مضيق هرمز يواجه أخطر أزماته: هل يتحول إلى ساحة للمعارك واستهداف ناقلات النفط؟

موقع الطاقة

2026-03-05 04:17

بعد إعلان إغلاق مضيق هرمز رسميًا، تحولت الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية إلى استهداف ناقلات النفط والسفن التجارية وطواقمها. ودخل المضيق أخطر مراحله منذ سنوات، بعد موجة مركّزة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت 5 سفن تجارية في مياه خليج عُمان والإمارات العربية المتحدة، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.

ومع تعليق المواني عملياتها مؤقتًا، وإعادة شركات التأمين تقييم مخاطر الحرب، وبيانات نظام التعرّف الآلي "إيه آي إس" (AIS) التي تُظهر انهيار حركة الملاحة، تحوّل الوضع الأمني البحري في المنطقة من توتر متصاعد إلى أزمة حقيقية.

وبدءًا من يوم الأحد 1 مارس/آذار الجاري، رفع مركز المعلومات البحرية المشترك "جيه إم آي سي" (JMIC) مستوى التهديد البحري الإقليمي إلى "حرج"، بعد تأكيد وقوع هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على عدة سفن تجارية في خليج عُمان، وممرات مسندم، والمياه الساحلية للإمارات العربية المتحدة.

خسائر بشرية في حوادث متعددة

وقع أخطر حادث على بُعد نحو 44 ميلًا بحريًا (81.488 كيلومترًا) شمال غرب مدينة مسقط في سلطنة عُمان؛ إذ تعرضت ناقلة النفط الخام "إم كيه دي فيوم" للهجوم فوق خط الماء. وتسبّب الاصطدام في انفجار وحريق بغرفة المحركات، ما أسفر عن مقتل أحد أفراد الطاقم. وفي 2 مارس/آذار الجاري، أُفيد بأن الحريق تحت السيطرة، وأن السفينة ما تزال طافية في انتظار قطرها إلى ميناء آمن.

في وقت سابق، اشتعلت النيران في ناقلة النفط "سكاي لايت"، الراسية على بُعد 5 أميال بحرية شمال مدينة خصب في سلطنة عُمان، إثر هجوم. وأُصيب 4 من أفراد طاقمها الـ20، الذين كانوا عبارة عن 15 هنديًا و5 إيرانيين، وأُجلي الطاقم بالكامل لاحقًا. بدورها، تعرّضت ناقلة المواد الكيماوية والمنتجات "ستينا إمبيراتيف"، التي ترفع العلم الأميركي، لهجوم بقذائف متعددة في أثناء رسوها بمدينة سلمان الصناعية بميناء البحرين في الساعات الأولى من صباح 2 مارس/آذار الجاري.

وقُتل عامل في حوض بناء السفن جراء الشظايا، وأُصيب اثنان آخران بجروح خطيرة، ويُعتقد أن طائرات مسيّرة أو صواريخ إيرانية الصنع استُعملت في الهجوم، وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة. وتعرّضت ناقلة النفط "هركيوليس ستار" لهجوم على بُعد نحو 17 ميلًا بحريًا شمال غرب ميناء صقر في الإمارات العربية المتحدة. واندلع حريق على متنها، لكن تمت السيطرة عليه، ولم ترد أنباء عن وقوع إصابات، وواصلت السفينة إبحارها لاحقًا بقوتها الذاتية.

بالإضافة إلى ذلك، أبلغت ناقلة البضائع السائبة "أوشن إلكترا" من فئة "باناماكس" عن اقترابها من هدف على بُعد نحو 35 ميلًا بحريًا غرب مدينة الشارقة في الإمارات العربية المتحدة، دون أن تتعرّض لأي أضرار. وفقًا لمركز المعلومات البحرية المشترك، "لا توجد أي صلة عملياتية أو سياسية واضحة" تربط السفن المستهدفة. وأضاف البيان: "جميع السفن التجارية، بغض النظر عن علمها أو جنسيتها، مُعرّضة للخطر". وما تزال تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة قائمة في مضيق هرمز وخليج عُمان، ولم يتم تأكيد وجود أي نشاط للألغام البحرية في الوقت الحالي.

استهداف البنية التحتية للمواني والطاقة

تعرّضت البنية التحتية الإقليمية لهجمات: وعلّق ميناء جبل علي العمليات لمدة وجيزة، عقب اعتراض جوي تسبّب في حريق، قبل استئناف النشاط بصورة محدودة. وما يزال ميناء الدقم في سلطنة عُمان يعمل بعد أن أسفرت غارتان جويتان بطائرات مسيّرة عن إصابة عامل. وأفادت التقارير بإغلاق مصفاة رأس تنورة في المملكة العربية السعودية عقب غارة جوية بطائرة دون طيار ونشوب حريق.

من جانبها، علّقت البحرين عمليات المواني وخدمات الإرشاد البحري مؤقتًا. وأبلغ ميناءا رأس لفان ومسيعيد في قطر عن تدهور كبير في إشارة نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). يُذكر أن هناك تداخلًا كبيرًا في أنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية "جي إن إس إس/جي بي إس" (GNSS/GPS) في مداخل مضيق هرمز، ما يزيد من مخاطر الملاحة وسط ازدحام شديد وتزايد التهديدات الجوية.

انخفاض حاد في حركة الملاحة في مضيق هرمز

تشير بيانات نظام التعرّف الآلي إلى أن عدد السفن العابرة لمضيق هرمز قد انخفض إلى 28 سفينة فقط خلال 24 ساعة، أي بانخفاض يقارب 80% عن المتوسط اليومي التاريخي الذي يقارب 138 سفينة. وانخفضت حركة الشحن من 98 حركة مجتمعة باتجاه الشرق والغرب في 28 فبراير/شباط الماضي إلى 18 حركة فقط في الأول من مارس/آذار. وانخفضت حركة ناقلات النفط بصورة حادة، من 50 حركة مجتمعة إلى 3 فقط. وحذّر مركز المعلومات البحرية المشترك من أن هذا الانخفاض قد يعكس توقفًا مؤقتًا وليس توقفًا هيكليًا، لكن من الواضح أن شركات التأمين والمشغلين يعيدون تقييم المخاطر.

أسواق ناقلات النفط تستعد لتداعيات خطيرة

تُؤدي الحرب التي عطّلت حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز بشدة إلى ما يُحذّر المحللون من أنه قد يكون اضطرابًا تاريخيًا في سوق ناقلات النفط. وينقل هذا الممر المائي الإستراتيجي، الذي يربط مُصدّري النفط الخام في الخليج العربي بالأسواق العالمية، ما يقرب من 15 مليون برميل يوميًا من النفط الخام، أي ما يُعادل ثلث تجارة النفط الخام العالمية المنقولة بحرًا.

ومع تحوّل السفن حاليًا بعيدًا عن المضيق لتجنّب خطر الهجوم، وسحب شركات التأمين تغطيتها لمخاطر الحرب، فقد أثّر هذا الاضطراب في أكثر من 11 مليون برميل يوميًا من إمدادات النفط الخام. وارتفعت أسعار العقود الآجلة لخام برنت من 73.15 دولارًا للبرميل في 27 فبراير/شباط الماضي إلى 79.11 دولارًا للبرميل بحلول 2 مارس/آذار الجاري، في أعقاب الضربات الانتقامية في الخليج، وفقًا لتحليل أجرته شركة دروري للأبحاث البحرية (Drewry Maritime Research).

أزمة الإمدادات

تتفاقم الأزمة بصورة حادة نظرًا إلى محدودية البدائل المتاحة لتجاوز مضيق هرمز، فجميع منتجي النفط الرئيسين في الشرق الأوسط من منظمة أوبك -السعودية وإيران والإمارات والكويت والعراق- يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذا الطريق لتصدير نفطهم الخام.

ورغم أن السعودية والإمارات والعراق تُشغّل خطوط أنابيب توفر خيارات جزئية للتصدير البري، فإن قدرتها الفائضة مجتمعة تُقدّر بنحو 4 ملايين برميل يوميًا فقط. ووفقًا لتقييم شركة دروري للأبحاث البحرية، فإن "استمرار الحصار على تدفقات النفط الخام عبر مضيق هرمز ستكون له تداعيات خطيرة على إمدادات النفط العالمية وأمن الطاقة". وحذّر التقييم من "ارتفاع حاد في أسعار النفط، وتقلبات سوقية متزايدة، وآثار سلبية كبيرة على التضخم والنمو الاقتصادي في جميع أنحاء العالم".

أسعار ناقلات النفط مُهيّأة لارتفاع تاريخي

من المتوقع أن يُحدث هذا الاضطراب تحولًا جذريًا في أسعار شحن ناقلات النفط، لا سيما ناقلات النفط العملاقة. ويشير تحليل دروري إلى أن "الانخفاض المفاجئ في تدفقات النفط من الشرق الأوسط يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، وإلى ارتفاع كبير في أسعار شحن ناقلات النفط". ومع تنويع المستوردين إستراتيجيات التوريد، ستتوسع طرق التجارة لمسافات طويلة -مثل خليج الولايات المتحدة/غرب أفريقيا إلى آسيا- بصفة ملحوظة، ما يزيد الطلب على الشحنات لكل ميل ويتطلّب إعادة تموضع سريعة للسفن، ما سيؤدي إلى انخفاض مؤقت في الحمولة المتاحة.

ووفقًا للتقييم، فإن أسعار ناقلات النفط العملاقة، المرتفعة أصلًا بسبب محدودية توافر الأسطول وتركز الملكية، "قد ترتفع إلى مستويات قياسية جديدة".

في المقابل، فإن "الجمع بين ارتفاع علاوات المخاطر، وزيادة مسافات الرحلات، وعدم كفاءة العمليات اللوجستية على المدى القصير، ستدعم بقوة أرباح السوق الفورية في جميع قطاعات ناقلات النفط الخام".

الأسواق الآسيوية تواجه مخاطر حادة

على الرغم من أن نحو 88% من النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز متجه إلى الأسواق الآسيوية -إذ تُعد الصين والهند واليابان أكبر المستوردين- فإن الاضطراب المستمر سيؤدي إلى انخفاض في إمدادات النفط العالمية. وستؤدي محدودية الإمدادات عبر هذه النقطة الحرجة إلى تضييق ميزان النفط العالمي وتضخيم المنافسة على الشحنات البديلة.

ارتفاع تكاليف وقود السفن

ستؤدي أي زيادة مستمرة في أسعار النفط الخام إلى ارتفاع أسعار وقود السفن، إذ يُستخرج وقود السفن من مواد خام تُصنّعها المصافي وترتبط هذه المواد بأسعار النفط الخام. وستؤدي زيادة تكاليف المواد الخام إلى ارتفاع أسعار وقود السفن في مراكز التزويد الرئيسة، ما يزيد بصورة كبيرة من نفقات الرحلات البحرية وتكاليف التشغيل في قطاعات الشحن.

وفي حال استمرار شحّ الإمدادات لفترة طويلة، قد تُضطر المصافي إلى خفض الإنتاج بسبب محدودية توافر النفط الخام أو انخفاض هوامش الربح، ما يزيد من شحّ إمدادات وقود السفن ويُمارس ضغطًا تصاعديًا مستمرًا على الأسعار.

أهمية تصعيد التهديدات للبنية التحتية

لطالما كانت ردود فعل أسواق النفط العالمية على تعطيل البنية التحتية أشدّ حدةً من ردود فعلها على الهجمات على ناقلات النفط. وأدت هجمات الحوثيين عام 2019 على منشأتي أرامكو في بقيق وخريص إلى توقف مؤقت لإنتاج نحو 5.7 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب 5% من الإمدادات العالمية، ما تسبب في واحدة من أكبر قفزات أسعار النفط في يوم واحد على الإطلاق. وأشارت رئيسة قسم أبحاث الطاقة في الشرق الأوسط ومنظمة أوبك+ لدى شركة التحليلات كبلر، أمينة بكر، إلى أن السوق قد تقلل من شأن تداعيات المسار الحالي. وقالت: "في الوقت الراهن، ومع محدودية الطاقة الفائضة في النظام، واستمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، فإن تدفقات النفط بعيدة كل البعد عن الوضع الطبيعي، وهذا هو الخطر الذي تقلّل السوق من شأنه". وقبل اندلاع الحرب، أظهرت بيانات شركة كيبلر فائضًا في المعروض يبلغ نحو 1.5 مليون برميل يوميًا لعام 2026. وقد يتبخر هذا الفائض بسرعة إذا ما توقفت عمليات التكرير أو الإنتاج عن العمل نتيجة لهجمات إيرانية مطولة. وقالت أمينة بكر: "ما سيصدم هذه السوق هو ما إذا تأثرت الإمدادات أم أدركت السوق أن الأمر سيستغرق وقتًا أطول مما كان مخططًا له في البداية".

اضطرابات مضيق هرمز

حتى دون إغلاق رسمي لمضيق هرمز، ارتفعت أقساط التأمين وأسعار الشحن بصورة كبيرة، وتتجنّب بعض السفن الممر المائي تمامًا، وتعيد توجيه شحناتها بتكلفة إضافية باهظة. ومعظم النفط الخام والغاز المسال المتدفق عبر مضيق هرمز متجه إلى آسيا. وتتمتع الصين بوضع جيد نسبيًا بفضل مخزوناتها الكبيرة التي تراكمت العام الماضي من خلال شراء كميات كبيرة من النفطَيْن الروسي والإيراني بأسعار مخفضة.

أما الهند، التي تمتلك احتياطيات أقل من النفط الخام الإستراتيجي ومخزونات تكفي لنحو 9 إلى 10 أيام فقط، فهي أكثر عرضة لاضطرابات طويلة الأمد. وتواجه أوروبا، التي سعت إلى زيادة شحنات الغاز من الشرق الأوسط منذ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، ارتفاعًا في أسعار الغاز ونقصًا مستمرًا في الإمدادات.

مخاطر التصعيد المقبلة

ما تزال منشآت النفط والغاز في الخليج العربي عرضة للخطر. وتقع حقول النفط والغاز البحرية الرئيسة في أبوظبي، التي تديرها شركة بترول أبوظبي الوطنية وشركاؤها، على مقربة من إيران. وتتركز حقول النفط والغاز السعودية في المنطقة الشرقية، وقد استهدف الحوثيون خط أنابيب النفط والغاز بين الشرق والغرب، القادر على نقل ما يصل إلى 5 ملايين برميل يوميًا إلى محطات البحر الأحمر، في عام 2019. وعلى الرغم من أن منشآت الخليج تستعد لمزيد من الهجمات الإيرانية، أشار المدير الإداري لشركة إف جي إي (FGE) لاستشارات النفط والغاز والبحث والتحليل، إيمان ناصري، إلى أن خطر التعطيل متبادل. من جهتها، تنتج إيران أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا، وأي ضرر كبير يلحق بنظام تصديرها، لا سيما في خارك، سيمثّل خسارة كبيرة في إمدادات السوق.

ذات صلة

أنسب وأقصر الطرق للتغييرعبقريةُ المجتبى: استراتيجيةُ الحكمِ الرشيدِ في زمنِ الانكساراتالإصلاحات البنكية وتأثيرها على تنمية القطاع الخاص في العراقالاختيار الامريكي.. السيطرة على العالم أم قيادة العالمالسخاء.. نور يضيء القلوب ويقرب إلى الله (تعالى)