ترامب وشي: توافق حقيقي حول إيران أم تهدئة مؤقتة؟

قراءة في نتائج زيارة دونالد ترامب إلى الصين وانعكاساتها على ملف إيران والسيناريوهات المتوقعة

شبكة النبأ

2026-05-16 03:43

ملخص تنفيذي

زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين لم تكن زيارة ثنائية عادية بين أكبر اقتصادين في العالم، بل تحولت إلى محطة اختبار لقدرة واشنطن وبكين على إدارة أزمة إقليمية ذات أثر عالمي، هي حرب إيران وما نتج عنها من إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز واضطراب أسواق الطاقة. وبحسب المعطيات فقد غادر ترامب الصين دون اختراق كبير في ملف التجارة، لكنه حاول تقديم القمة بوصفها إنجازا سياسيا من خلال إعلان توافقه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ على ثلاث نقاط أساسية: منع إيران من امتلاك سلاح نووي، إعادة فتح مضيق هرمز، وعدم تقديم الصين معدات عسكرية لطهران. غير أن حجم الالتزام الصيني الفعلي ظل غامضا، إذ لم تصدر بكين تعهدا علنيا صريحا بالضغط القاسي على إيران، واكتفت وزارة خارجيتها بالدعوة إلى التهدئة وفتح الممرات الملاحية في أقرب وقت. 

النتيجة الأهم للزيارة ليست توقيع اتفاق واضح، بل انتقال ملف إيران من كونه أزمة أمريكية ـ إيرانية ـ إقليمية إلى اختبار مباشر للعلاقة الأمريكية ـ الصينية. فالصين هي المستورد الرئيسي للنفط الإيراني، ولديها مصلحة حيوية في حرية الملاحة عبر هرمز، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التفريط بإيران كورقة توازن استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة. لذلك يمكن القول إن القمة أنتجت “توافقا ظرفيا” حول أمن الطاقة ومنع الانتشار النووي، لكنها لم تنتج “تحالفا سياسيا” ضد إيران. هذا الفارق هو مفتاح قراءة السيناريوهات المقبلة.

أولا: خلفية الأزمة التي سبقت القمة

تأتي زيارة ترامب إلى بكين بعد سلسلة تطورات خطيرة بدأت بضربات أمريكية ـ إسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، وردود إيرانية شملت استهدافات في الخليج، ثم إغلاق إيران مضيق هرمز عمليا أمام معظم حركة الملاحة باستثناء سفنها أو السفن التي تقبل بشروطها. وتقول التقارير إن هذا الإغلاق تسبب في أكبر اضطراب على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية، لأن المضيق تمر عبره في الظروف العادية قرابة خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

من جهة واشنطن، أوقفت الولايات المتحدة هجماتها المباشرة على إيران قبل القمة، لكنها بدأت حصارا بحريا على الموانئ الإيرانية. ومن جهة طهران، ربطت إعادة فتح المضيق بإنهاء الحصار الأمريكي، ورفضت الشروط الأمريكية المتعلقة ببرنامجها النووي ومخزونها من اليورانيوم المخصب. كما أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن طهران “لا تثق” في الولايات المتحدة، وأنها ليست مهتمة بالتفاوض إلا إذا كانت واشنطن جادة، مع التأكيد أن إيران تحاول الحفاظ على وقف إطلاق النار لإعطاء فرصة للدبلوماسية.

هذه الخلفية مهمة لأنها تبيّن أن قمة بكين لم تنعقد في فراغ. فترامب ذهب إلى الصين وهو بحاجة إلى مكسب سياسي خارجي، وإلى تهدئة في أسواق الطاقة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني. كما ذهب وهو يدرك أن الصين تملك نفوذا اقتصاديا على إيران لا تملكه واشنطن، بحكم كونها مشتريا رئيسيا للنفط الإيراني. لذلك كان هدف ترامب الواقعي من القمة أقل من بناء اصطفاف أمريكي ـ صيني دائم ضد طهران، وأكثر من الحصول على حد أدنى من الضغط الصيني يمنع إيران من مواصلة إغلاق المضيق أو تلقي دعم عسكري إضافي. 

ثانيا: النتائج المباشرة لزيارة ترامب إلى الصين

1. توافق لفظي على منع إيران من امتلاك سلاح نووي

أعلن ترامب بعد لقائه شي أن الزعيمين لا يريدان أن تمتلك إيران سلاحا نوويا. وفي الصياغة الأمريكية، بدا الأمر وكأنه اتفاق جوهري بين واشنطن وبكين على خط أحمر واحد: لا سلاح نووي لإيران. غير أن هذا التوافق يحتاج إلى قراءة دقيقة. فالصين، مثل معظم القوى الكبرى، لا تعلن تأييدها لامتلاك إيران سلاحا نوويا، لكنها لا تتبنى بالضرورة الأدوات الأمريكية نفسها، خصوصا عندما تصل إلى الحرب أو الحصار أو فرض شروط قصوى على التخصيب.

الفارق هنا بين “الهدف” و”الأداة”. الهدف المعلن مشترك: منع السلاح النووي. أما الأداة فليست مشتركة بالكامل. واشنطن تصر على نقل اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج والتخلي عن أنشطة التخصيب، بينما تؤكد طهران أنها لا تسعى إلى السلاح النووي وأن لها حقا في التكنولوجيا النووية السلمية، بما في ذلك التخصيب، بصفتها طرفا في معاهدة عدم الانتشار. كما قال ترامب نفسه إن الاستحواذ على اليورانيوم المخصب من إيران قد يكون ضروريا “من وجهة نظر العلاقات العامة” أكثر من كونه ضرورة أمنية مطلقة، وهي عبارة تكشف وجود بعد دعائي داخلي في صياغة المطالب الأمريكية. 

بذلك، فإن نتيجة القمة في الملف النووي هي تثبيت سقف سياسي عام، لا بلورة آلية تنفيذية. فلم يظهر من خلال التقارير الخبرية أن الصين قبلت بمطالب واشنطن التفصيلية بشأن نقل اليورانيوم أو إنهاء التخصيب. كما لم يظهر أن إيران تراجعت عن موقفها. لذلك يجب التعامل مع هذا التوافق بوصفه إطارا عاما قد يساعد في استئناف التفاوض، لكنه لا يكفي وحده لإنتاج اتفاق نووي جديد.

2. توافق على ضرورة فتح مضيق هرمز

النتيجة الأكثر عملية في الزيارة تتصل بمضيق هرمز. فالبيت الأبيض قال إن ترامب وشي اتفقا على ضرورة فتح المضيق أمام الملاحة، وإن شي عبّر عن معارضة الصين لعسكرة المضيق وأي محاولة لفرض رسوم على استخدامه. كما قال الممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير إن الصين ترغب في إعادة فتح هرمز دون قيود أو رسوم عبور، وإن واشنطن واثقة من أن بكين ستعمل على الحد من الدعم المادي لإيران. 

هذا التوافق يعكس مصلحة صينية مباشرة. الصين لا تريد مواجهة مفتوحة مع إيران، لكنها لا تستطيع قبول شلل طويل في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. فهي مستورد رئيسي للنفط الإيراني، وتعتمد بشكل أوسع على انسياب الطاقة عبر الخليج. ولذلك فإن فتح المضيق يخدم الصين اقتصاديا، حتى لو اختلفت مع واشنطن سياسيا. وفي الوقت نفسه، حرصت بكين على صياغة موقفها بلغة عامة: التهدئة، الحل المبكر، إعادة فتح الممرات الملاحية، واستمرار الملاحة الآمنة، من دون تبني علني للرواية الأمريكية أو تحميل إيران وحدها المسؤولية. 

وتشير التقارير إلى أن إيران بدأت بالفعل تسمح لبعض السفن بالعبور وفق ترتيبات أو شروط، منها ناقلة يابانية وناقلة صينية عملاقة، كما تحدث الحرس الثوري الإيراني عن عبور 30 سفينة منذ مساء الأربعاء، رغم أن هذا لا يقارن بمتوسط 140 سفينة يوميا قبل الحرب. هذه المؤشرات تدل على أن طهران لا تريد إغلاقا مطلقا إلى ما لا نهاية، بل تستخدم المضيق كورقة تفاوضية واقتصادية وأمنية.

3. تعهد صيني بعدم إرسال معدات عسكرية إلى إيران، حسب الرواية الأمريكية

قال ترامب إن شي وعد بعدم إرسال معدات عسكرية إلى إيران، ووصف ذلك بأنه “تصريح مهم”. غير أن الصين نفت سابقا تقارير عن اعتزامها تزويد إيران بأسلحة ووصفتها بأنها افتراءات لا أساس لها. لذلك فإن تعهد “عدم إرسال معدات عسكرية” قد يكون أقل من كونه تنازلا صينيا جديدا، وأكثر من كونه إعادة تأكيد لموقف صيني معلن بنفي التسليح المباشر. 

الأهمية السياسية لهذا البند تكمن في أنه يمنح ترامب مادة يستخدمها داخليا: يمكنه القول إن القمة حدّت من الدعم الصيني لإيران. لكن من زاوية استراتيجية، لا يزال السؤال مفتوحا: هل المقصود فقط السلاح المباشر؟ أم يشمل التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، وقطع الغيار، والالتفاف المالي، ومشتريات النفط، وشبكات النقل؟ إذا اقتصر الأمر على السلاح المباشر، فلن يغير ذلك كثيرا في ميزان الأزمة. أما إذا تحول إلى ضبط أوسع لقنوات الدعم، فقد يؤثر تدريجيا على قدرة إيران على الصمود.

4. عدم تحقيق إنجاز تجاري كبير

رغم أن الزيارة كانت أمريكية ـ صينية في جوهرها، إلا أن التقارير تقول إن ترامب غادر الصين دون تحقيق إنجازات كبيرة في مجال التجارة. وقد جرى الحديث عن تعاون اقتصادي وصفقات محتملة، مثل إعلان ترامب أن الصين ستطلب نحو 200 طائرة بوينغ، لكن ذلك لم يظهر في المواد بوصفه اتفاقا تجاريا شاملا أو اختراقا بنيويا في علاقة شهدت توترات وحربا تجارية خلال معظم عام 2025. 

هذا يعني أن ملف إيران طغى على الزيارة، ليس لأنه كان الملف الوحيد، بل لأنه الملف الذي استطاع ترامب أن يقدمه للرأي العام بوصفه نتيجة ملموسة نسبيا. أما في التجارة، فبقيت الخلافات الأساسية قائمة. وهنا يظهر نمط معروف في السياسة الدولية: عندما يتعذر تحقيق اختراق في ملف اقتصادي معقد، قد يجري إبراز تقاطع أمني أو دبلوماسي محدود باعتباره نجاحا سياسيا.

5. بقاء تايوان كقنبلة موقوتة في العلاقة الأمريكية ـ الصينية

حذّر شي ترامب من خطر التعامل الخاطئ مع قضية تايوان، قائلا إن القضية هي الأهم في العلاقات الصينية ـ الأمريكية، وإن سوء إدارتها قد يدفع البلدين إلى صراع أو يضع العلاقة كلها في وضع شديد الخطورة. وفي المقابل، كان ترامب قد قال إنه سيبحث مع شي مبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان، وهو ما يمثل خروجا حساسا عن تقليد واشنطن بعدم استشارة بكين بشأن دعم الجزيرة. 

دلالة ذلك أن التعاون حول إيران لا يلغي التنافس البنيوي بين واشنطن وبكين. فالصين قد تساعد في فتح هرمز لأنها تحتاج إلى الطاقة، لكنها لن تنظر إلى ذلك باعتباره تنازلا مجانيا. وقد تربط، ولو ضمنيا، مستوى تعاونها في ملف إيران بمستوى ضبط واشنطن لملف تايوان أو التجارة أو التكنولوجيا. ومن هنا، فإن نتائج زيارة ترامب إلى الصين مرتبطة بتوازن دقيق: تعاون محدود في الشرق الأوسط، وتنافس حاد في شرق آسيا.

ثالثا: قراءة موقف الأطراف الرئيسية

الولايات المتحدة: ضغط، حاجة انتخابية، وغياب استراتيجية خروج واضحة

تقدم واشنطن نفسها بوصفها الطرف الذي أضعف إيران عسكريا ويريد إنهاء الحرب بشروطه. فقد قال قائد القيادة المركزية الأمريكية الأميرال براد كوبر إن القصف الأمريكي وجه ضربة قوية للجيش الإيراني وصناعته الدفاعية، وإن قدرة طهران على مهاجمة جيرانها باتت محدودة أو محدودة للغاية، وإن الصناعات الدفاعية الإيرانية تراجعت بنسبة 90 بالمئة. لكنه امتنع عن تقديم تقديرات محددة لما تبقى من الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق الصغيرة، وأحال أسئلة استراتيجية الخروج إلى القرار السياسي.

هنا تظهر فجوة مهمة: المؤسسة العسكرية تقول إنها أنجزت أهدافا تكتيكية، لكنها لا تملك وحدها جوابا سياسيا عن كيفية إنهاء الصراع. كما أن استطلاعا أشار إلى أن اثنين من كل ثلاثة أمريكيين يعتقدون أن ترامب لم يوضح سبب دخول واشنطن الحرب على إيران، مع وجود مخاوف كبيرة من ارتفاع أسعار البنزين. لذلك يواجه ترامب ضغطا داخليا: عليه أن يثبت أن الحرب لم تكن مغامرة بلا نهاية، وأنها ستؤدي إلى اتفاق أو فتح المضيق أو خفض أسعار الطاقة.

من هنا يمكن تفسير لهجته المتشددة: “لن أصبر أكثر من ذلك… عليهم التوصل إلى اتفاق”. هذه العبارة لا تعكس فقط ضغطا على إيران، بل تعكس أيضا ضغط الوقت على ترامب نفسه. فهو يريد نتيجة قبل أن تتحول الحرب إلى عبء انتخابي أكبر.

الصين: مصلحة في التهدئة دون قطع مع إيران

موقف الصين هو الأكثر حساسية. فهي تريد فتح هرمز، ولا تريد عسكرة المضيق أو فرض رسوم على استخدامه، وتريد سلاما أو تهدئة في المنطقة، لكنها لا تريد أن تظهر كأنها انضمت إلى حملة أمريكية ضد إيران. وقد تجنبت بكين توجيه انتقادات حادة لأفعال الولايات المتحدة في الحرب، لكنها في الوقت نفسه قالت إن الحرب لم يكن ينبغي أن تندلع ولا يوجد سبب لاستمرارها. 

تتصرف الصين هنا بمنطق “الوسيط صاحب المصلحة”، لا “الحليف الأمريكي”. لديها نفوذ على طهران عبر النفط والتجارة، لكنها لا تريد استخدام هذا النفوذ بطريقة تكسر إيران أو تدفعها إلى فقدان الثقة ببكين. فإيران بالنسبة إلى الصين ليست مجرد مورّد نفط، بل جزء من شبكة توازن ضد الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط وآسيا. لهذا يشكك محللون في أن يكون شي مستعدا للضغط بقوة على طهران أو إنهاء دعمه لها بسبب أهميتها كقوة موازنة للولايات المتحدة. 

إيران: استخدام المضيق كورقة تفاوضية وتعزيز خطاب المظلومية

إيران تتحرك على مسارين. الأول عسكري ـ بحري، عبر إغلاق هرمز أو التحكم بمرور السفن، واستهداف أو احتجاز سفن في محيط الخليج، بما يرفع كلفة الحرب على الجميع. والثاني دبلوماسي ـ سياسي، عبر مخاطبة بريكس ودول الجنوب العالمي بوصفها ضحية “التوسع غير المشروع وإثارة الحروب”، ودعوة الدول إلى التنديد بانتهاكات الولايات المتحدة وإسرائيل للقانون الدولي.

في اجتماع بريكس في نيودلهي، اتهم عراقجي الإمارات بالتورط المباشر في العمليات العسكرية ضد إيران، ما كشف أن الحرب لم تعد فقط بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بل بدأت تفتح شقوقا بين إيران وبعض دول الخليج داخل منصات متعددة الأطراف مثل بريكس. كما أن اتهام الإمارات، وهي عضو في بريكس+، قد يصعّب إصدار بيان مشترك ويضعف قدرة المجموعة على تقديم موقف موحد. 

الهند وبريكس: تضرر اقتصادي وانقسام سياسي

أظهرت اجتماعات بريكس في الهند أن الأزمة الإيرانية تحولت إلى أزمة دول مستوردة للطاقة. الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، تضررت بشدة من اضطراب هرمز، وكانت تحصل قبل الحرب على نحو نصف احتياجاتها من النفط الخام عبر هذا المضيق. كما عانت من اضطرابات في الإمدادات ومن هجمات استهدفت سفنا مرتبطة بها في الخليج.

لكن بريكس ليست كتلة موحدة في هذه الأزمة. فهي تضم إيران والإمارات والسعودية وروسيا والصين والهند ودولا أخرى تختلف مصالحها ومواقفها. إيران تريد إدانة أمريكية ـ إسرائيلية، الهند تريد الاستقرار وحرية الملاحة، الإمارات والسعودية في موقع حساس بسبب علاقتها بواشنطن واتهامات طهران، والصين تريد التهدئة دون خسارة إيران. لذلك، فإن بريكس قد تكون منصة خطابية لإيران، لكنها ليست بالضرورة أداة فعالة لإنهاء الحرب.

رابعا: دلالات النتائج على ميزان القوة

1. إيران ضعيفة عسكريا لكنها لا تزال قادرة على التعطيل

الرواية الأمريكية تؤكد أن إيران تعرضت لضربات قاسية وأن قدراتها الهجومية محدودة للغاية. لكن الوقائع البحرية تشير إلى أن طهران لا تزال قادرة على تعطيل الملاحة، أو على الأقل خلق حالة خوف كافية لرفع أسعار الطاقة والتأمين والشحن. وقد أشارت التقارير إلى احتجاز أو توجيه سفينة قبالة الفجيرة نحو إيران، وغرق سفينة ترفع العلم الهندي بعد هجوم قبالة عمان، إضافة إلى استمرار تهديد الملاحة في هرمز. 

هذا يعني أن ضعف إيران لا يعني عجزها. فهي قد لا تستطيع خوض حرب تقليدية واسعة، لكنها تستطيع استخدام أدوات غير متماثلة: زوارق، مسيرات، صواريخ، احتجاز سفن، تهديدات، شروط مرور، وتوظيف وكلاء أو شبكات إقليمية. وفي السياسة الدولية، القدرة على التعطيل أحيانا تكفي للحصول على مقعد تفاوضي.

2. الصين أصبحت ضامنا محتملا لا حكما نهائيا

تريد واشنطن من الصين أن تكون ضامنا لتغيير سلوك إيران. لكن الصين، كما تظهر المعطيات، تفضل أن تكون “عامل تهدئة” لا “شرطيا دوليا”. فهي قد تضغط على إيران لفتح المضيق جزئيا أو منع التصعيد، لكنها لن تتحول بسهولة إلى ذراع تنفيذية للمطالب الأمريكية. لذلك فإن التعويل الأمريكي على بكين يجب أن يبقى محدودا.

3. مضيق هرمز تحول إلى مركز الصراع

الملف النووي مهم، لكن مفتاح الأزمة الفوري هو هرمز. فالسلاح النووي قضية استراتيجية بعيدة المدى، أما المضيق فهو قضية يومية تمس أسعار الطاقة والغذاء والأسمدة والتضخم والنقل البحري. لهذا أصبح فتح هرمز أولوية أمريكية وصينية وهندية وعالمية، وربما يتقدم عمليا على تفاصيل البرنامج النووي في أي تسوية أولية.

خامسا: السيناريوهات المتوقعة

السيناريو الأول: تهدئة مشروطة وفتح تدريجي لمضيق هرمز

هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحا على المدى القريب إذا نجحت الصين، وربما الهند وباكستان أو أطراف أخرى، في إقناع إيران بفتح المضيق تدريجيا مقابل تخفيف محدود في الحصار البحري أو ضمانات بعدم استئناف الضربات الأمريكية. في هذا السيناريو، لا يحدث اتفاق نووي شامل فورا، لكن يجري تثبيت وقف إطلاق النار، وفتح ممرات بحرية، والسماح بعبور السفن التجارية وفق ترتيبات رقابة أو ضمانات. مؤشرات هذا السيناريو موجودة بالفعل في عبور ناقلات يابانية وصينية، وحديث الحرس الثوري عن عبور 30 سفينة، مقابل رغبة الصين المعلنة في فتح المضيق دون رسوم أو عسكرة.

سيكون هذا السيناريو مريحا للصين والهند وأسواق الطاقة، ومفيدا لترامب داخليا لأنه يستطيع القول إنه أجبر إيران على تخفيف الإغلاق. لكنه سيكون هشا، لأن جذور الأزمة ستبقى قائمة: الحصار الأمريكي، البرنامج النووي، مخزون اليورانيوم، الضمانات الأمنية، واتهامات إيران لدول خليجية بالتورط في الحرب.

السيناريو الثاني: اتفاق مؤقت “هرمز مقابل الحصار”

في هذا السيناريو تتوصل واشنطن وطهران، بوساطة صينية أو باكستانية أو متعددة الأطراف، إلى صفقة مرحلية: تفتح إيران المضيق دون رسوم أو شروط قاسية، مقابل تخفيف الحصار البحري الأمريكي أو تحويله إلى رقابة محدودة. قد يتضمن الاتفاق أيضا تعهدا إيرانيا بعدم رفع التخصيب إلى 90 بالمئة، وتعهدا أمريكيا بعدم استئناف الهجمات ما دامت الملاحة مفتوحة. هذا السيناريو لا يحل الملف النووي، لكنه يمنع الانهيار.

قوة هذا السيناريو أنه يتعامل مع العاجل قبل الاستراتيجي. فالاقتصاد العالمي يحتاج هرمز الآن، بينما يحتاج الملف النووي مفاوضات طويلة. ضعفه أن ترامب قد يرفض الظهور كأنه قدم تنازلا، وإيران قد ترفض فتح المضيق قبل رفع الحصار بصورة واضحة. كذلك قد يعارض متشددون في طهران أي اتفاق يرونه خضوعا، خصوصا بعد مقتل قادة بارزين وتصلب الداخل الإيراني، كما أشارت تقارير إلى أن غلاة المحافظين يعززون قبضتهم بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية. 

السيناريو الثالث: تصعيد محدود وانهيار وقف إطلاق النار

يبقى احتمال التصعيد قائما إذا تعرضت سفينة أمريكية أو خليجية أو هندية أو صينية لهجوم كبير، أو إذا ردت واشنطن على احتجاز سفينة بضربة جديدة. وقد أقر ترامب سابقا بأن وقف إطلاق النار بات على وشك الانهيار، كما وقعت عمليات تبادل إطلاق نار بين الولايات المتحدة وإيران. 

في هذا السيناريو، قد تعود الولايات المتحدة إلى ضربات محدودة تستهدف منصات صاروخية أو بحرية إيرانية، بينما ترد إيران بتوسيع التعطيل في هرمز أو استهداف مصالح خليجية. لكن المرجح أن يحاول الطرفان إبقاء التصعيد تحت سقف الحرب الشاملة، لأن كلفة الإغلاق الكامل للمضيق ستكون هائلة، ولأن الصين والهند ودولا آسيوية أخرى ستضغط بقوة لمنع ذلك.

السيناريو الرابع: تدويل الأزمة عبر بريكس ومجلس الأمن

قد تسعى إيران إلى تحويل الأزمة من مواجهة ثنائية مع واشنطن إلى قضية دولية حول القانون الدولي وحرية الملاحة والعقوبات الأحادية. وقد بدأت فعلا بمحاولة دفع بريكس إلى التنديد بالولايات المتحدة وإسرائيل. لكن انقسامات بريكس، خصوصا بين إيران والإمارات، وبين مصالح الهند والصين وروسيا ودول الخليج، تجعل إصدار موقف موحد صعبا.

إذا اتسعت الهجمات البحرية، قد تنتقل الأزمة إلى مجلس الأمن أو إلى ترتيبات أمن بحري متعددة الجنسيات. غير أن الصين وروسيا قد تمنعان غطاء دوليا واسعا لأي عمل عسكري أمريكي، بينما قد ترفض واشنطن أي صيغة تمنح إيران شرعية التحكم بالمضيق. لذلك سيكون التدويل مفيدا في إدارة الأزمة، لكنه لن يكون حلا حاسما.

السيناريو الخامس: صفقة أمريكية ـ صينية أوسع تربط إيران بتايوان والتجارة

هذا السيناريو أقل وضوحا لكنه مهم. قد تستخدم الصين تعاونها في ملف إيران كورقة تفاوضية مع واشنطن في ملفات أخرى: تايوان، التكنولوجيا، الرسوم الجمركية، أو التجارة. فشي جعل تايوان القضية الأهم في العلاقة الثنائية، وحذر من أن سوء التعامل معها قد يدفع البلدين إلى صراع. وفي المقابل، يريد ترامب صفقات تجارية وتهدئة في الشرق الأوسط.

لا يعني ذلك وجود مقايضة علنية، فهذه الملفات عادة لا تُربط رسميا. لكن في الدبلوماسية الكبرى، تتأثر الملفات ببعضها. فإذا صعّدت واشنطن في تايوان أو التكنولوجيا، قد يقل حماس الصين للضغط على إيران. وإذا منح ترامب بكين هامشا في ملفات اقتصادية أو رمزية، قد تزيد الصين تعاونها في فتح هرمز. هذا السيناريو يعكس الترابط المتزايد بين أزمات الشرق الأوسط والتنافس في شرق آسيا.

السيناريو السادس: استمرار الاستنزاف بلا حل نهائي

هذا سيناريو مرجح أيضا: لا حرب شاملة، لا سلام كامل، بل وقف إطلاق نار هش، مضيق يعمل جزئيا، أسعار طاقة مرتفعة ومتقلبة، مفاوضات متقطعة، وتصعيدات بحرية بين حين وآخر. في هذا الوضع، تستفيد إيران من إبقاء ورقة الضغط، ويحاول ترامب إظهار الصرامة، وتوازن الصين بين النفط الإيراني ومصلحة الملاحة، بينما تتحمل الهند ودول مستوردة للطاقة كلفة اقتصادية مستمرة. 

خطورة هذا السيناريو أنه يطبع حالة الفوضى. فكلما طال أمد التعطيل الجزئي، زادت احتمالات الخطأ أو سوء التقدير أو الهجوم غير المحسوب. كما أن شركات الشحن والتأمين قد تتعامل مع الخليج بوصفه منطقة خطر طويل الأمد، ما يرفع الكلفة حتى لو لم يكن المضيق مغلقا بالكامل.

سادسا: تقدير موضوعي لاحتمالات السيناريوهات

الأقرب في المدى القصير هو مزيج من السيناريو الأول والسادس: فتح تدريجي ومحدود لهرمز، مع استمرار هشاشة وقف إطلاق النار وعدم حل الملف النووي. السبب أن جميع الأطراف الرئيسية لديها مصلحة في تجنب الانهيار الكامل: ترامب لا يريد حربا انتخابية مكلفة، الصين لا تريد صدمة طاقة، الهند لا تتحمل استمرار اضطراب نصف وارداتها النفطية عبر هرمز، وإيران تريد الحفاظ على ورقة الضغط دون استدعاء ضربة أمريكية واسعة جديدة.

السيناريو الثاني، أي صفقة “هرمز مقابل الحصار”، ممكن إذا وجدت وساطة قوية وضمانات تحفظ ماء وجه الطرفين. لكنه يحتاج مرونة أمريكية وإيرانية غير مؤكدة. السيناريو الثالث، أي التصعيد المحدود، يبقى قائما في أي لحظة بسبب كثافة الحوادث البحرية. أما السيناريو الرابع، تدويل الأزمة عبر بريكس أو مجلس الأمن، فسيظل مكملا لا بديلا، بسبب الانقسامات العميقة داخل بريكس نفسها. والسيناريو الخامس، المقايضة الأمريكية ـ الصينية الأوسع، سيعمل في الخلفية لا في العلن.

خاتمة

زيارة ترامب إلى الصين لم تنتج تسوية كبرى، لكنها أعادت ترتيب مسرح الأزمة. فقد أصبح واضحا أن حل أزمة إيران لم يعد يمر فقط عبر واشنطن وطهران، بل عبر بكين أيضا، وربما عبر نيودلهي وبريكس ودول الخليج. النتيجة المباشرة هي توافق أمريكي ـ صيني محدود على منع إيران من امتلاك السلاح النووي وفتح مضيق هرمز، مع غموض كبير حول آليات التنفيذ. أما النتيجة الأعمق فهي أن الصين تحولت إلى لاعب لا غنى عنه في أمن الطاقة العالمي، لكنها ليست مستعدة للتحول إلى حليف أمريكي ضد إيران.

المفارقة أن إيران، رغم تعرضها لضربات عسكرية قاسية بحسب الرواية الأمريكية، لا تزال تملك قدرة كبيرة على التعطيل السياسي والبحري. والصين، رغم حاجتها إلى هرمز المفتوح، لا تريد خسارة إيران. وترامب، رغم خطابه المتشدد، يحتاج إلى نتيجة سريعة تمنع الحرب من التحول إلى عبء داخلي. لذلك فإن المرحلة المقبلة ستدور على الأرجح حول تسوية مؤقتة لا نهائية: فتح أوسع للمضيق، وقف هش للتصعيد، ومفاوضات صعبة حول النووي والحصار والضمانات. أما السلام الكامل، فما زال بعيدا ما لم تتغير حسابات القوة والثقة بين واشنطن وطهران وبكين.

ذات صلة

الامام الجواد وشجاعة القائد الشابإيران واستراتيجية المراحل في التفاوض مع الولايات المتحدةعوامِلَ تمكينِ الذات وبناء القوةالحكومة: شركة مساهمة سياسيةكيف أعادت الشبكات الاجتماعية تشكيل الوعي السياسي وصناعة الرأي العام؟