حياة العراقيين بين سندان الصيف الملتهب ومطرقة فساد الكهرباء
شبكة النبأ
2026-07-18 04:59
لم تعد أزمة الكهرباء في العراق ملفًا خدميًا يمكن التعامل معه بوصفه مشكلة موسمية تتكرر كل صيف، كما لم تعد موجات الحر مجرد ظاهرة مناخية عابرة ترفع درجات الحرارة وتزيد معاناة المواطنين. ما يواجهه العراق اليوم هو تداخل خطير بين ثلاثة عناصر: حرّ متصاعد يقترب في بعض الأيام من حدود الخمسين درجة مئوية، وشبكة كهرباء عاجزة عن تلبية الطلب، وبنية إدارية وسياسية أثقلها الفساد والبيروقراطية وسوء التخطيط.
هذا التداخل يجعل الصيف العراقي أكثر من اختبار للقدرة على التحمّل. إنه اختبار مباشر لقدرة الدولة على حماية الحياة اليومية لمواطنيها. فحين تنقطع الكهرباء في ذروة الحر، لا يكون الأمر مجرد انقطاع في خدمة منزلية، بل يتحول إلى خطر صحي واجتماعي واقتصادي، خصوصًا على كبار السن، والأطفال، والمرضى، والعمال، والفقراء الذين لا يملكون بدائل تبريد كافية.
في بغداد، وثّقت رويترز مشاهد يوم 23 حزيران/يونيو 2026 حين اقتربت درجات الحرارة من 50 درجة مئوية، واضطر بعض أصحاب المحال إلى توفير مراوح رشّ الماء للمارة، فيما أدت زيادة استخدام أجهزة التكييف والتبريد إلى ضغط كبير على الشبكة وانقطاعات في أحياء عديدة. هذه الصورة تختصر جوهر الأزمة: الحر يرفع الطلب على الكهرباء، وضعف الكهرباء يزيد التعرض للحر، ثم تتحول الحلقة إلى معاناة يومية واحتجاج اجتماعي.
من أزمة خدمات إلى خطر صحي عام
لم يعد ممكنًا النظر إلى الكهرباء في العراق بوصفها خدمة عادية. في بلد ترتفع فيه درجات الحرارة إلى مستويات قاسية، تصبح الكهرباء خط دفاع صحيًا لا يقل أهمية عن الدواء والماء والنقل العام. فالتبريد ليس رفاهية في الصيف العراقي، بل وسيلة لحماية الإنسان من الإجهاد الحراري وضربات الشمس وتفاقم الأمراض المزمنة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الحر الشديد يمثل خطرًا بيئيًا ومهنيًا كبيرًا، ويمكن أن يفاقم أمراض القلب والسكري والربو والصحة النفسية، كما أن ضربة الشمس تعد حالة طبية طارئة ذات معدل وفاة مرتفع. وتشير المنظمة أيضًا إلى أن التعرض للحر الشديد يتزايد في جميع مناطق العالم بفعل تغير المناخ.
في العراق، تزداد خطورة هذه المعادلة لأن الكهرباء هي الوسيلة الأساسية للحماية من الحر داخل المنازل والمستشفيات والمدارس وأماكن العمل. وعندما تتعطل الشبكة أو تنخفض ساعات التجهيز، يصبح المواطن مكشوفًا أمام الخطر. ومن هنا، فإن معالجة أزمة الكهرباء ليست ملفًا فنيًا يخص وزارة واحدة، بل سياسة صحة عامة، وعدالة اجتماعية، وأمن إنساني.
فالأسرة التي تمتلك مولدة خاصة أو قدرة على شراء الوقود تستطيع أن تخفف أثر الانقطاع، بينما تبقى الأسر الفقيرة في مواجهة مباشرة مع الحر. والمريض الذي يحتاج إلى تبريد مستمر أو أجهزة طبية كهربائية يتضرر أكثر من غيره. والعامل في الهواء الطلق يخسر من صحته وإنتاجيته. وهكذا تتحول أزمة الكهرباء إلى كاشف للفوارق الاجتماعية: من يستطيع شراء التبريد ينجو جزئيًا، ومن لا يستطيع يدفع الثمن بجسده وراحته وكرامته.
حلقة الانهيار الصيفية
في كل صيف تقريبًا، يدخل العراق في حلقة ضغط متكررة: ترتفع الحرارة، فيزداد الطلب على التبريد، فتتعرض الشبكة لضغط يفوق قدرتها، فتتزايد الانقطاعات، فيلجأ المواطنون إلى المولدات الخاصة، فيرتفع الإنفاق الأسري والتلوث والضجيج، ثم تتحول الأزمة إلى غضب شعبي.
هذه الحلقة لا تنتج عن المناخ وحده. فالمناخ يرفع الضغط، لكنه لا يفسر وحده استمرار الأزمة لعقود. المشكلة الأعمق تكمن في ضعف التخطيط، وفقدان الكفاءة، والهدر الفني والتجاري، وتسييس القرارات، وتراكم شبكات مصالح استفادت طويلًا من بقاء الكهرباء في حالة عجز.
وقد أشار معهد واشنطن في تحليل لقطاع الكهرباء العراقي إلى أن فجوة العرض والطلب تتسع بفعل الخسائر الفنية والتجارية، وأن التحديات المالية والفساد العالي المستوى يزيدان من تعقيد المشكلة. كما لفت إلى أن العراق كان يولد نحو 24 ألف ميغاواط، في وقت كانت الحاجة المقدرة تقارب 34 ألف ميغاواط، وأن الخسائر الفنية والتجارية بلغت في وقت سابق نحو 50 إلى 60%، وهي من بين الأعلى عالميًا.
هذه الأرقام تكشف أن الأزمة ليست فقط في قلة الإنتاج. فحتى عندما يرتفع التوليد، تبقى الشبكة غير قادرة على نقل الكهرباء وتوزيعها بكفاءة، وتستمر الخسائر والهدر والتجاوزات وضعف الجباية. ولذلك فإن أي حل يقتصر على بناء محطات جديدة من دون إصلاح التوزيع والجباية والإدارة سيعيد إنتاج المشكلة نفسها.
الفساد في قلب العتمة
حين يتحدث العراقيون عن أزمة الكهرباء، فإنهم لا يتحدثون عن أسلاك ومحطات فقط، بل عن سنوات طويلة من الوعود والعقود والموازنات والنتائج المحدودة. فالفساد في قطاع الكهرباء لا يظهر فقط في ملفات التحقيق أو الصفقات المشبوهة، بل يظهر في كل ساعة انقطاع، وفي كل مشروع يتأخر، وفي كل محطة لا تعمل بكامل طاقتها، وفي كل شبكة لا تستطيع تحمل الطلب.
الفساد هنا لا يعني السرقة المباشرة فقط، بل يشمل منظومة أوسع: عقود غير شفافة، بيروقراطية معطلة، تضارب صلاحيات، حماية سياسية لبعض المصالح، ضعف في الرقابة، سوء في التنفيذ، وتردد في اتخاذ قرارات إصلاحية صعبة. هذه العناصر مجتمعة تجعل الكهرباء أحد أوضح الأمثلة على كيف يمكن أن يتحول الفساد من مشكلة مالية إلى خطر على الحياة اليومية.
وقد أوضح البنك الدولي في وثيقة مشروع إعادة بناء وتحسين خدمات الكهرباء في العراق أن إصلاح قطاع الطاقة يحتاج إلى معالجة قيود سلسلة القيمة من الغاز إلى التوليد والنقل والتوزيع، مع تحسين العمليات التجارية، وتطوير الأداء، وتعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة المشاريع. كما أشار إلى أن استخدام تتبع المعدات المشتراة جغرافيًا يمكن أن يساعد في رفع مستوى الشفافية والمحاسبة.
وهذه النقطة مهمة لأنها تنقل النقاش من سؤال “كم نحتاج من الميغاواط؟” إلى سؤال أعمق: كيف تُدار الكهرباء؟ من يخطط؟ من يراقب؟ من يحاسب؟ وكيف يمكن منع تحويل المشاريع إلى قنوات للربح السياسي أو الإداري؟
حملة الزيدي.. بداية أم فرصة لتحول جذري؟
في هذا السياق، تكتسب حملة رئيس الوزراء علي الزيدي ضد الفساد أهمية خاصة. فالحملة، إذا بقيت محصورة في الاعتقالات والملفات الفردية، ستبقى محدودة الأثر. أما إذا تحولت إلى إصلاح بنيوي في القطاعات الأكثر تماسًا مع حياة الناس، وفي مقدمتها الكهرباء، فقد تصبح بداية لتحويل الأزمة إلى فرصة.
منذ توليه منصبه في أيار/مايو 2026، ركز الزيدي على مكافحة الفساد. وذكرت الجزيرة أن حملة الاعتقالات والتحقيقات أدت إلى مصادرة عشرات الملايين من الدولارات وممتلكات وسيارات وذهب في قضايا مرتبطة بالاختلاس، بينها قضية تتعلق بوزارة النفط. كما أشارت إلى أن الحملة أثارت اهتمامًا شعبيًا واسعًا لأنها أعادت الفساد إلى مركز النقاش العام.
وفي السياق نفسه، نقلت الـ مونيتور أن عمليات الاعتقال جاءت بأوامر مباشرة من الزيدي بعد صدور مذكرات قضائية ضمن حملة ضد شبكات فساد مشتبه بها، فيما أكدت تقارير أخرى أن الزيدي تعهد بمواجهة الفساد المتجذر في الدولة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق الحملة، بل في وجهتها. فالتجربة العراقية أظهرت أن تعدد الهيئات واللجان لا يكفي إذا بقيت شبكات النفوذ أقوى من أدوات المساءلة. وقد حذّر تحليل في تشاتام هاوس من أن إنشاء مجالس وهيئات جديدة لمكافحة الفساد في العراق لا يعالج وحده مشكلة الإفلات من العقاب، وأن الفساد ما يزال يستنزف الموارد ويقوض ثقة المواطنين، رغم كثرة المؤسسات الرقابية منذ عام 2003.
لذلك فإن اختبار حملة الزيدي لا يكون في عدد الموقوفين فقط، بل في قدرتها على تفكيك البيروقراطية الفاسدة التي تجعل المشاريع الأساسية بطيئة، مكلفة، ومفتوحة للهدر. وإذا كان قطاع الكهرباء أكثر القطاعات حضورًا في حياة المواطن، فإنه يمكن أن يكون أيضًا أكثر القطاعات قدرة على إثبات جدية الإصلاح.
تحويل الأزمة إلى فرصة
قد تبدو أزمة الكهرباء عبئًا ثقيلًا، لكنها يمكن أن تتحول إلى فرصة إذا تعاملت معها الحكومة بوصفها مشروعًا وطنيًا شاملًا، لا بوصفها ملف طوارئ صيفية. فالطلب المتزايد على الطاقة، والضغط الشعبي، واهتمام الشركات الأجنبية، وحملة مكافحة الفساد، كلها عوامل يمكن أن تُستثمر لبناء مسار إصلاحي واضح.
وقد جاء تحرك الزيدي نحو واشنطن في هذا الإطار الأوسع. فخلال زيارته إلى الولايات المتحدة في تموز/يوليو 2026، سعى إلى جذب استثمارات أميركية كبيرة في قطاعات النفط والغاز والكهرباء. وذكرت رويترز أن الحكومة أجازت لوزارة الكهرباء إتمام اتفاق تعاون شامل مع جنرال إلكتريك لتوسيع بنية التوليد والنقل، كما وجّه الزيدي وزارات النفط والكهرباء والاتصالات إلى إعطاء الأولوية للشركات الأميركية الموثوقة في الطاقة والتكنولوجيا والتنمية.
هذا يفتح بابًا لتحويل أزمة الكهرباء إلى فرصة بثلاثة شروط. الأول أن لا تتحول الاستثمارات إلى صفقات معزولة، بل إلى برنامج وطني لإصلاح القطاع. الثاني أن يكون دعم القطاع الخاص جزءًا من الخطة، لا إضافة هامشية. والثالث أن تكون مكافحة الفساد داخل الكهرباء عملية مؤسسية تشمل العقود، والتوزيع، والجباية، والمشتريات، والصيانة، لا مجرد حملات إعلامية.
دعم القطاع الخاص لا خصخصة بلا ضوابط
من الأخطاء الشائعة في نقاش الكهرباء أن يُختزل الحل بين خيارين: إما دولة تتحكم بكل شيء وتفشل، أو خصخصة واسعة قد تنقل العبء إلى المواطن. لكن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى شراكة مدروسة بين الدولة والقطاع الخاص، مع حماية الفئات الضعيفة وضبط الأسعار ومنع الاحتكار.
يمكن للقطاع الخاص أن يسهم في الطاقة الشمسية اللامركزية، وتحسين الجباية الرقمية، وصيانة الشبكات، وإنشاء محطات صغيرة، وتحديث العدادات، وتطوير خدمات كفاءة الطاقة، وتصنيع معدات محلية، وتقديم حلول تبريد للمؤسسات العامة والمستشفيات والمدارس. لكن ذلك يحتاج إلى قواعد شفافة، ومنافسة عادلة، ورقابة قوية، ومنع تحويل العقود الجديدة إلى محاصصة جديدة.
الدولة يجب أن تبقى ضامنة للعدالة ولأمن الطاقة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تتحمل كل الكلفة ولا أن تدير كل التفاصيل بالطريقة القديمة ذاتها. فإصلاح الكهرباء يحتاج إلى فتح المجال أمام رأس المال والخبرة والإدارة الحديثة، لكن ضمن إطار وطني يمنع تحويل المواطنين إلى رهائن للأسعار أو لمصالح الشركات.
مكافحة البيروقراطية الفاسدة
إذا أرادت الحكومة حل الأزمة جذريًا، فعليها أن تواجه البيروقراطية التي تجعل المشروع البسيط يتعطل، والمناقصة تطول، والصيانة تتأخر، والقرار يتشتت بين أكثر من جهة. فالكهرباء ليست محطة توليد فقط؛ إنها منظومة تبدأ من الوقود، وتمر بالتوليد والنقل والتوزيع والجباية والصيانة والتخطيط.
البيروقراطية الفاسدة تعطل هذه السلسلة عند كل حلقة. فقد يتوفر التمويل ولا ينفذ المشروع في الوقت المناسب. وقد تُشترى المعدات ولا تُركب بكفاءة. وقد تنتج المحطة طاقة لا تستطيع الشبكة نقلها. وقد تصل الكهرباء إلى مناطق بينما تضيع في شبكات قديمة أو تجاوزات أو جباية ضعيفة.
ولهذا، فإن الحل الجذري يبدأ من الإدارة لا من الميغاواط وحدها. المطلوب هو تبسيط إجراءات التعاقد، نشر بيانات المشاريع، تتبع الصرف والمعدات، مراجعة عقود الصيانة، رقمنة الجباية، تقليل التدخلات السياسية، وتحديد جهة مسؤولة عن كل مرحلة. فكل مشروع بلا شفافية يتحول إلى فرصة للهدر، وكل تأخير بلا محاسبة يتحول إلى تكلفة صحية واجتماعية على المواطنين.
هشاشة الإمدادات تزيد الخطر
تُظهر أزمة خور مور الأخيرة أن الكهرباء في العراق ليست مجرد مشكلة داخلية، بل مرتبطة أيضًا بأمن الغاز والبنى التحتية والاستقرار الإقليمي. ففي 16 تموز/يوليو 2026، حذرت وزارة الكهرباء العراقية من احتمال خسارة نحو 1400 ميغاواط من القدرة الوطنية بعد توقف عمليات دانة غاز في حقل خور مور بسبب تهديدات أمنية موثوقة. وذكرت التقارير أن الحقل يزود محطات كهرباء في جمجمال وبازيان وأربيل، بما يسهم في توليد أكثر من 2000 ميغاواط في إقليم كردستان.
هذا التطور يكشف أن إصلاح الكهرباء لا يقتصر على بناء المحطات، بل يتطلب أمنًا للطاقة، وتنويعًا للوقود، واستثمارًا في الغاز المحلي، وتقليل الاعتماد على مصادر قد تتأثر بالتهديدات الأمنية أو التوترات الإقليمية. وفي بلد يتعرض لصيف قاسٍ، فإن أي خسارة مفاجئة في التوليد ليست رقمًا فنيًا، بل ضغط مباشر على حياة الناس.
ما المطلوب عمليًا؟
أولًا، يجب أن تعلن الحكومة أن الكهرباء في الصيف جزء من الأمن الصحي والمناخي، وأن تُعامل ساعات التجهيز للمستشفيات والمدارس ومراكز الرعاية وكبار السن بوصفها أولوية وطنية.
ثانيًا، ينبغي ربط حملة مكافحة الفساد بملف الكهرباء عبر مراجعة العقود الكبرى، وكشف نسب الإنجاز، ونشر بيانات المشاريع المتعثرة، ومحاسبة الجهات التي تسببت في الهدر أو التأخير.
ثالثًا، يجب إصلاح التوزيع والجباية بالتوازي مع التوليد؛ لأن زيادة الإنتاج من دون تقليل الخسائر تشبه صب الماء في وعاء مثقوب.
رابعًا، يمكن إنشاء برنامج وطني للتبريد الآمن يشمل مراكز تبريد عامة في المدن، وتنظيم ساعات العمل في موجات الحر، وحماية العمال، وتوفير تجهيز كهربائي مستقر للمؤسسات الصحية.
خامسًا، يجب توسيع الاستثمار في الغاز المحلي والطاقة الشمسية وكفاءة الطاقة، لأن الطلب على التبريد سيزداد مع تغيّر المناخ، ولن يكون ممكنًا مواجهته بالحلول القديمة.
سادسًا، ينبغي دعم القطاع الخاص المحلي في الصيانة، العدادات الذكية، الطاقة الشمسية، وخدمات الترشيد، مع وضع ضوابط تمنع الاحتكار والفساد.
سابعًا، يجب تحويل التعاون مع الشركات الأجنبية إلى نقل خبرة وبناء قدرة داخلية، لا إلى عقود توريد مؤقتة تنتهي من دون أثر مؤسسي.
خاتمة
في العراق، لا يكشف الصيف قسوة المناخ فقط، بل يكشف قسوة الإدارة حين تعجز الدولة عن تحويل مواردها إلى خدمات مستقرة. فالحر قدر مناخي يتصاعد، لكن انقطاع الكهرباء في ذروته ليس قدرًا، بل نتيجة تراكم طويل من سوء الإدارة، وضعف التخطيط، والفساد، والبيروقراطية التي عطلت الإصلاح.
تستطيع حملة الزيدي ضد الفساد أن تكون بداية مهمة إذا اتجهت إلى القطاعات التي تمس حياة المواطنين مباشرة، وفي مقدمتها الكهرباء. لكن النجاح لن يقاس بعدد الاعتقالات، بل بقدرة الحكومة على تفكيك شبكات التعطيل، وفتح القطاع للاستثمار المنظم، وتحديث الإدارة، وضمان أن يصل الإصلاح إلى بيت المواطن لا إلى عناوين الأخبار فقط.
إن أزمة الكهرباء يمكن أن تتحول إلى فرصة إذا أصبحت مدخلًا لإصلاح الدولة نفسها: دولة تخطط، وتحاسب، وتفتح المجال للقطاع الخاص النزيه، وتحمي الفقراء، وتتعامل مع الحر بوصفه خطرًا صحيًا لا مجرد موسم مزعج. عندها فقط يمكن للعراق أن ينتقل من إدارة العتمة كل صيف إلى بناء نظام كهرباء يليق ببلد يملك الطاقة، ويحتاج إلى إدارة تجعلها في خدمة الحياة.