هل يمرّ الوقت بنا أم نمرّ نحن فيه؟

كمال عبيد

2026-08-29 04:55

في بعض الأيام نغادر المنزل في الصباح، نعود في المساء، نكتشف أن ساعات طويلة انقضت، ومع ذلك يصعب علينا تذكر ما الذي حدث فيها. وفي أيام أخرى قد تمر دقائق قليلة، لكنها تبقى في الذاكرة سنوات طويلة؛ مكالمة انتظرناها، خبر غيّر اتجاه حياتنا، لقاء ترك أثرًا عميقًا، أو لحظة خوف جعلت الدقيقة تبدو أطول من ساعة. الساعة في الحالتين كانت تعمل بالإيقاع نفسه، والثواني كانت تتتابع بالسرعة ذاتها، غير أن الإنسان عاش الزمن بطريقة مختلفة. هنا تبدأ الحكاية الأخرى للوقت، الحكاية التي لا تقيسها عقارب الساعة، وإنما يقيسها الوعي.

نحن نتعامل مع الزمن غالبًا بوصفه شيئًا خارجيًا يمر من أمامنا؛ ساعات وأيام وأشهر وسنوات تتوالى وفق نظام لا يتوقف. غير أن التجربة الإنسانية تكشف أن الزمن الذي يصل إلى الساعة ليس هو الزمن ذاته الذي يصل إلى النفس. فالإنسان لا يستقبل اللحظة كما هي، وإنما يمنحها معنى من خلال حالته النفسية وما يحيط بها من مشاعر وذكريات وانتظارات. ولهذا يمكن ليوم واحد أن يبدو طويلًا حين يكون مثقلًا بالقلق، ثم يبدو قصيرًا عندما يمتلئ بالحركة والاهتمام، بينما قد تمر سنوات كاملة في حياة الإنسان وكأنها مشهد واحد متصل.

ومن هنا يظهر مفهوم الزمن النفسي، وهو الطريقة التي يدرك بها الإنسان مرور الوقت داخل تجربته الخاصة. فالانتظار يجعل اللحظة أكثر كثافة، والحزن يثقل حركة الساعات، والخوف يجعل الإنسان شديد الانتباه إلى كل ثانية، في حين يستطيع الانشغال والفرح أن يجعلا ساعات طويلة تمر من دون أن يشعر بها الإنسان. الزمن هنا لا يتغير في العالم الخارجي، وإنما تتغير العلاقة بين الزمن والوعي، فيصبح الإحساس بمروره جزءًا من الحالة النفسية التي يعيشها الإنسان.

ولعل المفارقة الأشد أن الإنسان قد يعيش الماضي في الحاضر بصورة أقوى من عيشه للحاضر نفسه. صورة قديمة، رائحة مكان، صوت شخص غائب أو أغنية ارتبطت بمرحلة معينة، يمكن أن تعيد إلى الوعي لحظة بعيدة بكل تفاصيلها العاطفية. في تلك اللحظة لا يعود الماضي مجرد حدث انتهى، وإنما يتحول إلى زمن حي داخل الذاكرة. ولهذا تبدو الذاكرة أشبه بمكان يحتفظ فيه الإنسان بأزمنته الخاصة، ويستطيع أن يعود إليها متى أثار شيء ما بابها المغلق.

والأمر نفسه يحدث مع المستقبل؛ فالإنسان يعيش جزءًا من وقته في انتظار ما لم يحدث بعد. قد يقضي ساعات في التفكير في مقابلة ستجري غدًا، أو نتيجة ستظهر بعد أيام، أو قرار يخشى عواقبه، فيصبح المستقبل حاضرًا داخل وعيه قبل أن يأتي. وهنا تتداخل الأزمنة الثلاثة في التجربة الإنسانية؛ الماضي يعود عبر الذاكرة، والمستقبل يحضر عبر التوقع، والحاضر يتشكل من العلاقة بين الاثنين. لذلك لا يعيش الإنسان لحظته الحاضرة بصورة منفصلة عن تاريخه ومخاوفه وآماله.

وهذا ما يجعل الزمن النفسي قضية تتجاوز علم النفس إلى معنى الحياة نفسها. فالإنسان لا يتأثر بعدد السنوات التي عاشها وحده، وإنما بما وضعه داخل تلك السنوات من تجارب ومعانٍ وعلاقات واكتشافات. قد يعيش شخص عقودًا طويلة في نمط متكرر، فلا تترك السنوات في ذاكرته سوى أثر محدود، بينما يعيش آخر فترة أقصر بكثير، لكنها تكون ممتلئة بالأحداث والتحولات إلى درجة تجعلها أكثر حضورًا في ذاكرته. كثافة التجربة هنا تمنح الزمن قيمته الإنسانية.

وفي الحياة المعاصرة تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا؛ فالتكنولوجيا جعلت الإنسان يعيش تحت ضغط مستمر من الإشعارات والأخبار والرسائل والمواعيد وتدفق المعلومات. أصبح اليوم مزدحمًا إلى درجة يصعب معها على الإنسان أن يمنح بعض لحظاته فرصة لأن تُعاش بهدوء. نحن ننتقل بسرعة من حدث إلى آخر، ومن شاشة إلى أخرى، ومن مهمة إلى مهمة، حتى يصبح الوقت سلسلة من المقاطعات الصغيرة. وحين ينتهي اليوم قد نشعر بالتعب الشديد، مع عجز واضح عن تحديد اللحظات التي منحت ذلك اليوم معنى حقيقيًا.

لهذا فإن مشكلة الإنسان المعاصر مع الوقت قد لا تكون في قلة الساعات بقدر ما تكون في طريقة توزيع انتباهه عليها. فساعة يقضيها الإنسان في حديث عميق مع شخص يحبه قد تكون أكثر حضورًا في نفسه من ساعات طويلة أمضاها في التصفح العابر. ووقت قصير يكرسه لقراءة فكرة جديدة قد يترك أثرًا يمتد سنوات، بينما تمر أيام كاملة في الاستهلاك المتواصل للمحتوى من دون أن تضيف إلى تجربته شيئًا يستحق التذكر.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بين الزمن والوعي؛ فالوقت الذي لا يحظى بالانتباه قد يمر من دون أن يتحول إلى تجربة راسخة. أما اللحظة التي يعيشها الإنسان بوعي كامل، فإنها تكتسب وزنًا خاصًا في ذاكرته. وهذا لا يعني أن علينا إبطاء الحياة بصورة مصطنعة، وإنما أن نستعيد قدرتنا على الحضور داخل ما نفعله، حتى لا تتحول الحياة إلى سلسلة من الأيام التي تنقضي قبل أن ننتبه إلى أنها كانت حياتنا.

وربما لهذا السبب نشعر أحيانًا بأن الطفولة كانت طويلة، وأن السنوات اللاحقة أصبحت أكثر سرعة. فالطفل يواجه العالم بقدر كبير من الجدة؛ الأماكن والأشخاص والأشياء تحمل له اكتشافًا مستمرًا، ولذلك تتشكل في ذاكرته تفاصيل كثيرة. ومع تقدم العمر تتكرر الأنماط، وتصبح الأيام أكثر تشابهًا، فيختصر العقل مساحات واسعة منها في ذاكرته. وهكذا يبدو الماضي البعيد أكثر اتساعًا، بينما تبدو السنوات القريبة وكأنها مرت في لحظة واحدة.

غير أن الزمن النفسي لا يرتبط بالذاكرة وحدها؛ إنه يكشف أيضًا عن علاقتنا بأنفسنا. فالإنسان الذي يعيش حياته وفق اختياراته وقيمه يشعر غالبًا بأن وقته يحمل معنى، حتى في الفترات الصعبة، بينما قد يشعر الإنسان الذي يستهلك أيامه في إرضاء الآخرين أو مطاردة أهداف لا تشبهه بأن الوقت يتسرب منه من دون أن يعرف إلى أين ذهب. هنا يتحول سؤال الزمن إلى سؤال عن معنى الوجود: ماذا فعلنا بالوقت الذي امتلكناه، وماذا فعل الوقت بنا؟

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس كم سنة بقيت لنا، وإنما ما الذي يحدث داخل السنوات التي نعيشها. فقد لا يستطيع الإنسان التحكم في سرعة الزمن، لكنه يستطيع أن يختار قدرًا أكبر من الوعي في الطريقة التي يستقبل بها أيامه. يمكنه أن يمنح علاقاته اهتمامًا حقيقيًا، وأن يترك مساحة للتأمل، وأن يتعلم شيئًا جديدًا، وأن يراجع قراراته، وأن يتوقف أحيانًا عن الركض ليدرك المكان الذي وصل إليه.

الزمن في النهاية لا يحتاج إلى أن ننتصر عليه، فهو يمضي سواء انتبهنا إليه أم انشغلنا عنه. ما نستطيع فعله هو ألا نسمح له بأن يتحول إلى فراغ طويل داخل الذاكرة. أن نعيش اللحظة بحيث تصبح جديرة بأن تُحفظ، وأن نترك في أيامنا ما يجعلها أكثر من أرقام تتغير في التقويم. فالساعة تخبرنا كم مضى من الوقت، أما وعينا فيخبرنا ماذا كان ذلك الوقت يعني لنا.

وربما تكون الحكمة العملية التي نحتاجها في علاقتنا بالزمن بسيطة: لا تبحث عن مزيد من الوقت قبل أن تتعلم كيف تحضر في الوقت الذي لديك. خصص كل يوم مساحة لشيء يستحق أن تتذكره، وأغلق لبعض الوقت مصادر التشتيت، وامنح الأشخاص القريبين منك حضورك الكامل، واجعل لك وقتًا للتعلم والتأمل والعمل الذي ترى فيه معنى. عندها لن يصبح السؤال عن سرعة الأيام هو القضية الأساسية، لأن الإنسان سيبدأ في قياس عمره بما عاشه بوعي، لا بما مرّ عليه من ساعات.

ذات صلة

فلوس ماكو: عفوية رئيس الوزراء تكشف جوهر معركة الفسادحين أغلقَ الليل أبواب «أم كريم» مرتين!موسم الأرباح قادم: ما الذي ينبغي أن يعرفه المتداول قبل فتح أي صفقة؟بَيْنَ البَصْمَةِ وَالوَصْمَةِنحن نصنع الطغاة