الأموال الضريبية في المنظور الإسلامي
قبسات من فكر المرجع الشيرازي
شبكة النبأ
2026-01-08 02:53
(كان الإمام علي صلوات الله عليه لا يتصرّف في أموال (الضرائب الإسلامية) الصدقات إلاّ كواحد من أضعف المسلمين)
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله
في مفهوم الدولة الحديثة تأتي أهمية الضرائب من كونها أداة أو وسيلة اقتصادية مهمة هدفها تقليص الفجوة الطبقية بين أبناء الشعب أو الأمة الواحدة، ومفهوم الضريبة تمّ العمل به منذ نشوء الحكومة الأولى للمسلمين، بقيادة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، ويتم تنظيم الضرائب وفق أحكام شرعية وقانونية وأخلاقية بلغت ذروتها في حكومتي رسول (ص)، والإمام علي عليه السلام.
ويمكن أن يتخذ الحكام المسلمون من هاتين الحكومتين مثالا ونموذجا لكيفية التعاطي مع أموال الشعب، وكيف تُدار وكيف تُحمى، وكيف تُصرَف، باعتبارها أمانة الله عند الحاكم وعند الحكومات، لاسيما الدوائر والجهات التي تودَع عندها هذه الأموال.
ففي عهد الإمام علي عليه السلام كانت أموال الصدقات (الضرائب الإسلامية)، والخمس، تُعَد من الأمانات التي يجب أن لا تمسها يد المسؤول بسوء، وبالإضافة على شرط الحفاظ عليها، هنالك شرط أهم يتمثل بكيفية صرْفها، حيث كان الإمام علي عليه السلام (أضعف إنسان تجاه هذه الأموال)، وعلى الرغم من أنه المسؤول الأول عنها وعن صرفها، لكنه كان يخشى أشد الخشية من المساس بها بطريقة غير صحيحة، كونها ليست مُلْكا له، بل هي أموال الناس، فهي أرصدة مالية مخصصة لدعم المسلمين وإدارة شؤونهم وتحسين حياتهم.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يذكر في سلسلة نبراس المعرفة: محاضرة (تعامل الحاكم مع أموال الأمة) قائلا:
(كان الإمام علي صلوات الله عليه لا يتصرّف في أموال (الضرائب الإسلامية) الصدقات إلاّ كواحد من أضعف المسلمين، وإلاّ كواحد من أضعف من يعيشون في حكومته المباركة. وهكذا يجب أن يكون الاحتياط في أموال الأمّة، وهي الأرصدة التي جعلها الله عزّ وجلّ ليقام بها أمور المسلمين. فعلى إمام المسلمين أن يكون محتاطاً في تصرّفه الشخصي، وأن يكون محتاطاً في أمره بالاحتياط فيمن يحملون تلك الأموال، وفيمن تودع عندهم تلك الأموال).
ونتيجة للتعامل غير السليم مع هذه الأرصدة المالية من قبل الحاكم وحكومته في بلاد المسلمين، ساءت الأوضاع الاقتصادية للمسلمين، وصار الفقر شبحا يطارد الجميع، وفي نفس الوقت نشأت طبقة تمثل النسبة الأقل بين المسلمين تتمتع بالثراء الفاحش، وتكاد تكون معفية من الضرائب التي صار يتحمل ثقلا أصحاب الدخل المحدود، مما أدى إلى ظاهرة التفاوت الطبقي، وهي ظاهرة تكاد تشكل السبب الأول للفقر.
الأسس الصحيحة لإدارة الضرائب
لذلك لو التزم الحكام المسلمون بحفظ الأمانة وتعاملوا مع هذه الأموال كما تعامل معها أمير المؤمنين عليه السلام، لما عانى الفقراء عبء الفقر، ولما تهالكت اقتصادات الدول الإسلامية كما نلاحظ ذلك في معظمها، فقد وضع الإمام علي عليه صلوات الله عليه وقبله رسول الله صلى الله عليه وآله الأسس السليمة للتعاطي مع الضرائب، وكيفية حمايتها وطرائق صرفها، بحيث كانت أمانة لا يمكن المساس بها، ولا يتم هدرها والتصرف بها ما يفعل اليوم بعض الحكام والحكومات، فيكون تعاملهم فاشلا، أما عن قصد أو من دونه، لكن النتيجة هي الهدر وسوء التصرّف فضلا عن الخضوع للنفس الأمّارة.
ولو أن الحكام المسلمين احتاطوا كما احتاط الإمام علي عليه السلام في تعاملهم مع تلك الأموال، لما رأينا الفقر يصول ويجول بين المسلمين، ولما عانى المسلمون من ظاهرة التفاوت الطبقي إلى الحد الذي أثار الأحقاد والحسد والنقمة بين المسلين.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(لو كان الحكّام في البلاد الإسلامية اليوم، والذين تكون تحت أيديهم أموال الأمّة ويتصرّفون فيها ويصرفونها، لو كانوا يحتاطون مثل احتياط أمير المؤمنين ولو كانوا يتصرّفون بمثل تصرّف أمير المؤمنين صلوات الله عليه، لما كنّا نرى بلاد الإسلام في طولها وعرضها، فقيراً واحداً يبقى على الفقر).
ولو أن الحكومات الإسلامية تعاملت مع أموال (الضريبة الإسلامية) كما تعامل معها أمير المؤمنين عليه السلام، لانتفت الحاجة كي يستدين الشباب كي يتزوجوا، كما يجري اليوم في دول إسلامية، حيث لا تتوفر لديهم تكاليف الزواج، وبعد تأتي سلسلة المشاكل الاجتماعية والنفسية العميقة التي يعاني منها الشباب (بنون وبنات).
وكذا الحال بالنسبة للمرضى الذين يعجزون عن مداواة أنفسهم، فلو كانت الأمانة محفوظة، وأيدي الحكام وحكوماتهم والمقربون منهم لا تمس أموال المسلمين المتحصَّلة من الضرائب، لما وجدنا مريضا في هذه البلاد، لكن التعامل غير الأمين مع تلك الأموال، ومنافاة النموذج الصحيح للإمام علي في قضية الاحتياط والأوامر والقوانين المشددة التي تمنع التجاوز على تلك الأموال، جعلت منها مباحة، في حين لم يكن هناك أي تساهل مع من تقترب يده من أموال الناس وتحاول أن تستبيحها، حتى نسب الفقر التي يعاني منها المسلمون اليوم لم تكن موجودة.
وهذا ما يؤكده سماحة المرجع الشيرازي في قوله:
(ولما كنّا نرى شابّاً أو فتاة بحاجة إلى الزواج ويعيشان مجرّدين عن الزواج لأنه لا مال للزواج لهما، ولما كنّا نجد مريضاً واحداً، في طول البلاد الإسلامية وعرضها، لا يجد مالاً لكي يعالج نفسه من المرض، ولما كنّا نجد شخصاً واحداً، في طول البلاد الإسلامية وعرضها، يئنّ من الفقر، ولما كنّا نجد شخصاً واحداً لا يملك داراً يعيش فيها).
درس نبوي علوي واضح المعالم
ولو كانت سياسة الدول الإسلامية جادة في التعامل مع أموال الضرائب، لوجدنا الخيرات والغنى كثيرا في ربوعها، ولكان المسلمون وغيرهم ممن يعيشون في البلاد الإسلامية، يهنأون بتلك الأموال، ويُسعَدون بها، ويعشون حياة أفضل، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية، كما كان الحال في حكومتي الرسول الأكرم وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما.
أليس هذا درس واضح المعالم، كي يستفيد منه حكام المسلمين، وألا يستدعي منهم ذلك أن يحتاطوا بشكل جاد وحقيقي في التعامل مع هذه الأموال، ويأمرون موظفيهم والعاملين في مجال (الأموال الضريبية) بالاحتياط والأمانة في التعامل مع أموال الناس، بالطبع هو درس كبير وواضح وبالغ الأهمية، لكن الأمر الأهم أن يُعمَل به، فإذا كان الحاكم نموذجا مؤتمَنا على أموال المسلمين، فسوف يتعلم منه الجميع الأمانة وحفظ أموال الضرائب بكل أنواعها.
لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(بل لكنّا نجد أراضي الإسلام مملؤة بالخير وبالغنى، ونجد المسلمين في بلاد الإسلام، وحتى غير المسلمين في بلاد الإسلام، يعيشون كأحسن ما يكون، كما كانوا من ناحية الأمور الاقتصادية، والاستفادة من أموال المسلمين، يعيشون في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله، بأحسن عيشة، وكذلك في زمن أمير المؤمنين صلوات الله عليه).
إن سماحة المرجع الشيرازي، يتضرع إلى الله تعالى أن يهدي المسلمين جميعا وحكوماتهم ورؤسائهم لأن يوفَّقوا إلى العمل بمنهج رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين عليه السلام فيما يخص التعامل مع الأموال الضريبية باعتبارها أمانة لا يجوز المساس بها.
حتى تكون سببا في صنع حياة مرفّهة كريمة لكل المسلمين ولمن يعيش معهم من غير المسلمين، وهذا هدف ليس ببعيد المنال، لاسيما إذا التزم المسؤولون بالتعامل السليم مع هذه الأموال العامة، مسترشدين بالنموذج النبوي العلوي لكي يصبح المسلمون في حال أفضل كما هو حال الأمم والدول التي تحافظ على مواردها بالشكل الشرعي والقانوني الصحيح.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(أسأل الله عزّ وجلّ أن يوفّق المسلمين والحكومات الإسلامية والرؤساء، خصوصاً الحكومات الإسلامية والزعماء، لانتهاج منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله، وكما قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه العمل بسنّة رسول الله وسيرته صلى الله عليه وآله، وهكذا سيرة أمير المؤمنين التي هي سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله. وأسأل الله تعالى أن نرى ذلك في المستقبل، في بلاد الإسلام والمسلمين ولكل من يعيش في بلاد الإسلام من غير مسلمين).
افي خلاصة الأمر، إذا نظر الحكام والمسؤولون المعنيون إلى الأموال الضريبية والصدقات والخمس على أنها أمانة، يجب الحفاظ عليها، فهذا سوف يقودهم إلى صرفها بالشكل الصحيح، وفي مكانها المناسب، وسوف تصبح هذه العملية (منهج أخلاقي) يعتاد عليه ويتعلمه الرؤساء والحكام والموظفون المسؤولون، بحيث تتضاعف موارد الدولة وتتعاظم بشكل متصاعد، مما ينعكس على حياة الناس جميعا مسلمين أو غيرهم.