مدرسة عاشوراء والقيَم المتجددة
قبسات من فكر المرجع الشيرازي
شبكة النبأ
2026-06-18 04:04
(إن الذين قدّموا الخدمات الجليلة للإمام الحسين سلام الله عليه، وتحمّلوا في سبيله العناء والعذاب، سيسَجَّل لهم ذلك بأحرف من نور)
سماحة المرجع الشيرازي
في مثل هذا التوقيت من كل عام نترقب حلول شهر محرم، ومعه تستجد في عقولنا وقلوبنا ونفوسنا ثقافة عاشوراء والقيم التي استمدها الإمام الحسين عليه السلام من مدرسة جده الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، ومن خلال هذه القيم والمبادئ يسعى المسلمون المؤمنون الحسينيون إلى نشر هذه القيم والعمل بها والاستفادة منها والاستناد عليها في إدارة معركة الحياة والخروج منها بأقل الخسائر الدنيوية وبأكبر الأرباح الأخروية.
وهكذا أصبحت ذكرى عاشوراء ومدرسة عاشوراء وثقافة عاشوراء أيضا، هي الضوء الذي يفتّت كثافة الظلام، ويفتح الرؤى والآفاق أمام الإنسان، لكي يعرف أية بوصلة يسير في ضوئها، وأي طريق يسلكه في حياته، لاسيما أن الطرق كثيرة وكبيرة ومتعرجة وفيها متاهات لا حصر لها، ومن الممكن أن يضيع فيها كل إنسان لا يعتمد ثقافة عاشوراء ولا يهتدي بقيم هذه المدرسة العملاقة التي أسس لها الرسول صلى الله عليه وآله، وأدام زخمها الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء وجميع أئمة أهل البيت عليهم السلام.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول في كتابه القيم الموسوم بـ (نفحات الهداية):
(مرة أخرى يطلّ علينا شهر محرّم الحرام وذكرى عاشوراء التي ما فتئت مشعلاً يهتدي به الأنام منذ استشهاد سيد الشهداء الإمام الحسين سلام الله عليه إلى يومنا هذا، وفي كل مرّة تُحيى فيها هذه المناسبة ينهل محبّو الإمام قيماً ومفاهيم جديدة من مدرسة عاشوراء الخالدة، هذه الملحمة العظيمة المضيئة للأجيال على مرّ العصور).
من المعروف أن كل الأهداف العظيمة والثقافات التي تنحو صوب الخلود والثبات، تتطلب جهودا حثيثة وعظيمة ومستدامة لكي تستمر في طريق المطاولة والاستمرار، وهذا يستوجب وجود أناس وعقول وقلوب وجهود مؤمنة وكبيرة تستمر في إدامة زخم المدرسة العاشورائية، وفي نشر ثقافتها، وفي تجديد قيمها، وإيصالها إلى جميع الناس من دون استثناء.
الانتماء الحسيني مناهض للظلم والفساد
وهذا يعتمد على تضحيات كبيرة متواصلة معتمدة على الإيمان الراسخ والأبدي بالخط الحسيني المناهض للظلم والفساد، والرافض للإذلال والمحارب للجهالة والتضليل، ولهذه الأسباب مجتمعة وصلت إلينا ثقافة عاشوراء ومنظومتها المعمّدة بالقيم الحسينية العظيمة بجهود الأسلاف، مما جعل الناس المؤمنين بالحسين عليه السلام وبمبادئه، والمتمسكين بثقافة عاشوراء وقيمها يضحون بالغالي والنفيس من أجل إدام زخم هذه المدرسة وهذه الثقافة التي تمنح الناس مناعة أبدية ضد الانحراف بكل أشكاله.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي:
(لا ننسى بأنّ ذكرى عاشوراء مرّت بمسيرة طويلة من التحوّلات، وأنّ التضحيات التي قدّمها الأسلاف والوالهون بسيّد الشهداء سلام الله عليه هي التي أوصلت إلينا هذه المدرسة العاشورائية المناهضة للظلم، والعريقة بأهدافها المقدسة).
من الواضح أن الانتماء لهذه المدرسة الخالدة، لا يتحقق بالادّعاء أو التبجّح اللفظي الخالي من البراهين، وإنما هناك أدلة وبراهين يجب أن تتوفر مع القول والادعاء والتبجح، فمن يقول بأنه حسينيّ عليه أن يثبت ذلك ليس بالقول وحده، وإنما يجب أن يكون مستعدا للتضحية من أجل القضية الحسينية بكل ما يملك ويمتلك، وعليه أن يكون مستنفرا ذاته للعطاء والتضحية بلا حدود.
وذلك لأن الأهداف الكبرى تتطلب تضحيات كبرى، وهذه لا يمكن أن نجدها إلا عند المؤمنين والموالين الأصلاء الحقيقيين، لذلك لا يمكن إيصال الأمان إلى الأجيال القادمة إلا بالتضحيات الجسام، وهذه لا يمكن أن نجدها إلا عند من يؤمن قلبا وروحا ونفسا وقولا بمدرسة وثقافة عاشوراء، وبالقيم التي قدم الإمام الحسين نفسه وأهله قربانا من أجلها وتحقيقا لها.
لذا يجب أن يكون الإخلاص حقيقتنا، والصدق طريقنا، والابتعاد التام عن الامتيازات والمصالح المنفعية الشخصية سبيلنا، فكل إنسان يريد أن يسير في طريق عاشوراء، ويقرر الثبات على دعمها ومؤازرتها، عليه أن يجعل مصالحه الشخصية خلف ظهره، فالهدف الأول والأخير يجب أن يكون مرضاة الله تعالى.
لذا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي قائلا:
(لا يمكننا أن ندّعي انتماءنا لهذه المدرسة ما لم نرخص الغالي والنفيس في سبيل ديمومة أهدافها العالية، وأن نسلّم هذه الأمانة الحسينية، السماوية، إلى الأجيال اللاحقة مصانة لا تشوبها شائبة، وفي الوقت نفسه فاعلة وبعيدة عن أي زيغ أو حرف، طبعاً إذا خلصت النوايا، وأبعدت المصالح الشخصية، ليحلّ محلّها هدف تحقيق مرضاة الله عزّ وجلّ).
إعلاء شأن عاشوراء
من هنا لابد أن يعي محبو أهل البيت بأن الهدف الأهم في رحلتهم الحسينية الطويلة هي أولا إعلاء شأن عاشوراء، ومساندة مبادئها وثقافتها وأهدافها، وإقامة مجالس عاشوراء، وإقامة المواكب الحسينية الداعمة للشعائر، وتقديم كل ما يلزم لإدامة هذا الطريق الطويل، وعدم التردد أو التراجع، بل يجب أن يكون هناك مزيد من التضحيات والإصرار على مواصلة الطريق رغم المصاعب والمشقة الهائلة التي تتخلّله.
ولابد لمن يكون مستعدا لمواصلة الطريق رغم مصاعبه وخطورته، أن يؤمن تمام الإيمان بأن هنالك بانتظاره الثواب الذي يعدل ما قدمه من تضحيات على طريق عاشوراء، وهذه المدرسة التي تمتلئ بأريج أهل البيت عليهم السلام، وبالمصابيح التي تضيء سبل الظلام، وتطرد الظلم، وتقض مضاجع الظالمين أينما كانوا.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(أوّل مهامّ محبّي أهل البيت سلام الله عليهم إعلاء شأن عاشوراء ونشر ثقافتها وبرامجها، وإحياء مجالس عاشوراء، ومواكبها، بل إحياء كل ما يتعلّق بها من شعائر ليخلِّد ذكراها، ولا يخفى أنّها مسألة محفوفة بالمشاقّ والصعاب، لكنّها مشاقّ عاقبتها الثواب الجزيل والأجر الوفير).
كذلك لابد أن يعرف كل إنسان يقدم للحسين عليه السلام النصرة والدعم والمساندة، بأنه على موعد مع الثواب الذي يليق بتضحياته، كما أن سجلات التاريخ سوف تسجل هذه المواقف المبدئية العظيمة بماء الذهب، وسوف يكون هؤلاء محط فخر الأبناء والأهل والأصدقاء بل وحتى الغرباء.
أما أولئك الذين يعترضون طريق أهل البيت، ويتراجعون عن دعم المواكب الحسينية، ولا يقدمون ما يلزم لنشر ثقافة عاشوراء والقيم الحسينية الخالدة، فإنهم في الحقيقة هم أكثر الناس خسارة وتيها وضياعا، كونهم ضيّعوا الفرصة تلو الأخرى من أيديهم، وانخرطوا في إبداء وإظهار العداء لعاشوراء بلا مبرر، فخسروا بذلك ما ربحه الحسينيون وهو كبير وكثير.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(إن الذين قدّموا في هذا الطريق الخدمات الجليلة للإمام الحسين سلام الله عليه، وتحمّلوا في سبيله العناء والعذاب، سيسَجَّل لهم ذلك بأحرف من نور في سفر التاريخ، وفي المقابل ستكتب أسماء الذين وجّهوا أدنى إهانة لمواكب العزاء والمآتم الحسينية بأحرف من نار وهوان).
وها أننا ندخل في أجواء عاشوراء، ونعيشها مجددا، ونعيش أحداثها، ونتنفس مبادئها ونغترف من ثقافتها، وندخل مواكبها، ونحيي الشعائر، ونلبي نداء الحسين عليه السلام، ثقافة ومبادئ وسلوكا حسينيا قويما، ونجدد العهد بأننا باقون إلى الأبد حسينيون عاملون وفق ما ترسمه لنا مدرسة عاشوراء ووصايا أهل البيت عليهم السلام.