الهدنة الأميركية-الإيرانية الهشة.. خطوة للوراء والابتعاد عن حافة الهاوية

شبكة النبأ

2026-04-09 05:58

دخلت هدنة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ في 8 أبريل/نيسان، بعد وساطة باكستانية وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاتفاق في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، قبل أقل من ساعتين من انتهاء المهلة التي منحها لطهران لإعادة فتح مضيق هرمز. وكان ترامب قد هدد، قبل الإعلان عن الهدنة، بأن إيران ستواجه هجمات مدمرة على بنيتها التحتية المدنية، بل تحدث عن تعريض “حضارة بأكملها” للدمار إذا لم يتم فتح المضيق. وجاء الاتفاق بعد حرب بدأت في 28 فبراير/شباط واستمرت ستة أسابيع، أو 38 يوما، وأسفرت، بحسب المعطيات الواردة في النص، عن مقتل آلاف الأشخاص وامتدت آثارها إلى معظم أنحاء الشرق الأوسط، متسببة في اضطراب واسع في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

ورغم أن الإعلان عن وقف إطلاق النار ولّد حالة من الارتياح الأولي في الأسواق العالمية، فإن الساعات الأولى من الهدنة كشفت أن التهدئة لا تزال محدودة وهشة. فبينما أوقفت الولايات المتحدة هجماتها المباشرة على إيران، لم تتوقف العمليات العسكرية في كامل المنطقة، واستمر التصعيد على جبهات أخرى، ولا سيما في لبنان ودول الخليج. كما أن القضايا الجوهرية التي فجرت الحرب لم تُحسم بعد، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، وملف الصواريخ الباليستية، والسيطرة على مضيق هرمز، والعقوبات، والنفوذ الإقليمي، وشكل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

الوضع الميداني بعد إعلان الهدنة

أظهرت التطورات الميدانية أن وقف إطلاق النار لا يعني توقف القتال في جميع الجبهات. ففي الوقت الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة وإيران التزامهما بتهدئة مؤقتة تمهيدا لمحادثات محتملة، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية خارج الإطار المباشر للاتفاق. وأكدت الحكومة الإسرائيلية أن الهدنة لا تشمل لبنان، رغم أن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف كان قد تحدث، في أحد تصريحاته، بصورة أوحت بأن الجبهة اللبنانية مشمولة ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار. هذا التباين في تفسير نطاق الهدنة عكس منذ البداية حدود الاتفاق وإمكانات انهياره السريع.

في لبنان، شنت إسرائيل، بحسب النص، أكبر حملة قصف منذ بدء الحرب، مستهدفة العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية ومناطق أخرى في البقاع وجنوب البلاد. وقال الجيش الإسرائيلي إن العملية أنجزت “أكبر ضربة منسقة” حتى الآن، واستهدفت نحو 100 مركز قيادة وموقع عسكري لحزب الله في بيروت والبقاع والجنوب. وقد تصاعدت أعمدة الدخان فوق بيروت، وانهارت مبانٍ في مناطق عدة، فيما أفاد سكان بأن الضربات نُفذت من دون الإنذارات المعتادة التي كانت تُوجه للمدنيين من أجل الإخلاء. وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية، في حصيلة أولية، مقتل عشرات الأشخاص وإصابة مئات، بينما كان وزير الصحة قد أشار في وقت سابق إلى سقوط مئات الجرحى. وأحدثت الغارات حالة واسعة من الذعر والخراب، ورسخت الانطباع بأن التفاهم الأميركي-الإيراني لم يتحول بعد إلى تهدئة إقليمية شاملة.

في المقابل، استمرت الهجمات الإيرانية على دول خليجية مجاورة بعد بدء سريان وقف إطلاق النار. فقد أعلنت الكويت والإمارات والبحرين تعرضها لصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية جديدة، استهدف عدد منها بنية تحتية مرتبطة بالنفط والطاقة وتحلية المياه. وذكرت الإمارات أنها تعرضت لـ17 صاروخا و35 طائرة مسيرة إيرانية، بينما قالت البحرين إن شخصين على الأقل أصيبا في هجوم بطائرة مسيرة صباح الأربعاء، وأكدت الكويت تعرضها لهجمات منذ الصباح. كما أفاد مصدر في قطاع النفط بأن خط الأنابيب السعودي شرق-غرب تعرض للقصف، وهو المسار الرئيسي الذي يتيح، على الأقل جزئيا، نقل شحنات النفط بعيدا عن الاعتماد على مضيق هرمز. وأشار المصدر إلى أن تقييم الأضرار كان لا يزال جاريا. وفي الرواية الإيرانية، قال التلفزيون الرسمي إن هذه الهجمات جاءت عقب غارات جوية استهدفت منشآت نفطية في جزيرة لاوان الإيرانية صباح الأربعاء.

كما ورد في النص أن إيران كانت تنظر في احتمال توجيه ضربات إلى إسرائيل ردا على الهجمات الإسرائيلية في لبنان، وهو ما أظهر أن مسار التهدئة ما زال عرضة للانتكاس. ومن هذه الزاوية، لم يكن ممكنا الجزم، في اليوم الأول للاتفاق، بأن وقف إطلاق النار أصبح قائما بصورة كاملة ومستقرة، بل بدا أقرب إلى هدنة محدودة بين واشنطن وطهران، تتعايش معها جبهات مفتوحة ومواجهات مستمرة في الإقليم.

مضيق هرمز بين الهدنة والسيطرة الإيرانية

ظل مضيق هرمز في قلب الأزمة، بوصفه الممر البحري الذي يعبر من خلاله نحو خُمس شحنات النفط العالمية، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز المسال. ورغم أن إعلان وقف إطلاق النار ارتبط، سياسيا وإعلاميا، بإعادة فتح المضيق، فإن الواقع العملي أظهر أن الأمر لم يُحسم بعد بصورة كاملة. فقد قال مسؤول إيراني كبير شارك في المحادثات إن طهران قد تفتح المضيق يوم الخميس أو الجمعة قبل محادثات السلام، لكنه ربط ذلك بالموافقة على إطار عمل لوقف إطلاق النار، موضحا أن الفتح سيكون “محدودا”، وأن السفن ستظل بحاجة إلى إذن من طهران للمرور. كما أعلنت إيران أن قواتها المسلحة ستراقب المرور اليومي المحدود للسفن خلال فترة الهدنة، وأن المرور الآمن ممكن لمدة أسبوعين من خلال التنسيق مع هذه القوات ومع مراعاة “القيود التقنية”.

وفي هذا السياق، تحدث التلفزيون الإيراني الرسمي عن عبور سفينة أولى بإذن من طهران عقب وقف إطلاق النار، بينما أظهرت بيانات الملاحة البحرية لاحقا عبور عدد محدود من السفن، من بينها سفينتان مملوكتان لليونان وناقلة بضائع سائبة صينية. ومع ذلك، قالت مصادر شحن إن البحرية الإيرانية كانت لا تزال تهدد السفن بالتدمير إذا حاولت المرور من دون تنسيق، بما أبقى حالة القلق قائمة داخل قطاع النقل البحري. كما أشار النص إلى أن إيران كانت قد أبرمت سابقا ترتيبات مرور آمن مع عدد من الدول، مثل الهند والعراق، وأن مسؤولا إيرانيا كبيرا كان قد قال، قبل وقف إطلاق النار، إن طهران ستطالب برسوم عبور على السفن التي تمر عبر المضيق.

وأظهرت هذه المعطيات أن الهدنة لم تؤد إلى إنهاء السيطرة الإيرانية الفعلية على المرور، بل ربما أعادت تنظيمها ضمن ترتيبات موقتة. ومن هنا برز خلاف أساسي بين المقاربة الأميركية والمقاربة الإيرانية. فترامب قال إن وقف إطلاق النار يلزم طهران بإعادة الفتح الكامل والفوري والآمن للمضيق، في حين اعتبر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أن الولايات المتحدة قبلت، من حيث المبدأ، استمرار السيطرة الإيرانية عليه. وهذا التناقض في تفسير أحد أبرز شروط الاتفاق عكس عمق الفجوة بين الطرفين رغم الحديث عن تهدئة.

الأسواق والطاقة وسلاسل الإمداد

تلقت الأسواق العالمية إعلان الهدنة بارتياح واضح. فقد تراجع خام برنت خلال التداولات إلى ما بين 92 و94 دولارا للبرميل، بعد أن كان قد ارتفع بأكثر من 50 في المئة منذ اندلاع الحرب، وبلغ 118 دولارا للبرميل في نهاية مارس/آذار، مقارنة بنحو 70.75 دولارا قبل بداية الصراع في 28 فبراير/شباط. كما جرى تداول خام غرب تكساس الوسيط الأميركي عند نحو 95 دولارا للبرميل، مقارنة بحوالي 65 دولارا قبل الحرب. ويعكس هذا التراجع توقعات المتعاملين بإمكان عودة جزء من الإمدادات المعطلة إلى الأسواق إذا استمر وقف إطلاق النار وتم تخفيف القيود المفروضة على الملاحة عبر مضيق هرمز.

وبالتوازي مع تراجع أسعار النفط، ارتفعت الأسهم الأميركية إلى أعلى مستوياتها في شهر، كما حققت بورصتا طوكيو وسيول مكاسب بارزة عند افتتاح التداول، بلغت نحو 5 في المئة و7.5 في المئة على التوالي. غير أن النص شدد في الوقت نفسه على أن هذا التحسن لا يعني عودة سريعة إلى الوضع الطبيعي. فقد حذر الاتحاد الدولي للنقل الجوي “إياتا” من أن استعادة الإمدادات الطبيعية لوقود الطائرات قد تستغرق عدة أشهر، بينما قالت شركة “هاباج-لويد” الألمانية إن عودة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب قد تحتاج إلى ستة أسابيع على الأقل. كذلك أشارت إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن استمرار عدم اليقين بشأن الاضطرابات المستقبلية قد يُبقي الأسعار مرتفعة، خصوصا مع الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت النفطية في المنطقة وصعوبة العودة الفورية إلى مستويات الإنتاج السابقة.

وبذلك، بدا أن الأسواق رحبت بالهدنة كإشارة إلى خفض فوري لمستوى الخطر، لكنها لم تعتبرها تسوية نهائية تضمن استقرار الإمدادات أو الملاحة أو سلاسل التوريد. فالانخفاض في الأسعار ظل مرتبطا بتوقعات قابلة للتبدل بسرعة إذا عادت العمليات القتالية أو استمرت القيود على المضيق أو اتسعت الهجمات على منشآت الطاقة.

المسار الدبلوماسي والوساطة الباكستانية

برزت باكستان في النص بوصفها الوسيط الرئيسي في هذه المرحلة من الصراع. فقد أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران على منصة “إكس”، وقال إن الجانبين اتفقا على وقف فوري لإطلاق النار، وأعلن أنه دعا الوفدين الإيراني والأميركي إلى الاجتماع في إسلام آباد يوم الجمعة. كما ذكر أن الرئيس الإيراني أكد مشاركة طهران في تلك المحادثات. ومع ذلك، لم يصدر أي تأكيد رسمي من واشنطن بشأن عقد محادثات مباشرة في الزمان والمكان المعلنين، وأوضح البيت الأبيض أن أي اجتماع لن يعد رسميا إلا بعد الإعلان عنه.

وفي هذا السياق، قال نائب الرئيس الأميركي جيه. دي. فانس، خلال فعالية في بودابست، إن الرئيس ترامب أصدر تعليماته إلى فريق التفاوض ووزير الخارجية والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف بالتعامل مع الإيرانيين “بنية حسنة” من أجل التوصل إلى اتفاق. وأضاف أن ترامب “متعجل” لإحراز تقدم نحو إنهاء الحرب، وأن التوصل إلى اتفاق لا يزال ممكنا إذا تفاوضت إيران بصدق. لكنه في الوقت نفسه وصف الوضع بأنه “هدنة هشة”، وأشار إلى أن هناك أطرافا تتعامل مع المحادثات بنهج بنّاء، في حين أن أطرافا أخرى لا تفعل ذلك. وحذر من أن فشل إيران في التفاوض بحسن نية قد يدفع الولايات المتحدة إلى العودة إلى استخدام أدوات الضغط العسكري والاقتصادي.

وعلى المستوى العسكري، دعم رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كاين هذا التوصيف، عندما قال إن وقف إطلاق النار ليس سوى هدنة مؤقتة، وإن القوات المسلحة الأميركية تبقى في حال جاهزية كاملة لاستئناف العمليات إذا صدرت الأوامر بذلك. وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن “الأصبع على الزناد”، وأنه لا يثق بوعود “العدو”، وأن أي عدوان جديد سيواجه برد “بمستوى أعلى”. وأشار فانس أيضا إلى أن ردود الفعل داخل إيران ليست موحدة، متحدثا عن وجود أصوات داخل النظام الإيراني وعلى وسائل التواصل الاجتماعي “تكذب” بشأن ما حققته الولايات المتحدة عسكريا وبشأن حقيقة وقف إطلاق النار. وكل ذلك عكس أن الأطراف الرئيسية تعاملت مع الهدنة بصفتها توقفا مشروطا يمكن أن ينهار، وليس اتفاقا نهائيا أُغلقت به الحرب.

شروط واشنطن وطهران واتساع فجوة التفاوض

أبرز ما كشفه النص هو أن الخلافات الجوهرية بين الولايات المتحدة وإيران لم تُحل، رغم الحديث عن الاتفاق واعتبار بعض المقترحات “أساسا عمليا” للتفاوض. فقد كانت واشنطن قد طرحت، بحسب النص، خطة من 15 نقطة دعت إلى إزالة مخزونات إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، ووقف التخصيب، وتقليص أو إنهاء برنامج الصواريخ الباليستية، وقطع التمويل عن حلفاء إيران في المنطقة، إلى جانب مطالب أخرى. وفي المقابل، قدمت إيران خطة من 10 نقاط ردت بها على المقترح الأميركي.

ووفقا لما ورد في النص الفارسي للاتفاق الذي نشرته وسائل إعلام إيرانية، تضمنت الخطة الإيرانية قبول واشنطن باستمرار تخصيب اليورانيوم داخل إيران، ورفع جميع العقوبات الأولية والثانوية، وتعويض إيران عن الأضرار، والإقرار باستمرار سيطرتها على مضيق هرمز، وإلغاء القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وانسحاب القوات القتالية الأميركية من المنطقة، ووقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك ضد ما وصفه النص بـ“المقاومة الإسلامية في لبنان”. كما تحدثت الرواية الإيرانية عن مبدأ “عدم الاعتداء”، وعن إمكان تأمين المرور عبر مضيق هرمز خلال فترة الهدنة عبر التنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية.

لكن النسخة الإنكليزية التي قدمتها إيران إلى الأمم المتحدة لم تتضمن الإشارة نفسها إلى قبول التخصيب، وهو ما عكس تباينا في الصياغة بين الرسائل الموجهة إلى الداخل الإيراني والرسائل الدبلوماسية الخارجية. كذلك، لم تتناول الخطة الإيرانية بصورة واضحة مسألة تقليص القدرات الصاروخية الإيرانية، وهي قضية تعتبرها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل مركزية في أي اتفاق طويل الأمد. ولهذا قال مسؤول إسرائيلي إن كبار مسؤولي إدارة ترامب أكدوا لإسرائيل أنهم سيصرون، خلال المحادثات التي يفترض أن تُجرى خلال الأسبوعين التاليين، على الشروط السابقة، مثل التخلص من المواد النووية الإيرانية، ووقف التخصيب، والقضاء على تهديد الصواريخ الباليستية، ومعالجة قضايا أخرى.

وفي المقابل، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن طهران ستوقف “العمليات الدفاعية” وتتيح المرور الآمن عبر مضيق هرمز إذا توقفت الهجمات عليها، وهو ما يعكس استمرار منطق المشروطية المتبادلة بين الطرفين. كما أشار مسؤول باكستاني إلى أن إيران قد تتوقع تلبية عدد كبير من مطالبها المتعلقة بإعادة الإعمار والتعويضات ورفع العقوبات، لكنها لا تستطيع أن تتوقع بسهولة الحصول على اتفاق بشأن تخصيب اليورانيوم. وهذا يعني أن أي محادثات سلام، إذا انطلقت بالفعل، ستبدأ من نقطة تتسم بتباعد واضح بين الأجندتين، لا من أرضية اتفاق راسخة.

إعلانات النصر الأميركية والإيرانية

تبنى كل من واشنطن وطهران خطابا يعلن النصر في أعقاب الهدنة. فقد قال ترامب، في تصريحات نقلها النص، إن ما تحقق يمثل “نصرا كاملا وشاملا” بنسبة “100 في المئة”، وأكد أن الاتفاق يفتح الباب أمام سلام طويل الأمد مع إيران وفي الشرق الأوسط. وفي سلسلة منشورات صباح الأربعاء، أعلن فرض رسوم جمركية بنسبة 50 في المئة على جميع السلع القادمة من أي دولة تزود إيران بالأسلحة، وأصر على أن إيران شهدت “تغييرا في النظام” وأنها ستوافق على عدم تخصيب اليورانيوم. كما كتب على منصته “تروث سوشال” أنه لن يكون هناك أي تخصيب لليورانيوم، وأن الولايات المتحدة، بالتعاون مع إيران، ستستخرج “الغبار النووي” المدفون على أعماق كبيرة منذ حرب يونيو/حزيران 2025.

ومن جهته، قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن واشنطن حققت نصرا عسكريا حاسما، وإنها “دمرت تماما” القاعدة الصناعية الدفاعية في إيران، مضيفا أن الإيرانيين لم يعودوا قادرين على صنع الصواريخ والقذائف ومنصات الإطلاق والطائرات المسيرة، وأن برنامجهم الصاروخي دُمر فعليا. وهذه التصريحات الأميركية قدمت الهدنة باعتبارها نتيجة مباشرة لتفوق عسكري واقتصادي أميركي، وليس بوصفها تسوية متوازنة.

في المقابل، أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أن “العدو مُني بهزيمة تاريخية ساحقة لا يمكن إنكارها”، ووصفت طهران الاتفاق بأنه “نصر عظيم”. كما خرجت حشود إلى الشوارع خلال الليل احتفالا، ورفعت الأعلام الإيرانية وأحرقت أعلام الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك، أشار النص إلى وجود قلق داخلي من عدم صمود الاتفاق، ونقل عن موظف حكومي إيراني يبلغ 29 عاما قوله إن إسرائيل قد لا تسمح للدبلوماسية بالنجاح، وإن ترامب قد يغير موقفه سريعا، لكن الإيرانيين يستطيعون على الأقل أن يناموا ليلة واحدة بلا هجمات. ويعكس هذا المشهد الداخلي مزيجا من الشعور بالصمود في وجه القوة الأميركية والإسرائيلية، ومن الخوف من أن يكون الاتفاق مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من القتال.

موازين القوى وقراءة نتائج الحرب

في سياق أوسع يتعلق بأهدافها الأصلية ونتائجها الفعلية، وفي 28 فبراير/شباط، كان ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد قدما الحرب على أنها محاولة لمنع إيران من بسط نفوذها خارج حدودها، وإنهاء برنامجها النووي، وتهيئة الظروف للإيرانيين للإطاحة بحكامهم. إلا أن التطورات اللاحقة، توحي بأن القيادة الإيرانية صمدت في وجه الهجوم، رغم أنها كانت قد واجهت انتفاضة شعبية قبل أشهر، ومن دون أن تظهر مؤشرات حاسمة على معارضة داخلية قادرة على إسقاطها. كما احتفظت إيران حتى الآن، بمخزون من اليورانيوم عالي التخصيب يقترب من المستوى المطلوب لصنع أسلحة نووية، وظلت لديها القدرة على ضرب الدول المجاورة بالصواريخ والطائرات المسيرة.

فقد أثبتت إيران قدرتها على تهديد إمدادات الطاقة في الخليج، رغم الوجود العسكري الأميركي الكبير في المنطقة منذ عقود. ومن هذه الزاوية، قد تعيد الحرب والهدنة معا تشكيل ميزان القوى في الخليج والشرق الأوسط لسنوات مقبلة، سواء من خلال تثبيت دور إيران كطرف قادر على التأثير في أمن الطاقة العالمي، أو من خلال دفع الولايات المتحدة وحلفائها إلى إعادة صياغة أولوياتهم العسكرية والدبلوماسية في المنطقة.

أما في إسرائيل، فقد أعلن مكتب نتنياهو أن إسرائيل أيدت قرار تعليق الهجمات على إيران لمدة أسبوعين، لكنها شددت على أن الاتفاق لا يشمل وقف العمليات العسكرية في لبنان. ووفق النص، من المرجح أن يُنظر إلى الاتفاق على أنه ضربة سياسية لنتنياهو، الذي كرر مرارا أنه يريد سقوط حكام إيران. وقد عبّر يائير جولان، نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، عن هذا الموقف عندما وصف النتيجة بأنها “فشل ذريع” عرض أمن إسرائيل للخطر، قائلا إن البرنامج النووي الإيراني لم يُدمر، وإن التهديد الباليستي لا يزال قائما، وإن النظام الإيراني بقي في مكانه، بل قد يخرج من الحرب أقوى مما كان عليه.

ردود الفعل الدولية

لاقى الإعلان عن وقف إطلاق النار ترحيبا دوليا واسعا، لكنه كان ترحيبا حذرا ومشروطا. فقد قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن الأمين العام يرحب بإعلان الولايات المتحدة وإيران وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، ويدعو جميع أطراف الصراع في الشرق الأوسط إلى الامتثال لالتزاماتهم بموجب القانون الدولي والالتزام بشروط وقف إطلاق النار من أجل تمهيد الطريق نحو سلام دائم وشامل. كما شدد على أن إنهاء الأعمال القتالية بات أمرا ملحا لحماية أرواح المدنيين وتخفيف المعاناة الإنسانية.

ورحب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي بالعودة إلى الدبلوماسية من أجل التفاوض على القضايا الرئيسية، بما في ذلك البرنامج النووي الإيراني، وأكد استعداد الوكالة لدعم هذه الجهود من خلال دورها في الضمانات والتحقق. أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر فاعتبر الاتفاق فرصة للمنطقة والعالم لالتقاط الأنفاس، داعيا إلى دعمه والحفاظ عليه وتحويله إلى اتفاق دائم مع إعادة فتح مضيق هرمز. وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن قرار وقف إطلاق النار يجب أن يكون الخطوة الأولى الحاسمة على طريق السلام الدائم، لأن عواقب استمرار الحرب لا يمكن حصرها.

كذلك رحبت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس بالاتفاق، واعتبرته خطوة إلى الوراء بعيدا عن حافة الهاوية بعد أسابيع من التصعيد، مضيفة أنه يتيح فرصة مطلوبة بشدة لخفض التهديدات، ووقف الصواريخ، واستئناف الشحن البحري، وإفساح المجال أمام الدبلوماسية. كما وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الاتفاق بأنه تهدئة تمس الحاجة إليها، وشددت على أن استمرار المفاوضات ضروري للتوصل إلى حل دائم. وذكرت وزارة الشؤون الخارجية الهندية أنها ترحب بوقف إطلاق النار وتأمل أن يقود إلى سلام دائم في غرب آسيا، مؤكدة أهمية حرية الملاحة وتدفق التجارة العالمية من دون عوائق عبر مضيق هرمز. ومن جهته، قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيث إن وقف إطلاق النار خبر جيد دائما إذا أفضى إلى سلام عادل ودائم، لكنه حذر من أن الارتياح المؤقت لا يجب أن يحجب الفوضى والدمار والأرواح التي أزهقت، داعيا إلى الدبلوماسية والشرعية الدولية والسلام.

الخلاصة العامة

تُظهر المعطيات أن الهدنة الأميركية-الإيرانية تمثل، في هذه المرحلة، توقفا مؤقتا ومشروطا في مسار الحرب، أكثر مما تمثل تسوية مكتملة الأركان. فهي من جهة أوقفت المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران وفتحت الباب أمام محادثات محتملة بوساطة باكستانية، كما خففت مؤقتا من الضغوط على الأسواق وأسعار الطاقة. لكنها، من جهة أخرى، لم توقف الحرب في لبنان، ولم تمنع استمرار الهجمات الإيرانية على بعض دول الخليج، ولم تحسم الخلافات العميقة بشأن مضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، والعقوبات، والنفوذ الإقليمي، وشروط أي سلام طويل الأمد.

وبينما تصف واشنطن ما حدث بأنه انتصار عسكري ودبلوماسي، وتقدمه طهران بوصفه هزيمة تاريخية لخصومها، تشير الوقائع الواردة إلى أن المنطقة دخلت مرحلة تفاوضية شديدة الهشاشة، تتداخل فيها الهدنة مع استمرار العمليات العسكرية، وتتجاور فيها إشارات الانفراج مع احتمالات الانهيار السريع. وعلى هذا الأساس، تبدو المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة الأطراف على تحويل وقف إطلاق النار من هدنة محدودة إلى مسار تفاوضي فعلي، أو بعجزها عن ذلك بما يعيد المنطقة إلى دورة تصعيد جديدة.

ذات صلة

المسؤولية الكبرى للقائد في توحيد الأمةالحرب على ايران.. تقييم النتائج والتصورات المستقبليةكظم الغيظ في زمن الفتن: قراءة أخلاقية روائية في ضوء التحديات المعاصرةالقرآن الكريم وبنية الصراع الكوني: قراءةٌ سرديَّة في قصة سجود الملائكة لآدمإيران قد تثبت صحة وجهة نظر ترامب.. وهنا تكمن المشكلة