؤدي الامتناع عن معالجة الملف إلى إبقاء قرار الحرب والسلم موزعًا بين الحكومة والجماعات المسلحة.

تسعى بغداد، في هذا السياق، إلى معادلة صعبة: الحفاظ على التعاون مع الولايات المتحدة، ومنع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية، وتجنب مواجهة داخلية مع القوى المرتبطة بطهران. ولذلك تمثل زيارة الزيدي إعادة توازن أكثر مما تمثل انقلابًا كاملًا في السياسة الخارجية العراقية.

الطاقة بوصفها بوابة للاستقلال السياسي

لم يكن ملف الطاقة خلال زيارة علي الزيدي إلى واشنطن منفصلًا عن الصراع على اتجاه السياسة الخارجية العراقية. فالعراق، رغم امتلاكه واحدًا من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، ظل يعتمد على الغاز المستورد لتشغيل جزء مهم من محطات الكهرباء، ولا سيما الغاز الإيراني. وقد جعل هذا الاعتماد أمن الطاقة العراقي مرتبطًا بالعقوبات الأمريكية على طهران وبالتوترات الإقليمية التي تؤثر في انتظام الإمدادات.

وفي عام 2025، كان الغاز الإيراني يساهم في إنتاج نحو 43 في المئة من الكهرباء العراقية، وفق مسؤول عراقي تحدث إلى رويترز وظهرت هشاشة هذا الاعتماد بصورة أكثر وضوحًا بعد تضرر حقل بارس الجنوبي الإيراني، عندما انخفضت الإمدادات إلى العراق إلى خمسة ملايين متر مكعب يوميًا، مقارنة بكمية تعاقدية تبلغ 50 مليونًا، ما أثر مباشرة في استقرار الشبكة الكهربائية، بحسب رويترز

لهذا، حمل الزيدي إلى واشنطن خطة تتجاوز زيادة إنتاج النفط، وتركز على جذب استثمارات أمريكية إلى قطاعات الغاز والكهرباء والتكرير وجمع الغاز المصاحب. وخلال اجتماعه مع شركة إكسون موبيل في هيوستن، أكد اهتمام حكومته بإنهاء استيراد الغاز المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء، واستثمار الغاز المصاحب الذي يُحرق في الحقول العراقية، وتطوير المصافي لزيادة القيمة المضافة، وفق [وكالة الأنباء العراقية].

وشملت المباحثات والاتفاقات المحتملة دخول شركات أمريكية في حقلي غرب القرنة 2 والناصرية، وتوسيع التعاون في إنتاج الغاز ونقل الكهرباء وتطوير خطوط بديلة لتصدير النفط. وقال وزير النفط العراقي إن قيمة الاتفاقات الموقعة مع الشركات الأمريكية خلال الزيارة قد تصل إلى نحو 200 مليار دولار، لكن هذا الرقم يعبر عن تقديرات حكومية لاتفاقات ومشروعات تمتد لسنوات، وليس عن استثمارات منفذة فورًا، بحسب [رويترز].

ويحمل التعاون الطاقي بعدًا استراتيجيًا آخر يتعلق بمسارات تصدير النفط. فقد أظهرت الاضطرابات في مضيق هرمز مدى تعرض الاقتصاد العراقي للمخاطر، لأن الجزء الأكبر من صادراته النفطية يمر عبر الخليج. ولذلك بحثت بغداد مع الشركات الأمريكية تطوير خطوط تساعد على نقل النفط عبر منافذ بديلة، بالتوازي مع إعادة تنشيط طريق كركوك–جيهان عبر تركيا. وأكدت رويترز أن شيفرون ناقشت مع الجانب العراقي إجراء دراسات فنية لمسارات أنابيب يمكن أن تقلل الاعتماد على مضيق هرمز.

ومن منظور واشنطن، يمكن للاستثمارات الأمريكية في الغاز والكهرباء أن تقلص اعتماد العراق على إيران، وتحد من إحدى أهم أدوات نفوذ طهران الاقتصادية. أما بالنسبة إلى بغداد، فإن تنويع مصادر الطاقة يمنحها قدرة أكبر على المناورة بين الطرفين، ويحمي شبكة الكهرباء من العقوبات والحروب وانقطاع الإمدادات.

لكن تحويل هذه الخطط إلى استقلال فعلي يواجه عقبات كبيرة، تشمل ضعف البنية التحتية، وحرق كميات كبيرة من الغاز المصاحب، والفساد والبيروقراطية، والخلافات بين بغداد وإقليم كردستان، والحاجة إلى سنوات لتنفيذ المشروعات. كما أن استبدال الشركات الإيرانية بشركات أمريكية لا يضمن بمفرده أمن الطاقة ما لم يطور العراق إنتاجه المحلي وشبكات النقل والتوزيع.

وبذلك، تبدو الطاقة في زيارة الزيدي أكثر من ملف اقتصادي. إنها جزء من محاولة نقل العلاقة العراقية–الأمريكية من الوجود العسكري إلى شراكة استثمارية، ومنح بغداد بدائل تقلل اعتمادها على طهران. غير أن النتيجة المحتملة ليست انتقال العراق إلى محور أمريكي، بل امتلاكه مساحة أوسع لاتخاذ قراراته من دون أن تكون حاجته إلى الغاز الإيراني أو الضغط الأمريكي العامل الحاسم فيها.

عون ومعركة استعادة قرار الدولة

في لبنان، تتركز المسألة في العلاقة بين مؤسسات الدولة وحزب الله. فالدولة اللبنانية لم تكن عضوًا رسميًا في محور المقاومة، لكن امتلاك الحزب قوة عسكرية مستقلة وعلاقته الوثيقة بإيران جعلا لبنان ساحة مركزية في المواجهة الإقليمية.

ذهب الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن حاملًا ملفين متداخلين: دعم الجيش اللبناني وحصر السلاح بيد الدولة من جهة، والضغط من أجل انسحاب القوات الإسرائيلية ووقف الهجمات على الأراضي اللبنانية من جهة أخرى.

وأفادت رويترز بأن عون اعتبر ترامب أفضل فرصة للضغط من أجل الانسحاب الإسرائيلي، كما طلب دعمًا سياسيًا وعسكريًا للجيش اللبناني. وجرى اللقاء في البيت الأبيض في 21 يوليو/تموز 2026، وفق التوثيق الرسمي المنشور من البيت الأبيض

تكمن المعضلة اللبنانية في أن نزع سلاح حزب الله لا يمكن التعامل معه كمسألة تقنية منفصلة عن الصراع مع إسرائيل أو عن النظام السياسي الطائفي. فالحزب لا يزال يمتلك قاعدة شعبية وتمثيلًا سياسيًا وشبكات اجتماعية، ويبرر احتفاظه بالسلاح باستمرار الاحتلال والتهديدات الإسرائيلية.

وفي المقابل، ترى قوى لبنانية أن استمرار وجود قوة مسلحة خارج المؤسسات يمنع الدولة من امتلاك قرار أمني مستقل، ويعرض البلاد لخوض حروب لا تقررها الحكومة.

كما أثار اقتراح ترامب منح سوريا دورًا في التعامل مع حزب الله حساسية لبنانية واضحة. فبيروت، حتى مع تحسن علاقتها بدمشق الجديدة، لا تريد عودة أي وصاية أمنية سورية. وأكدت اتصالات بين عون والشرع ضرورة حصر العلاقة في التعاون الرسمي بين الدولتين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بحسب رويترز

لذلك، يعتمد التحول اللبناني على معادلة تتجاوز قدرة واشنطن وحدها: انسحاب إسرائيلي، وضمانات أمنية، ودعم فعلي للجيش، وتسوية داخلية تمنع تحول حصر السلاح إلى مواجهة أهلية.

ثلاث دول وثلاث درجات من التحول

تكشف المقارنة بين الحالات الثلاث أن الحديث عن خروج جماعي من محور المقاومة يخفي اختلافات جوهرية.

في سوريا، حدث تحول على مستوى الدولة والنظام السياسي؛ فقد انتهى التحالف الرسمي مع إيران، وتحولت دمشق نحو الولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا وأوروبا بحثًا عن الدعم والاعتراف.

في العراق، يجري التحول داخل نظام تتداخل فيه الدولة مع قوى وفصائل تمتلك علاقات متينة بطهران. ولذلك تسعى الحكومة إلى إعادة التوازن وليس إلى قطع العلاقة مع إيران.

أما في لبنان، فالصراع ليس بين حكومتين قديمة وجديدة، بل بين مشروع استعادة سلطة الدولة واستمرار البنية العسكرية والسياسية لحزب الله.

وتستخدم واشنطن أدوات مختلفة في كل ساحة. ففي سوريا تعرض رفع العقوبات والاعتراف والاستثمارات مقابل التعاون الأمني وإبعاد إيران. وفي العراق تقدم دعمًا سياسيًا واقتصاديًا مقابل ضبط الفصائل ومنع استخدام الأراضي العراقية في الهجمات الإقليمية. وفي لبنان تركز على دعم الجيش وحصر السلاح، بالتوازي مع الوساطة بشأن الانسحاب الإسرائيلي.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو أن الولايات المتحدة تبني محورًا أيديولوجيًا جديدًا بقدر ما تحاول نقل مركز القوة من الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران إلى الحكومات والجيوش الرسمية. لكن نجاح هذه المقاربة يعتمد على ما إذا كانت واشنطن ستقدم موارد وضمانات كافية، وليس فقط مطالب أمنية.

محور متراجع لكنه لم ينتهِ

على الرغم من الخسائر التي أصابت شبكة إيران، يحذر باحثون من المبالغة في إعلان نهايتها. فقد استثمرت طهران على مدى عقود في بناء علاقات محلية عسكرية وسياسية واقتصادية، مستفيدة من ضعف المؤسسات والانقسامات الداخلية.

ويرى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن النفوذ الإيراني لا يمكن تفكيكه سريعًا من خلال الضغط العسكري أو الاقتصادي، وأن سياسات الإكراه قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم تترافق مع تقوية مؤسسات الدولة ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

كما أن استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان وسوريا قد يمنح الجماعات المسلحة مبررات جديدة للاحتفاظ بأسلحتها، ويعيد تنشيط خطاب المقاومة. وفي العراق، تستطيع الفصائل استخدام حضورها السياسي لإبطاء قرارات الحكومة أو تعطيلها. أما في لبنان، فإن محاولة نزع سلاح حزب الله بالقوة قد تهدد السلم الأهلي.

لقد خسرت إيران جزءًا مهمًا من الممر الجغرافي المتصل الذي كان يمتد من حدودها عبر العراق وسوريا إلى لبنان، لكنها لم تخسر جميع الأدوات المحلية التي بنتها داخل هذه الدول.

لماذا يحتاج القادة الثلاثة إلى ترامب؟

تختلف حسابات الشرع والزيدي وعون، لكنهم يشتركون في حاجتهم إلى الدعم الخارجي.

يحتاج الشرع إلى رفع العقوبات والاستثمارات وإعادة الإعمار والاعتراف الدولي. ويحتاج الزيدي إلى دعم اقتصادي وسياسي يساعده على تثبيت حكومته وتوسيع سلطة الدولة. أما عون فيحتاج إلى تمويل الجيش وإعادة إعمار لبنان وضمان انسحاب إسرائيل.

لكن القادة الثلاثة يواجهون كذلك خطر الظهور بوصفهم أدوات في استراتيجية أمريكية ضد إيران. ومن شأن هذا الانطباع أن يضعف مواقعهم الداخلية ويمنح خصومهم مادة سياسية لتعبئة الرأي العام ضدهم.

لذلك، يرجح أن يحاول كل منهم تحويل العلاقة مع واشنطن إلى مكاسب داخلية، مع الحفاظ على مسافة عن أي مواجهة أمريكية مفتوحة مع إيران. وقد يكون هذا هو الحد الفاصل بين التقارب مع الولايات المتحدة والانضمام إلى محور تقوده.

إعادة تموضع أم نظام إقليمي جديد؟

يمكن أن تتجه التطورات نحو واحد من ثلاثة مسارات رئيسية:

يتمثل الأول في نجاح الحكومات في بناء مؤسسات أقوى وضبط الحدود والسلاح، بالتوازي مع تدفق الاستثمارات والدعم الدولي. وهذا السيناريو يعني تراجعًا تدريجيًا ومستدامًا للنفوذ الإيراني.

أما الثاني، وهو الأكثر ترجيحًا، فيتمثل في إعادة تموضع متدرج؛ تتوسع فيه علاقات الدول الثلاث مع واشنطن والعواصم العربية، لكنها تحافظ على قنوات مع إيران وتتجنب تفكيك جميع شبكاتها دفعة واحدة.

ويقوم السيناريو الثالث على تعثر المسار نتيجة استمرار العمليات الإسرائيلية، أو فشل الولايات المتحدة في تقديم مكاسب اقتصادية، أو اندلاع مواجهات داخلية بشأن السلاح. وفي هذه الحالة قد تستعيد إيران بعض نفوذها من خلال حلفائها المحليين مستفيدة من الفراغ والتوتر.

تكشف لقاءات الشرع والزيدي وعون مع ترامب أن مركز الثقل في المشرق بدأ يتحرك بعيدًا عن المعادلة التي حكمت المنطقة خلال العقدين الماضيين، حين وفرت سوريا الطريق الجغرافي، والعراق العمق السياسي واللوجستي، وحزب الله القوة العسكرية المتقدمة لإيران.

لكن تفكيك تلك المعادلة لا يتحقق بالزيارات الدبلوماسية وحدها. فسوريا تحتاج إلى بديل اقتصادي مستدام عن إيران، والعراق يحتاج إلى مؤسسات قادرة على إخضاع الفصائل للقانون، ولبنان يحتاج إلى تسوية تجمع بين حصر السلاح وانسحاب إسرائيل.

وحتى تتحقق هذه الشروط، سيظل محور المقاومة متراجعًا ومجزأً، لكنه لن يكون منتهيًا. فالسؤال لم يعد ما إذا كانت سوريا والعراق ولبنان ستغادر محور إيران، بل ما إذا كانت دولها قادرة على ملء المساحة التي يتركها تراجع ذلك المحور قبل أن تعود القوى المسلحة لشغلها.

* المصادر: وكالة رويترز، وكالة أسوشيتد برس، وكالة الأنباء العراقية «واع»، الموقع الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء العراقي، قناة الجزيرة الإنجليزية، موقع المونيتور، مركز أورسام للدراسات، البيت الأبيض، موقع The New Region

ذات صلة

تعاسة العيش بالنسبية.. حين يختلط الحق بالباطلعندما تتأخر الرواتب: كيف تتآكل ثقة المواطن وتتراجع إنتاجية الدولة؟صمت الطريق بعد الأربعيناقتصاد العراق في غرفة الإنعاش: هل تنجح محاولات الإنقاذ؟كيف يتأثر تصنيع البلاستيك بالاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط؟