مركز آدم ناقش.. التوازن ما بين مقتضيات التدخل الإنساني وسيادة الدول
مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات
2026-02-10 03:48
عقد مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات جلسة حوارية في ملتقى النبأ الاسبوعي تحت عنوان (التوازن ما بين مقتضيات التدخل الإنساني وسيادة الدول)، وذلك بحضور عدد من الأساتذة ومدراء المراكز البحثية والأكاديميين المختصين، قدم الورقة الباحث في المركز الأستاذ الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، التي تلاها بالقول:
ما يلفت الانتباه حقًا هو وجود معيارين مزدوجين أو نظرة تمييزية للإنسانية وكأنها مقسمة إلى نوعين: فئة أولى تُعامل بامتياز، وأخرى تُعامل وكأنها أقل شأنًا. العدوان يبقى عدوانًا، سواءً كان موجهًا ضد أي إنسان بغض النظر عن خلفيته الدينية أو الثقافية أو اللغوية أو موقعه الجغرافي. لا يتغير تعريف العدوان بتغير المواقع أو الأشخاص، فالإنسانية واحدة لا تقبل التقسيم، سواء كان الإنسان في أوروبا، إسرائيل، أو أي مكان آخر.
المثير للاستغراب أننا نشهد بأعيننا كيف يُمارس ازدواج المعايير باستمرار في القضايا الدولية، حيث تختلف ردود الفعل والمعايير تبعًا للطرف الذي يتم العدوان عليه. هذه الازدواجية ليست محصورة فقط بتعريف العدوان، ولكنها تمتد أيضًا إلى الحقوق الأساسية للأفراد والشعوب، خصوصًا الحق في تقرير المصير. نجد أن هناك شعوبًا يُعترف لها بحقوقها كاملة في اختيار نظمها السياسية، تحقيق سيادتها الوطنية، وضمان أمنها الإقليمي، بينما تُحرم شعوب ودول أخرى من هذه الحقوق.
الأمر الأكثر غرابة هو التعامل مع جماعات كانت تُعتبر يومًا ما إرهابية، ثم تغيرت مواقف العالم تجاهها تمامًا بتغير المصالح والموازين، فأصبحت تُعتبر شرعية ولها حق النضال ضد الأنظمة الديكتاتورية، بل ويتم دعمها ودعوتها للمشاركة في الجمعيات الدولية ككيانات مشروعة لها كامل الحق في التعبير عن ذاتها ووجودها.
هذه الإشكاليات دفعتنا إلى مناقشة هذا الموضوع وهي من الإشكاليات اليومية التي نشهدها في إطار المجتمع الدولي ونظامه المليء بالمواقف المتباينة.
عند الحديث عن موضوع التدخل الإنساني، من الضروري الرجوع قليلاً لفهم الجذور التاريخية لهذا المفهوم، فالجماعة الدولية في العصر الحديث قامت أساساً على فكرة السيادة، وهي الفكرة التي بدأت تبرز مع ظهور ملامح التنظيم الدولي في القرن السادس عشر، وقبل ذلك في القرن الخامس عشر. خلال تلك الفترة، كانت الدول تتشبث بفكرة السيادة، خوفاً من التدخل في شؤونها الداخل. هذا التشبث تسبب في نشوء العديد من النزاعات والمشاكل التي أرهقت العلاقات الدولية، وكانت الحروب قائمة على قدم وساق آنذاك.
مع هذه الأوضاع المضطربة، تم التوافق على ضرورة تنظيم العلاقات الدولية بشكل يحد من الفوضى والصراعات، وكان ذلك من خلال توقيع معاهدة وستفاليا عام 1648، التي تُعتبر نقطة الانطلاق نحو تأسيس التنظيم الدولي الحديث. ورغم اقتصار تطبيق المبادئ التي نصت عليها المعاهدة على الدول الأوروبية في البداية، إلا أن هذه المبادئ وجدت طريقها لاحقاً إلى دول أخرى مثل الدولة العثمانية وبعض الكيانات الأخرى التي بدأت تتفاعل مع الجماعة الدولية وفقًا لقواعد جديدة.
في عام 1815، شهد العالم خطوة أخرى هامة في مسار تطور التنظيم الدولي مع توقيع اتفاقية فيينا، التي تبعتها لاحقاً اتفاقية الحلف المقدس. كانت تلك الفترة محطة تحول كبيرة، حيث اتخذت العلاقات الدولية اتجاهاً مختلفاً أكثر تنظيماً.
ومع ذلك، ظلت إشكالية السيادة عقبة أساسية أمام تطور التنظيم الدولي. فقد كانت الدول متمسكة بشكل كبير بسيادتها المطلقة على أراضيها ورافضة لأي تدخل خارجي في شؤونها. لهذا السبب، ظهرت في ذلك الوقت منظمات تخصصية فقط، تركزت على مجالات محددة مثل الاتصالات، المواصلات، والفحم، دون أن تشهد الساحة الدولية إنشاء منظمات ذات طابع سياسي مثل عصبة الأمم أو الأمم المتحدة.
المنظمات السياسية الإقليمية الحالية كجامعة الدول العربية، منظمة الوحدة الأفريقية، منظمة التعاون الإسلامي وغيرها لم تكن موجودة آنذاك لأسباب مرتبطة بالتحفظ الكبير للدول على المساس بمفهوم السيادة. تمسكت كل دولة باستقلاليتها واستبعدت فكرة وجود منظمات ذات طابع سياسي يمكن أن تؤثر على سيادتها أو قراراتها الداخلية.
السيادة تحمل أبعادًا متعددة، فهي ذات مفهوم قانوني، سياسي، وكذلك اجتماعي. إذا ركزنا على المعنى القانوني المتداول، نجد أن السيادة في اللغة تشير إلى الرفعة أو المكانة. فعندما نصف شخصًا بأنه سيد، فإننا نعني بذلك أنه يمتلك السيادة على قراراته وشؤونه الخاصة، وأحيانًا تمتد هذه السيادة لتشمل أتباعه وأقرانه.
أما من الناحية القانونية، فتعني السيادة أن تتمتع الدولة باستقلالية كاملة وحرية مطلقة في إدارة شؤون إقليمها. وهذا المفهوم يصبح أساسياً عند الحديث عن مقومات الدولة، حيث إن الدولة تتألف من الشعب والإقليم والسلطة السياسية. ولكي تكتمل عناصر الدولة، يجب أن تتحلى السلطة السياسية بالسيادة، مما يعني قدرتها على فرض قوانينها وبسط سلطتها القضائية على كامل الإقليم الذي تسيطر عليه. فقط في هذه الحالة يمكن وصف الدولة بأنها ذات سيادة.
ولكن إذا أنتقص هذا الحق أي انتقاص أو قيد يحد من قدرة الدولة على فرض سلطانها وقوانينها على الإقليم الخاص بها، فحينها تنقص صفة السيادة عنها. إذ أن فقدان القدرة على إدارة وحكم الإقليم بشكل كامل يعني أنها ليست دولة تتمتع بالسيادة المطلقة.
لذلك السيادة ليست مجرد مطلب شعبي أو سياسي فحسب، بل هي أيضًا مطلب قانوني أساس. فالدولة لكي تكون قادرة وقوية يجب أن تتمتع بسيادتها الكاملة. ولهذا نجد أن جميع الدساتير تقريبًا حول العالم، بما في ذلك الدساتير العراقية، تؤكد أهمية السيادة كمبدأ جوهري.
ينص دستور العراق لعام 2005 في المادة الأولى على أن العراق دولة ذات سيادة، مما يؤكد أن له السيادة الكاملة على جميع أراضيه، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. وبموجب هذه السيادة، تفرض الدولة قوانينها وسلطتها القضائية على السكان والإقليم وكل من يتواجد فيه. ومع ذلك، غالبًا ما تحدث نزاعات وأزمات من حين لآخر في العراق أو في دول أخرى، مما يؤدي إلى ما نشهده يوميًا من انتهاكات لحقوق الإنسان ومشكلات لا تعد ولا تحصى. هذه القضايا تبدو بلا نهاية أو حل واضح في الأفق، إذ بات من المستبعد أن نصحو يومًا دون أن تواجهنا تلك التحديات التي تمس الإنسان وحقوقه وحرياته، أو دون سماع الأخبار المحزنة والمآسي المتكررة التي أصبحت جزءًا يوميًا من واقع حياتنا.
من شرق العالم إلى غربه، نتطلع إلى واقع الأحداث المقلق في سوريا، السودان، ليبيا، العراق، إيران، وغيرها من المناطق التي تعج بالمشاكل اليومية والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وحرياته. هذه الأزمات ليست جديدة وإنما انعكاس لتاريخ طويل من الفظائع الإنسانية.
عند استعراض تطور مفهوم التنظيم الدولي، نجد أن التاريخ شهد تغيرات تدريجية بدأت من معاهدة وستفاليا ووصلت إلى معاهدة فيينا عام 1815، حيث أصبحت رؤية العالم للعلاقات الدولية أكثر تعقيدًا آنذاك، حيث كانت الدول القوية التي تحكم اللعبة الدولية تتدخل بشكل ملحوظ في شؤون الدول الأخرى. ولهذا السبب، كانت قضية السيادة الوطنية نقطة محورية للدول التي سعت لتجنب التدخلات الأجنبية. على سبيل المثال، كانت الدول الأوروبية تتدخل كثيرًا في شؤون دول أمريكا الشمالية والجنوبية، مما دفع الرئيس الأمريكي جيمس مونرو إلى إصدار تصريح شهير عام 1823 يُعرف بـ "مبدأ مونرو"، الذي قال فيه "أمريكا للأمريكيين" دعوة لحصر الأمر بأبناء القارتين الأمريكيتين ومنع تدخل الأوروبيين.
منذ ذلك الحين، بدأت النقاشات حول إمكانية تأسيس منظمات سياسية لتنظيم العلاقات الدولية. وبعد الحرب العالمية الأولى، تجلى اتجاه عالمي لتأسيس عصبة الأمم كأول منظمة دولية تهدف لإرساء السلام. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية وما خلفته من كوارث، اتفقت القوى الكبرى مثل أمريكا، بريطانيا، وفرنسا، وغيرها من الدول ذات النفوذ، على تأسيس هيئة جديدة تضمن الأمن والسلم الدوليين. عُقدت عدة مؤتمرات لهذا الهدف، مثل مؤتمر يالطا، طهران، سان فرانسيسكو وتصريح القاهرة، حتى تم تأسيس الأمم المتحدة رسمياً في سان فرانسيسكو عام 1945. بعد التوقيع على ميثاقها دخل حيز التنفيذ في أكتوبر من العام ذاته.
عندما انضمت الدول إلى الأمم المتحدة، كان على كل منها الإقرار بقبول مبادئ معينة من ضمنها احتمال التدخل في الشؤون الداخلية، ولكن ليس أي تدخل؛ بل يتعلق الأمر بالتدخل الإنساني وفقًا لما ورد في ميثاق الأمم المتحدة. هذا الميثاق يهدف أساسًا إلى ترسيخ العلاقات السلمية بين الدول وصياغة نظام دولي يعتمد على التسوية السلمية للنزاعات. في المادة الثانية، البند الرابع، يُشير الميثاق بوضوح إلى أن الأمم المتحدة موجهة فقط نحو الدول الساعية للسلام. أما في البند الثالث، فهناك إشارة صريحة بضرورة حل النزاعات بالطرق السلمية.
أما المادة السابعة من الميثاق فتتيح للأمم المتحدة التدخل لحماية حقوق الإنسان ومنع انتهاكاتها. ويؤكد الفصل السابع بدايةً من المادة 39 وما يليها أن الأمم المتحدة تمتلك الحق باستخدام القوة المسلحة لمواجهة أي خطر يهدد الأمن والسلم الدوليين أو يعرض الحقوق والحريات الفردية لأي انتهاك. هذا النهج يعكس اهتمام المجتمع الدولي بحماية القيم الإنسانية الأساسية وضمان الأمن والاستقرار العالميين.
ما يمكن ملاحظته بوضوح هو التمييز الذي يضعه المجتمع الدولي بين حقوق الإنسان كحقيقة قانونية عامة من جهة، والقانون الدولي الإنساني الذي يتولى حماية حقوق الإنسان في أوقات الأزمات والنزاعات المسلحة من جهة أخرى. ففي ظل أوقات السلم، خصصت الأمم المتحدة سلسلة طويلة من الاتفاقيات والمعاهدات التي بدأت بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، والذي تناول تنظيم مختلف الحقوق الأساسية مثل حق الإنسان في الحياة، الجنسية، السفر وغيرها. بعد ذلك، جاءت العهدان الدوليان الخاصان بالحقوق المدنية والسياسية من جهة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى، واللذان وسعا النطاق لتشمل مجالات أكثر تحديدًا.
وفي سياق قضايا محددة مثل الإبادة الجماعية، تبنت الأمم المتحدة اتفاقية خاصة عام 1965 وأصدرت تصريحًا إضافيًا عام 1971. أما فيما يتعلق بمسألة التدخل في شؤون الدول، فقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر قرارها رقم 1131 الصادر في العام 1965 أن التدخل الأممي يقتصر على الأغراض الإنسانية فقط. كما جاء تصريح الأمم المتحدة عام 1960 داعمًا لمبادئ القضاء على الاستعمار وإنهاء الاستعمار وإعداد الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي لتقرير مصيرها وفق ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة.
فيما يتعلق بالقانون الدولي الإنساني، قامت الأمم المتحدة بتبني معاهدات خاصة لتنظيم هذا المجال، وكان أبرزها اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، بالإضافة إلى البروتوكولين المكملين لها في عام 1977. وركزت هذه الاتفاقيات على حماية المدنيين والمرافق المدنية أثناء الحروب، موضحة السبل الممكنة لضمان سلامة الفئات الأكثر تضررًا مثل الجرحى والمرضى وكبار السن وغيرهم ممن لا يشاركون بشكل مباشر في النزاعات المسلحة.
عند النظر إلى الواقع الدولي في تلك الفترة، نجد أنه كان محكومًا بأحداث الحرب الباردة التي قسمت العالم إلى معسكرين رئيسيين: الغربي والشرقي. هذه الحقبة شهدت توقيع العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ولكنها في الأغلب لم تعكس ما يجري فعليًا على أرض الواقع. فما كُتب وتفق عليه على الورق كان شيئًا، وما حدث فعليًا شيء آخر مختلف تمامًا. مثال على ذلك يمكن رؤيته في النزاع العراقي الإيراني عام 1980، حيث تدخل كلا المعسكرين لدعم هذه الحرب وإطالة أمدها قدر الإمكان. كان القانون الدولي في اتجاه، والواقع الدولي في اتجاه معاكس تمامًا، حيث استمرت النزاعات والصراعات بلا هوادة.
القوى الكبرى كانت دائمًا في قلب النزاعات؛ الولايات المتحدة شاركت في حروب عديدة مثل فيتنام وكوريا، ولم تتوقف عن دخول معتركات جديدة. بريطانيا خاضت نزاعًا مع الأرجنتين، وفرنسا كانت منخرطة بشكل يومي في مالي. استقرار العالم بدا وكأنه أمر بعيد المنال. ثم جاء انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، مما أدى إلى ظهور نظام أحادي القطبية وما تلاه من متغيرات. ومع ذلك، لم ينتهِ الانفصال بين القانون الدولي والواقع الفعلي، لا بل استمر بعد الألفية الجديدة. رأينا كيف انتهكت الولايات المتحدة سيادة كل من أفغانستان والعراق، وأظهرت أن السيادة أصبحت مفهوماً مُهملاً.
كانت السيادة قبل ذلك واحدة من الذرائع المستخدمة لتأجيل تطور التنظيم الدولي الحديث. الآن ومع التحولات الدولية الحديثة، يبدو أن سيادة الدول قد أصبحت أمرًا هامشيًا؛ فالنظام العالمي الحالي تحكمه القوة، حيث الدول الأقوى تفرض إرادتها، وغالبًا ما تكون هناك مبررات جاهزة لأي نوع من التدخلات في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
أما بشأن هذه التدخلات، فيمكن تصنيفها إلى أنواع مختلفة. الأولى هي تلك المرتبطة بحماية الأمن الجماعي. على سبيل المثال، نرى الاتحاد الأوروبي يتدخل في أي نزاع يقع داخل حدوده تحت ذريعة حماية أمن أوروبا الجماعي. وفي عالمنا العربي كذلك، يمكن الإشارة إلى مواقف مثل تلك التي اتخذتها جامعة الدول العربية في أحداث عام 1991 أو الأزمات كالتي شهدتها سوريا عام 2011. ورغم ضعف التنظيم العربي بشكل عام لكن ظهرت له بوادر معينة.
لمزيد من النقاش نطرح السؤالين الآتيين:
السؤال الأول/ لماذا تغيرت النظرة العالمية لحقوق الإنسان من قيم عابرة للحدود والثقافات إلى مجرد شعارات سياسية بحتة تستخدم للإساءة لمضمونها بدل من توفير الحماية له؟
السؤال الثاني/ لماذا بات مستساغًا تقسيم الناس إلى فئات وطبقات على المستوى الدولي والوطني وإلى أين سيقود هذا الواقع الدولي والسياسي الجديد؟
المداخلات
- الدكتور عقيل الحسناوي؛ باحث وأكاديمي:
النظرة لحقوق الإنسان لم تتغير إطلاقًا، لأن حقوق الإنسان لم تكن في أي مرحلة من مراحل التاريخ هي المرجعية الحاكمة للعلاقات الدولية، ولم تشكل المعيار الأساسي فيها. منذ بداية الحضارات وحتى يومنا هذا، سواء في العصور القديمة تحت حكم الإمبراطوريات، أو مع ظهور الدول القومية، وصولًا إلى العصر الحديث، كان ميزان القوى هو العامل الأساسي في تحديد ما يعتبر حقًا وما يُصنف على أنه انتهاك.
إضافة إلى ذلك، فإن مفهوم حقوق الإنسان يعتبر نسبيًا حسب الظروف والقوى الفاعلة. فعلى سبيل المثال، نجد أن الأطراف القوية تنظر إلى التدخلات بأنها حق مشروع ومسؤولية أخلاقية وشرعية، بينما تراها الأطراف الضعيفة انتهاكًا للحقوق واعتداءً على السيادة. هذا التفاوت في تفسير الحقوق ينبع بشكل كبير من اختلال ميزان القوى.
الحقوق ومفاهيمها ترتبط غالبًا بالسياقات الثقافية والسياسية لكل مجتمع، ما يجعلها نسبية وتختلف في تفسيرها وقبولها بين دولة وأخرى. على سبيل المثال، قضايا مثل المثلية تُعتبر في الدول الغربية حقًا مشروعًا ومقبولًا، فيما تراها بعض الدول الأخرى مخالفة لقيمها وثقافتها، مما يؤدي إلى وصف هذه الدول بالرجعية أو التخلف من قبل الطرف الآخر.
الحقيقة أن الحقوق ليست ثابتة بمعنى مطلق، ولكنها تتشكل وفق المصالح، وتُستخدم أحيانًا كأداة لتبرير أفعال معينة أو لتحقيق أهداف سياسية. فعلى سبيل المثال، نجد أن التدخلات الدولية كثيرًا ما تعتمد على خطاب حماية الحقوق أو الأمن القومي، كالتدخل الروسي في أوكرانيا بذريعة حماية الأمن القومي لروسيا، أو مساعي الولايات المتحدة في قضايا تضمنت مناطق مثل غرينلاند بحجة الأمن القومي.
حتى على مستوى الوثائق العالمية مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يمكن القول إنه لم يكن دائمًا معيارًا عالميًا بحق، بل وُظف في فترات معينة لإعادة تشكيل موازين القوى بين الدول المنتصرة في الصراعات. بالتالي، الحقوق موجودة كفكرة، لكنها كانت ولا تزال أداة تُكيف بناءً على السياق والغايات.
- الشيخ مرتضى معاش:
أولًا، من الضروري أن نفهم معنى السيادة. هل يمكن اعتبار السيادة مطلقة عندما تستند إلى سلطة ليست شرعية؟ وما هو مفهوم الشرعية أساسًا؟ إذا كان النظام الحاكم يستمد "شرعيته" من القوة والاستبداد، فهل هذا يمنحه بالفعل شرعية حقيقية؟ وإذا اعتبرنا أن القوة توفر الشرعية، فهل تعني هذه الشرعية وجود السيادة؟
انطلاقًا من هذه النقطة، يمكننا القول إنه إذا أعطينا الشرعية لنظام حكم فقط بناءً على سلطته القسرية، فإننا نتجاهل الركن الأساسي الآخر، وهو الشعب الذي يرفض هذه السلطة. وعندما يكون الشعب مهمشًا أو مستبعدًا، هناك مبرر قوي جدًا للتدخل في مثل هذه الدول التي يسيطر عليها طغاة ديكتاتوريون لا يمتلكون أي شرعية حقيقية.
لكن ينبغي توضيح الفرق بين التدخل السياسي والتدخل الإنساني. التدخل السياسي غالبًا ما ينبع من مصالح الدول وقضاياها الذاتية، وهو ما يفقده الشرعية، لأنه يعكس حالة من الانتهازية السياسية. بالمقابل، التدخل الإنساني ينبغي أن يكون موجهًا لإنقاذ الشعوب من حكام دكتاتوريين يعتدون على حقوق الإنسان ويستبيحون كرامة الأفراد.
المشكلة هنا أن القانون الدولي لا يضع معايير واضحة وثابتة للتدخل الإنساني، مما يفتح الباب أمام عراقيل عديدة. أولى هذه العراقيل هي المصالح المتغيرة والمتعارضة بين الدول، حيث تصوغ كل دولة مسارها بناءً على أولوياتها الآنية. كما أن مفاهيم مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان غالبًا ما تكون ذات طابع نسبي ومتغير، مما يثير تساؤلات حول مصداقية تلك المبادئ عندما تُستخدم كذريعة للتدخل في شؤون دول أخرى.
أما الليبرالية الغربية فهي ذات طابع مشوه، حيث يصور الغرب نفسه كحامي المساواة والعدالة والحرية وحقوق الأقليات، بينما الواقع يُظهر ازدواجية صريحة في تطبيق هذه المبادئ. على سبيل المثال، نجد أن الدول الليبرالية نفسها تحتضن شركات تبيع الأسلحة لأنظمة ديكتاتورية. تلك الأسلحة تُستخدم في قمع الأبرياء وقتلهم في تلك الدول الضعيفة.
إن هذا التناقض الشديد بين الشعارات المعلنة والممارسات الفعلية يعكس إشكالية عميقة في النظام الدولي الحالي، حيث تُقايض حقوق الإنسان والمبادئ الأخلاقية بمصالح اقتصادية وسياسية قصيرة النظر.
آثار الاستعمار لا تزال آثاره موجودة، إذ لم يتم الاعتذار أو التعويض عنها، ولم يتخلَّ عن أدواته التي باتت تُمارَس الآن بطرق وأساليب جديدة. ومن أبرز تلك المظاهر ما يمكننا تسميته بالفوضى الثقافية، التي صارت واحدة من أهم أسباب اختلال النظام العالمي.
وفي سياق الحديث عن هذه المرحلة من التاريخ الإنساني، يبقى جوهر القيم الإنسانية والأخلاق محورًا أساسيًا في بناء المجتمعات؛ فكما تُظهر لنا الأحاديث والتجارب، الأخلاق هي المعيار المطلق الذي يجب أن نتبناه في كافة الجوانب.
مع ذلك، فإن الفوضى الثقافية التي نعيشها اليوم تبتعد عن الأخلاقيات، وتركز بدلاً من ذلك على المتعة والاستهلاك وإشباع الغرائز. هذه الفوضى تسهم في زعزعة المعايير والقيم العالمية بصورة ملحوظة. وهناك دور كبير تلعبه الشركات الكبرى التي تمتلك الثروة والنفوذ، حيث أصبحت القوة المحركة للصراعات والحروب بالوكالة، وخاصة في القارة الأفريقية، حيث تُستخدم شركات النفط لإثارة الحروب والانقلابات.
وعلى مستوى السياسات الدولية، كشفت الأحداث الأخيرة عن الوجه الحقيقي لليبرالية المزعومة. فسياسات مثل تلك التي شهدناها في فترة حكم ترامب بينت كيف أن الليبرالية الغربية قد تتحول إلى أداة لتشويه الثقافات المحلية وتنفيذ أجندات سياسية خفية. هذه الحقائق أثبتت الحاجة إلى تغيير جوهري يتطلب التفكير في تأسيس نظام عالمي أكثر عدالة وتمثيلاً حقيقيًا للشعوب.
الحل المقترح يكمن في تكوين برلمان عالمي ويكون أعضاؤه من الخبراء والعقلاء، يعمل بعيدًا عن هيمنة القوى الكبرى. مثال جيد على ذلك المحكمة الجنائية الدولية التي تتمتع بشيء من الاستقلالية، حيث تختص بمحاسبة الأفراد الذين يرتكبون الجرائم بدلاً من الاقتصار على الدول. ورغم أهمية هذه المبادرة، إلا أنها تواجه معارضة شديدة وعقوبات تعيق مسارها، مثلما فعلت الولايات المتحدة ودول أخرى.
وفي ظل هذا الواقع، علينا أن ندرك أن إرادة الشعوب ينبغي أن تكون أقوى من إرادة الحكومات، عبر تعزيز دور المؤسسات المستقلة والخارجة عن تأثير القوى الكبرى، يمكننا التطلع إلى مستقبل يحقق العدالة ويعيد التوازن للنظام العالمي.
- الأستاذ حسين شاكر؛ باحث في الشأن القانوني:
واقعًا لا توجد عقوبات تُفرض على منتهكي القوانين الدولية، وهذا الخطأ ينبع من الطريقة التي صيغ بها ميثاق الأمم المتحدة. إذ وُضع هذا الميثاق بناءً على النتائج التي أفرزتها الحروب العالمية الأولى والثانية. وبغض النظر عن كون هذه الإجراءات مُوثقة أم تُطبق عمليًا، فإن هذا الخلل الواضح في الميثاق الدولي أدى إلى تراجع التزام الدول بهذه المواثيق، وتحويل الأمر برمته إلى مجلس الأمن الدولي.
مجلس الأمن الدولي، بدوره، استحوذ على مهام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مما أفقد الأخيرة دورها الفاعل بشكل تدريجي. ونتيجة لذلك، بات دور الجمعية العامة شبه معدوم ومختزل أمام سلطة مجلس الأمن، الذي يسيطر عليه بشكل رئيس الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية.
اليوم، تواجه الأمم المتحدة تحديات كبيرة؛ فهي تبدو وكأنها تعيش أيامها الأخيرة مع استمرار فقدانها النفوذ السياسي، إلى جانب مجلس الأمن وبعض المفوضيات التابعة لها. يعود ذلك إلى تغيّر ميزان القوى العالمية؛ فدول مثل فرنسا وبريطانيا، التي كانت تُعتبر عظيمة قبل 80 عامًا، تواجه الآن ضعفًا ملحوظًا على مختلف الأصعدة. في ظل هذا التطور، تبدو الحاجة مُلحة لإعادة النظر في تشكيل مجلس الأمن والأمم المتحدة ككل.
القوة هي المحرك الأساسي الذي يُملي سلوك الدول، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو إعلامية. الإعلام، بشكل خاص، أصبح قوة لا يُستهان بها في العصر الحديث، حيث بات يُنافس السلاح والاقتصاد كأداة سيطرة رئيسية. بعكس فترة صياغة الميثاق الدولي، ظهر الإعلام الآن كقوة قادرة على التأثير بشكل هائل. هذه الوسيلة أصبحت تستغلها بعض الدول القوية لتبرير تدخلاتها عبر تشكيل تصورات ذهنية لدى شعوب العالم وإعدادهم نفسيًا لقبول هذه التدخلات، حتى وإن كانت تخالف الحقيقة. بهذا الشكل، يُخلق سياق مبرر لأي تحرك دولي غير مشروع.
بالنسبة للسؤال الأول، فإن التغير في النظرة العالمية لحقوق الإنسان يعتبر نتيجة طبيعية لتسابق القوى وتزايد التسلح بمختلف أشكاله. هذا السباق لا يقتصر على التسلح العسكري فقط، بل يمتد إلى المجالات الاقتصادية، الإعلامية، وحتى العلاقات الدولية. هناك بعض الدول التي قد لا تكون بارزة أو ذات تأثير كبير من الناحية الجغرافية أو السكانية، ولكنها استطاعت أن تثبت وجودها وتخلق لنفسها مكانة بسبب قوتها الإعلامية أو التأثير السياسي والعلاقات الدولية التي نسجتها بذكاء.
إن هذا التسابق على تعزيز القوة، سواء كان عسكريًا أو اقتصاديًا أو تكنولوجيًا، إذا تضاعف بشكل غير محدود، سيجعل العالم في حالة تنافس مُرهقة ومستمرة، لدرجة أن الكرة الأرضية نفسها قد تصبح غير قادرة على استيعاب هذا الصراع المستمر بين القوى المتقدمة والمتسلحة بطرق متعددة. هذه القضية بالغة الأهمية وتتطلب تدخل المجتمع الدولي لتنظيم استخدام القوة وتحديد أطر واضحة تمنع الهيمنة المطلقة من أي طرف.
ومن هنا تأتي أهمية دور الأمم المتحدة في النظر إلى هذه القضية بجدية ووضع مواثيق مستقبلية تضمن توازن القوى على مستوى العالم، وتحفظ حقوق الجميع دون إفساح المجال للأطراف القوية للسيطرة المطلقة على المشهد الدولي.
بالنسبة للسؤال الثاني حول سبب تقسيم الناس إلى فئات، يمكن القول إن هذه المسألة أصبحت مألوفة لأنها تعكس تفاعلات اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة. في الواقع، نجد أن هذه المشكلة تؤثر على الكثير من الدول، بما في ذلك العراق، حيث يظهر التمييز أحيانًا بين سكان جنوب وشمال البلاد. لكل فئة في العالم تأثيرها ووسائلها الخاصة التي تعمل لصالح مصالح معينة، وهذه المصالح غالبًا ما ترتبط بعوامل مثل الموقع الجغرافي أو الموارد الاقتصادية الفريدة.
عندما تكون فئة معينة من السكان مقيمة على أرض غنية بموارد طبيعية أو تمتلك موقعًا استراتيجيًا، تصبح تلك الفئة تأثر بشكل كبير على القوى العالمية وتحظى باهتمام خاص من الدول الأخرى. هذا الاهتمام ينبع من المصالح الاقتصادية أو الاستراتيجية للدول العظمى، التي قد تجد نفسها مضطرة للدفاع عن تلك الفئة لضمان حماية مصالحها. وهكذا تتداخل الأمور الاجتماعية والاقتصادية مع العلاقات الدولية، مما يؤدي إلى إحداث تغيير في موازين القوة العالمية بما يخدم أجندات مختلفة.
- الأستاذ علي حسين عبيد؛ كاتب واديب:
أعتقد أن مشكلة هذا الموضوع تعود إلى طبيعة التكوين الإنساني وما ينطوي عليه من تعقيد في النفس البشرية. يبدو أن أهم ما يشغل كل فرد يعيش على هذا الكوكب هو تحقيق مصلحته الشخصية، وهذا المفهوم يمتد بشكل طبيعي ليشمل الكيانات الجماعية وحتى الدول الكبرى التي تملك القدرة على التحكم بسير الأمور في دول العالم الأخرى. على سبيل المثال، إذا نظرنا سريعًا إلى السياسات الأمريكية في عهد ترامب، نجد أن مصالحه الشخصية ومصالح الولايات المتحدة كانت المحرك الأساسي للعديد من الأحداث التي أحدثت اضطرابًا عالميًا. ففي الوقت الذي يوجه فيه ترامب تهديدات للحكومة الإيرانية بشأن وقف الإعدامات والقتل وإلا سنضربكم، نرى أن شعب غزة يعاني منذ سنوات تحت وطأة قصف مستمر من قبل نتنياهو وبضوء أخضر من ترامب.
هذا التضارب في المواقف يعكس الخلط الذي يسيطر على المشهد السياسي العالمي ويبرز مشكلة أكبر تتجذر في طبيعة الإنسان ونهجه في تغليب مصالحه الشخصية أو القومية. ما نحتاجه هو نظام دولي جديد يرتكز على العدالة والمساواة ليشمل الجميع، على أن يعمل هذا النظام على تقليل أو تنظيم تأثير المصالح الفردية والقومية للدول المختلفة. بدون تحقيق هذا الشرط، أرى أن معاناة الإنسانية ستستمر إلى أمد بعيد.
- حيدر الاجودي؛ باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:
منظومة حقوق الإنسان ظهرت كتعريف يعكس القيم الإنسانية، وبرزت بشكل خاص بعد الكوارث والحروب الكبرى بين الدول. ومع ذلك، يبدو أن هذه المنظومة قد انحرفت عن أصلها التأسيسي وانتقلت من إطار تعزيز القيم الإنسانية إلى أداة سياسية انتقائية. فبدلاً من أن تركز على حماية حقوق الإنسان، أصبحت تُستخدم كوسيلة لتحقيق مصالح سياسية، مما أدى إلى التعامل بازدواجية المعايير، تتناغم سياسات الدول الكبرى مع مصالحها، وتتجاهل القضايا التي تتعارض مع تلك المصالح.
أما بشأن التغير الذي طرأ على النظرة العالمية لحقوق الإنسان، فيمكن إرجاع ذلك إلى عاملين رئيسيين. الأول هو تسييس حقوق الإنسان؛ فقد تحولت هذه الحقوق من كونها معيارًا أخلاقيًا موحدًا إلى أداة دبلوماسية تُستخدم كذريعة للتدخل الخارجي، وفرض العقوبات، وأحيانًا لتبرير تغييرات في الأنظمة السياسية للدول بما يتوافق مع موازين القوى العالمية ومصالحها.
العامل الثاني: تسليع الحالات الإنسانية. في العديد من الدول التي تواجه كوارث أو أزمات إنسانية، يتحول التعامل مع هذه الحالات إلى عملية تسليع تجعل من المآسي أداة للإعلام المثير ومنصة لبث خطابات سياسية وطائفية، يتم خلالها استعراض أرقام الضحايا لتحقيق أهداف معينة. ومع ذلك، يبقى السؤال: ما النتيجة الحقيقية لهذا التسليط الإعلامي؟ هل يتم وضع خطط فعلية لمعالجة جذور المشكلة؟ هل تُتخذ إجراءات لتقليل حجم المعاناة الإنسانية؟ أم أن الأمر يقتصر على عروض إعلامية وخطابات سياسية فارغة؟
أما بالنسبة لتقسيم الناس إلى فئات، فإن السبب الرئيسي يكمن في النظام الاقتصادي العالمي غير العادل، الذي أدى إلى تعميق الفجوة بين الطبقات داخل المجتمع الواحد وبين النخب وبقية الشرائح. هذا الوضع أسهم في خلق أزمة أخلاقية واسعة، حيث تحوّلت حقوق الإنسان من كونها مقياسًا لحماية الكرامة الإنسانية وضمان حقوق الأفراد إلى أداة تُستخدم لتبرير الصراعات السياسية داخل المجتمعات.
- محمد علاء الصافي؛ باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:
إن النظرة العالمية لحقوق الإنسان والقانون الدولي، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تُعتبر في جوهرها فكرة أخلاقية ناتجة عن صراعات البشر وما خلفته من ملايين الضحايا. ومع ذلك، فإن هذه الفكرة تتعرض للاصطدام من قبل نفس الجهات التي كانت قد تصارعت سابقًا من أجل وضع هذا القانون الدولي لحقوق الإنسان. إذ أن تلك الأطراف التي خاضت النزاعات في الماضي، عادت لتضع قوانين ثم انتهكتها لاحقًا.
إن القانون، كما تعترف جميع المؤسسات، يُسن من قبل الأقوياء للسيطرة على الضعفاء، وليس لتحقيق العدالة. ومفهوم العدالة غائب تمامًا عن الصراعات الدولية والتوازنات بين الدول. وقد تجلى هذا الأمر بوضوح في كيفية تعاملهم مع القضايا المختلفة؛ على سبيل المثال، يختلف التعامل مع العراق مقارنة بكيفية التعامل مع إسرائيل أو الفلسطينيين، أو مع الأوكرانيين مقابل الروس، أو مع الصرب مقابل البوسنيين.
بالنسبة للسؤال الثاني، يتضح أن تقسيم الناس إلى طبقات يؤدي إلى انتهاك حقوق الإنسان. إن النظام العالمي الحالي قائم على الاقتصاد، الذي يساهم في تصنيف الأفراد إلى طبقات. وقد أصبحت هذه الطبقات واقعًا يتم التعامل معه على أساس أن الإنسان ليس مجرد كائن يستحق حقوقه وحريته، بل يُنظر إليه كمستهلك.
فمثلاً، يستهلك الإنسان الأوروبي أكثر من الإنسان في أفريقيا، والإنسان في أمريكا يستهلك أكثر من نظيره في آسيا. وبالتالي، تُعتبر هذه الطبقات ذات مكانة أعلى لأنها تحقق النمو الاقتصادي للشركات والمؤسسات واللوبيات والحكومات الغربية. ومن هنا، يمكن القول إن هذه الميول الليبرالية الجديدة تركز بشكل أساسي على الجانب الاقتصادي، وتعامل الناس بناءً على مستوى استهلاكهم وطبقتهم الاقتصادية.
- باسم الزيدي؛ باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:
إن الموضوع يحمل في طياته تناقضات كثيرة، إذ المشكلة تكمن في أن الفكرة بحد ذاتها تُعتبر طوبائية حالمة؛ فنحن نسعى إلى نظام عالمي يدافع عن حقوق الإنسان ويرفع راية الإنسانية، ويتدخل في سيادة الدول لتحقيق الحق وإبطال الباطل. لكننا لم نشهد هذا في واقعنا، إذ يبدو أنه مثالي أكثر من المثالية نفسها.
ومع ذلك، فإن واقع الحال يشير إلى أن حقوق الإنسان تتضمن جانبًا أخلاقيًا، بينما السياسة ترتبط بمصالح مصلحية تعتمد على القوة. لذا، نسعى إلى تحقيق توازن بين هذين الجانبين، وهو أمر صعب يتطلب وجود معيار لتقييم الأمور.
أما بالنسبة للسؤال حول ما إذا كانت الحقوق نسبية أم مطلقة، فقد بحث الفلاسفة هذا الموضوع واحتاروا في تفاصيله، ولكن من الناحية السياسية، فإن الجواب أسهل، فحقوق الإنسان من حيث التطبيق هي نسبية، وعلى الرغم من أنها تُعتبر حقًا ثابتًا وأصيلًا من الناحية القيمية، إلا أن السياسة تُطوعها وتجعلها نسبية في سياقات معينة.
- احمد جويد؛ مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:
في هذا العالم، لا يوجد تعريف لحقوق الإنسان، حيث إن كل قوي يضع تعريفه الخاص في القانون، لدينا مفهوم الآداب العامة والنظام العام، لكن هذه المفاهيم يصعب تحديدها، إذ تختلف من شخص لآخر اليوم، القوي هو من يحدد ما هو حق للإنسان وما ليس بحق، والمصالح هي التي تفرض هذه التعريفات.
فيما يتعلق بالمحاكم الدولية واستهداف الأشخاص المجرمين، تختلف العقوبات بناءً على شخصية المجرم. فعندما يُفرض حصار اقتصادي على دول معينة، فإن الأنظمة المستبدة أو الديكتاتورية لا تتأثر، بل قد تصبح أقوى، بينما يعاني الشعب الذي لا حول له ولا قوة.
عندما تفرض العقوبات والتدخلات من خلال جهاز قضائي، يتم عرض القضايا أمام المحكمة لتحديد ما إذا كانت تمثل جريمة أم لا. قد تكون هناك العديد من الأفعال التي لا تمثل جريمة، لكن السياسة يمكن أن تطوعها لتعتبرها انتهاكًا أو جريمة، لكن إذا كانت هناك قوانين موضوعية ومحكمة حيادية لا يختلف عليها أثنين.
ومع ذلك، تبقى مسألة كيفية تطبيق هذه القوانين قضية معقدة. شهدنا صدور قوانين عديدة ضد إسرائيل بسبب الجرائم المرتكبة في غزة، ومع ذلك، عندما صدر حكم ضد نتنياهو في محكمة الجنايات الدولية، كانت الدول الأعضاء أو الداعمة لهذه المحكمة هي نفسها التي دافعت عن هذا المجرم.
إن المشكلة تكمن في المزاج الدولي، حيث إن من يمتلك القوة العسكرية أو الاقتصادية هو من يحدد حقوق الإنسان، وقد رأينا العديد من الدول التي وُضعت على القائمة السوداء في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ثم عادت لتكون أعضاء في المجلس بنفس الحكام وأجهزتها القمعية، وهذه هي الازدواجيات في الساحة الدولية.
- أوس الطائي؛ كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
شهدت حقوق الإنسان اليوم تحولًا لافتًا في موقعها داخل الخطاب الدولي. فقد كانت تُعتبر في السابق منظومة قيمية أخلاقية كونية تستند إلى الكرامة الإنسانية كأصل ثابت لا يخضع للجغرافيا أو الثقافة أو حتى ميزان القوى. لكن اليوم، أصبحت هذه الحقوق تنساق إلى العديد من الانسياقات السياسية الانتقالية.
هذا التحول لا يرتبط بضعف الفكرة ذاتها، بل بالتغير في المركز الفعلي الدولي من منطق القيم إلى منطق المصالح. بمعنى آخر، تحولت حقوق الإنسان إلى التزام قانوني يُستخدم كأداة ضغط عند الحاجة، مما أفقدها مصداقيتها وحوّلها من وسيلة لحماية الإنسان إلى خطاب تبريري وفقًا للحسابات السياسية.
أما فيما يتعلق بتقسيم الإنسان إلى طبقات على المستويين الدولي والوطني، فإن هذا الواقع يعكس أزمة عميقة في بنية النظام الدولي المعاصر. وهذا يعني إعادة تعريف الإنسانية ذاتها وفقًا لمعايير القوة والنفوذ والانتماء السياسي والاقتصادي.
إذ هناك ضحايا مرئيون يستحقون التضامن الدولي، بينما يُنسى آخرون وتُختزل معاناتهم في توصيفات تقنية وأمنية، وهذا التقييم والتقسيم لا يقتصران على العلاقات الدولية بين الدول، بل يتسربان أيضًا إلى داخل المجتمع، حيث يتراجع مفهوم المواطنة المتساوية لصالح التصنيفات والتصفية.
- عدنان الصالحي؛ مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:
بشكل عام، لم يعد لدينا عالم يتحدث بلغة الإنسانية، بل أصبح يتحدث بلغة الاقتصاد، وبلغة العسكر، وبلغة القوة. قد يكون الغطاء الإنساني مجرد نوع من أنواع الحديث، لكن المرحلة الاقتصادية تتقدم بشكل واضح في جميع الجوانب.
إن العالم يُعاد صياغته وفق خطاب الأقوى ووفق مصالح الدول الكبرى، وعندما تتقابل هذه المصالح، نجد أن الإنسانية قد انتهكت، إذ أصبح الإنسان سلعة تُستخدم في جزء من الصراعات الدولية، ولا يمكن للدول الصغيرة أو التي لا تمتلك حكومات قوية أن تتحدث عن السيادة بقدر ما تتحدث عن علاقاتها مع الدول الكبرى والدول ذات العلاقات الاقتصادية.
أرى أننا مقبلون على عالم متوحش في هذا الجانب، حيث قد يصبح الإنسان العملة الأولى التي تُنتهك، ويكون جزءًا من قضية أساسية تُعتبر البضاعة الرائجة لترويج الاقتصاد. أما ما دون ذلك، فلا قيمة للإنسان في هذه الجوانب إلا ما ندر، حيث سيكون صوته خافتًا في المستقبل القريب.
- الأستاذ صادق الطائي، باحث وكاتب:
عملية التدخل في الشؤن الداخلية تحت أي عنوان انساني او قانوني او سياسي يعتبر حدث وامر عدواني لايمكن القبول به باي شكل كان بل الوقوف امام هذا التجاوز الذي يمثل تجاوز واضح للحس الوطني، من الخطأ الادعاء بان هناك حقوق معترف به للإنسان أو الدول، بل هي مصالح اقتصادية او سياسية لاغير، أما الادعاءات والكلمات ماهي إلا شعارات كاذبة (مثل داعش كانت في الشمال والغرب وامريكا تحكم البلد) اين الحماية وتوفير الامن للبلد.
الدول المُستعِمرة او الانظمة العدوانية لا تستطيع ان تحتل بلدا فيه الوجودات العرقية او المذهبية
منسجمة فيما بينها، هنا يبدأ المستعِمر الاجنبي يقسّم الى فئات وطبقات ليسهل عليه قيادتها وتفتيت البلد (تجربة كردستان العراق والاكراد في سوريا) أكبر شاهد على حكمهم المنحاز ضد الحقوق والقيم المنطقية. اعتقد تصرف مبني على المصلحة والحقد الدفين سوف يقود البلد الى التمزيق وفقدان المصلحة الوطنية ويقودها الى واقع جديد.