ركضة طويريج: ملحمة الشعائر وحضور الفقهاء والمراجع
قبسات من فكر المرجع الشيرازي
شبكة النبأ
2026-06-27 04:38
((إنّ لمواكب العزاء الحسينية منزلة رفيعة ومقاماً سامياً()
سماحة المرجع الشيرازي
للشعائر الحسينية مكانة كبيرة وعظيمة بسبب النتائج التي تتحقق بفضلها، فهي كما يذكر التاريخ سواء في الدول الإسلامية أو في الدول الأخرى التي يعيش فيها مسلمون، تُسهم في زيادة صلابة العقيدة الدينية التي تنعكس إيجاباً على الشخصية وعلى عقلية الإنسان ودرجة إيمانه، مما يؤدي بالنتيجة إلى بناء شخصية مؤمنة قوية متوازنة وملتزمة بالقيم الصحيحة والسليمة لاسيما في مجال التعامل الإنساني بين بني البشر.
ولهذا قد يجوع الإنسان لأي سبب كان لكنه بالنتيجة سوف يحصل على ما يسد رمقه ونهي حالة الجوع عنده، وحتى الإنسان السجين لأي سبب كان، فإن مدة السجن سوف تُقضى وتنتهي تحت شتى الظروف ويغادر السجن، لكن الخاسر الأكبر هو الإنسان الذي يغادر هذه الدنيا وتخلو صحيفته أمام الله من نصرة الإمام الحسين حتى لو كانت من خلال إحياء الشعائر الحسينية.
طالما أننا نعيش هذه الأيام في عاشوراء وذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو موسم كثيف لإحياء الشعائر الحسينية، فحري بالجميع أن ينتهزوا هذه الفرصة قبل أن تنتهي وتبتعد عنهم، فيكونوا ممن يقف بين يدي الرحمن وهو ناصر للحسين (عليه السلام).
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يقول في كتابه القيم الموسوم بـ (نفحات الهداية):
«ليس البائس من يبيت ليلته وهو جائع، أو من يقبع في غياهب الزنزانات ويذوق أشدّ أنواع التعذيب، لأنّ ذلك كلّه إلى أجل معلوم ثمّ بعدها يشبع الجائع ويتحرّر السجين، إنّما البائس هو من حكم الله تعالى عليه بالعدل وحاسبه على سيّئاته، يوم تُعرض صحيفة أعمال الخلائق على الله تعالى، فلا تخفى عليه صغيرة ولا كبيرة».
ولذا من الأفضل لكل إنسان أن تثقل موازين حسناته التي يمكن أن تكون سنداً له في يوم الحساب، يوم لا يوجد عمل هناك، بل يوجد حساب على ما قدم الإنسان في دنياه، وإن كان ممن نصروا الإمام الحسين (عليه السلام) من خلال إحياء شعائره في عاشوراء وخدموا زواره، والتزموا بالقيم الحسينية الداعية للحق والحرية ورفض الظلم، فإنه لاشك سوف يكون من الرابحين.
التحفيز الفردي والجمعي للشعائر والخدمة الحسينية
وفي الغالب يكون إحياء هذه الشعائر نوعاً من التحفيز الذاتي الفردي والجمعي على حد سواء، فيجتمع الناس على خدمة الزائرين كونهم ضيوف أبي عبد الله الحسين، ومن يخدمهم سوف ينال الحسنات الكبيرة التي ترفع ميزان حسناته وتضاعفها.
يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):
«عندها يفوز الذين ثقلت موازينهم، ومنهم أولئك الذين تفانوا في خدمة شعائر الإمام الحسين سلام الله عليه وكان محفّزهم في كلّ ما بذلوا من جهد وتضحية هو خدمة الإمام سلام الله عليه».
ولهذا السبب أيضاً نلاحظ نصب الآلاف من المواكب الحسينية على جوانب الطرق العامة سواء بين المدن والمحافظات أو في داخل المدن أيضاً، حيث يهب خُدّام الحسين إلى تقديم كل ما يمكنهم تقديمه للزوار الكرام، حتى يخففوا عنهم من وعثاء السفر الطويل لاسيما أن الكثير منهم يقطعون المسافات الطويلة مشياً على الأقدام.
فتكون الخدمة التي يقدمها أصحاب المواكب بمثابة الانتصار للقضية الحسينية، والتمسك بها، والمساهمة الحقيقية في إحياء الشعائر العاشورائية، وتحفيز الآخرين على التمسك بالعقائد الصحيحة التي تزيد من تقواهم وتقربهم إلى الله تعالى، مع استمرارية إحياء هذه الشعائر كونها مطلوبة ومهمة جداً لزيادة الإيمان وتعميقه عند الناس.
حيث يقول المرجع الشيرازي (دام ظله):
«إنّ لمواكب العزاء الحسينية منزلة رفيعة ومقاماً سامياً جعلت جهابذة العلماء وكبار الوجهاء والشخصيّات يفخرون بالمشاركة فيها أيّما افتخار».
ملحمة ركضة طويريج والحضور المرجعي والغيبي
ومن هذه الشعائر الحسينية، هناك عزاء طويريج أو كما يسميها الناس عموماً بـ (ركضة طويريج)، وهي شعيرة لها طابعها الخاص حيث يتجمع الآلاف من الزوار القادمين من كل حدب وصوب حتى من خارج العراق، بالإضافة إلى آلاف من أهالي كربلاء المقدسة، وتنطلق هذه الآلاف من منطقة تسمى (قنطرة السلام) في (باب طويريج)، يرافقها هدير صوتي هائل تخشع له القلوب وهي تدوي بصوت واحد (يا حسين يا حسين يا حسين).
وقد شارك فيها ويشارك الكثير من العلماء ورجال الدين ومنهم من المراجع الكبار، وكل هذا دعماً لإحياء هذه الشعائر العاشورائية التي تتجدد في ذكرى عاشوراء منذ مئات السنين، والهدف بالطبع هو نشر هذه الشعائر والإكثار منها، والتشجيع على إحيائها أملاً بالسير على نهج الإمام الحسين في محاربة الظالمين والطغاة في كل العصور.
سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) يقول حول هذه النقطة:
«على سبيل المثال، تقام سنوياً في مدينة كربلاء المقدسة، وفي يوم عاشوراء بالتحديد مراسيم عزاء تعرف بعزاء طويريج (ركضة طويريج)، وكان السيد بحر العلوم مواظباً على المشاركة فيها، وكان يقول بأنّه قد شاهد الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بين صفوف المعزّين».
لماذا يرتعب الطغاة من عاشوراء؟
وقد استمرت ركضة طويريج عقوداً متتالية من السنين، حيث تلهث الناس كباراً وصغاراً، وهم يضربون على رؤوسهم، منادين بصوت هادر قوي عالٍ كأنه يصدر من حنجرة واحدة (يا حسين يا حسين)، تعبيراً عن تمسكهم بعرى عاشوراء، وبالنهضة الحسينية، وإعلاناً وتطبيقاً للقيم الحسينية الرامية إلى نشر الفضيلة بين الشباب، وتعميم القيم الرافضة للظلم والظالمين.
وهذا هو السبب الذي يجعل الطغاة يرتجفون من ذكرى عاشوراء وتجددها، كونها تهدد عروشهم، ولعل التاريخ والوقائع معاً أثبتت لنا بأن الحكام المستبدين يكرهون الشعائر ويحاربونها، لأنها تهدد منهجهم المستبد الذي يوغل في ظلم الناس.
يقول سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله):
«كان العمل بهذه المراسيم مستمراً في كربلاء، حيث كان يشارك فيها الآلاف، مهرولين حفاة، وضاربين بأيديهم على رؤوسهم ووجوههم، ولقد رأيت مرات عديدة مراجع كبار وهم يؤدّون هذه المراسيم مع الجموع المهرولة، كما كان يشارك فيها بعض الوزراء والوكلاء والأعيان. هؤلاء لم يكونوا يفعلون ذلك حتى في مجالس عزاء آبائهم، ولم يكونوا ليجزعوا هذا الجزع حتى لو فقدوا أموالهم وثرواتهم. فهنيئاً لهم ثم هنيئاً».
الشعائر كأداة لمواساة الرسول الأكرم (ص)
وإذا أردنا أن نبحث عن الهدف من إحياء هذه الذكرى وإقامة مواكب ومجالس العزاء الحسينية، فإن الإجابة الحقيقية هي أنها تهدف إلى تقديم العزاء لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كما يؤكد ذلك الإمام الصادق (عليه السلام)، بسبب صلة الانتماء بين الإمام الحسين (عليه السلام) وجده الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولعل كتب السنة والشيعة على حد سواء تحفل بالآلاف من المواقف التربوية حيث تربّى الإمام الحسين في مدرسة جده الرسول (صلى الله عليه وآله) ونهل من منابع هذه المدرسة النبوية الخالدة.
«إن مقيمي المآتم الحسينية إنما هم في الحقيقة يعزّون رسول الله صلّى الله عليه وآله. يقول الإمام أبو عبدالله الصادق عليه السلام في ما جرى على الحسين سلام الله عليه وأهل بيته سلام الله عليهم: يعزّ على رسول الله صلى الله عليه وآله مصرعهم ولو كان في الدنيا يومئذ حيّاً لكان صلوات الله عليه وآله هو المعزّى بهم».
وهكذا نصل إلى يوم العاشر من شهر محرم، وهو اليوم الذي استشهد فيه الإمام الحسين (عليه السلام)، مع ثلة من ذويه وأبنائه وأصحابه الخلّص (عليهم رحمة الله جميعاً)، في مثل هذا اليوم الذي ظل قائماً في الذاكرة الإسلامية، وذاكرة البشرية كلها، حيث قدم الحسين (عليه السلام) روحه ودمه قرباناً للإسلام والمسلمين كي يستعيد الإسلام مساره الصحيح، ويسير مجدداً على مسار الرسول (صلى الله عليه وآله) وإلى يوم الدين.