لماذا لا يتوقف البعض عن الكلام؟
شبكة النبأ
2026-04-06 03:02
ماذا نفعل عندما يطغى شخص واحد على التفاعلات الاجتماعية؟
يقدم الدكتور روبرت كرافت، أستاذ علم النفس المعرفي بجامعة "أوتربين"، في مقاله المنشور بمدونة (Psychology Today)، رؤية تحليلية حول ظاهرة الاستحواذ على الحديث في التجمعات الاجتماعية. حيث يوضح أن الإفراط في الكلام ليس دائماً طبعاً متأصلاً، بل غالباً ما يكون نتيجة لعوامل ظرفية أو نفسية، مثل الرغبة في الحفاظ على مكانة معينة أو غياب "كاشفات الموضوع" لدى المتحدث. ويستعرض المقال سبع استراتيجيات عملية لاستعادة توازن الحوار، تتنوع بين إعادة هيكلة الجلسة اجتماعياً، واستخدام تقنيات "التعزيز السلوكي"، وصولاً إلى وضع حدود واضحة بذكاء ودبلوماسية، بهدف تحويل التفاعل من "محاضرة فردية" إلى تبادل إنساني متناغم.
نقاط رئيسية:
* الإفراط في الكلام في التجمعات الاجتماعية غالباً ما يعود إلى تأثيرات ظرفية، وليس لسمات متأصلة في الشخصية.
* التركيز على الموضوعات العامة بدلاً من القصص الشخصية قد يشجع على التوازن في الحوار.
* التعزيز غير المناسب قد يشجع دون قصد على الاستمرار في الإفراط في الكلام.
لقد مررنا جميعاً بتجمعات اجتماعية يستحوذ فيها شخص ما على وقت الحوار. يمكننا التعامل مع هذا الأمر بشكل متقطع، ولكن إذا سيطر ذلك الشخص باستمرار، فقد تصبح التجمعات غير سارة، وتتحول المناسبات التي يُفترض أن تكون داعمة وممتعة إلى شيء نتجنبه.
قد تكون أسباب الإفراط في الكلام ذاتية في المقام الأول؛ فبعض الناس ثرثارون بطبيعتهم، أو منغمسون في ذواتهم، أو غافلون عن عدم التوازن بين التحدث والاستماع. لكن الأسباب الأخرى ظرفية (مرتبطة بالموقف) ويمكن تحديدها وإدارتها. بعد الاستماع لفترة، يمكننا تشخيص الأسباب الظرفية للإفراط في الكلام ومحاولة خلق قدر أكبر من التوازن.
إليك سبع استراتيجيات للانتقال نحو تدفق حواري أكثر إرضاءً وتفاعلية:
1. إعادة هيكلة البيئة الاجتماعية
يمكن لهيكل المجموعة أن يؤثر بقوة على المشاركة. المجموعات التي تضم أكثر من ستة أشخاص غالباً لا تسمح للبعض بالمساهمة، أو على الأقل ليس لفترة طويلة. إن تقسيم المجموعة الكبيرة إلى محادثات أصغر تضم شخصين أو ثلاثة أو أربعة يساهم في تحقيق مشاركة عادلة. يمكننا تغيير مكاننا وبدء محادثتنا الخاصة مع مجموعة فرعية أصغر، ويفضل أن نواجه الأشخاص بدلاً من الجلوس جنباً إلى جنب؛ فليس هناك التزام بالبقاء ضمن مجموعة كبيرة.
وإذا بقيت المجموعة كبيرة، فمن الضروري ألا يكون لها "قائد"، فالتجمعات الاجتماعية ليست اجتماعات عمل أو فصولاً دراسية. يمكننا مغادرة المجموعة الكبيرة بأدب وأخذ استراحة إذا لزم الأمر.
2. الالتزام بالموضوع (المحور)
في المحادثة، يمتلك معظمنا "كاشفات للموضوع"؛ فنحن نحدد الموضوعات ونستجيب لها، أحياناً بحدث مرتبط بها أو قصة شخصية تتناول ذات المحور.
قد يكون الموضوع هو "السفر"، وهو ما يتطلب بالتأكيد سرد تجاربنا الخاصة، ولكن يمكن أن تكون هذه السرديات وجيزة ومتجاوبة مع اهتمامات المجموعة. فإذا قال أحدهم: "لقد عدت للتو من لندن"، فإن الرد الطبيعي هو طرح أسئلة حول الرحلة. ومع ذلك، قد ينتهز "المفرطون في الكلام" الفرصة لوصف رحلاتهم الخاصة إلى لندن بالتفصيل الممل.
فبدلاً من "كاشفات الموضوع"، لديهم "كاشفات الأنا". في هذه الحالة، من الأفضل انتظار فترة توقف والعودة بالحديث إلى الشخص الذي أعلن أولاً عن رحلته إلى لندن.
في المحادثة، نتبع قاعدة "المُعطى والجديد"، حيث نأخذ فكرة طُرحت للتو (المعطى) ونقدم معلومات جديدة بناءً عليها. أما المفرطون في الكلام، فغالباً ما يستخدمون أبسط معلومة "معطاة" كنقطة انطلاق لفيض من المعلومات الجديدة المتمحورة حول الذات.
3. تغيير المكانة المُتصورة
أحد الأسباب المحتملة للإسهاب اللفظي هو إدراك الأشخاص لأنفسهم على أنهم يتمتعون بمكانة أعلى من الآخرين في المجموعة، بسبب امتلاكهم خبرة أكثر أو تجارب فريدة ومميزة بشكل عام. وبالطبع، عندما يتحدث الناس عن أنفسهم، فهم بالفعل خبراء؛ ولهذا السبب، يبقي المفرطون في الكلام التركيز على أنشطتهم، وبالتالي يحافظون على "خبرتهم". يمكن كسر هذه الديناميكية المرتبطة بالمكانة المتصورة عن طريق تغيير الموضوعات بشكل مناسب أو التأكيد على حيوية وتعدد أحداث حياتنا نحن أيضاً.
4. الحد من التكرار والحشو
قد لا تكمن المشكلة الأساسية في مقدار الوقت المستغرق في الكلام، بل في قول الكثير عن شيء واحد. يميز اللغويون بين "البنية العميقة" (الأفكار المراد التعبير عنها) و"البنية السطحية" (الكلمات الفعلية التي تعبر عن تلك الأفكار). فإذا كانت البنية السطحية للشخص فضفاضة بينما بنيته العميقة ضئيلة، فإن التكرار غير الضروري يجعل الشخص يبدو أكثر إطالة مما هو عليه بالفعل.
أثناء التحاور، نتأرجح عادةً بين تقديم معلومات أكثر من اللازم أو غير كافية، محاولين العثور على "النقطة المثالية" (القدر الكافي). الكثير من المعلومات يصيب المستمعين بالملل، والقليل منها يصيبهم بالارتباك. الأشخاص "المنمقون" أو المسهبون باستمرار لا يلتفتون لتوقعات جمهورهم ويقدمون فائضاً من القول. يمكننا تنشيط التفاعل من خلال التأكيد بأدب على ما نعرفه بالفعل، ثم الإضافة إلى المحادثة من واقع تجربتنا الخاصة.
5. تغيير الأنماط
أحياناً نسمح للناس باحتكار المحادثات أو نشجعهم على ذلك من خلال تعزيز ثرثرتهم. فإيماء الرأس بالموافقة، أو حتى هز الرأس بالرفض، قد يشجع المتحدث. كما أن تنهيدات نفاد الصبر، أو النظر في الهاتف، أو صرف النظر بعيداً قد تدعو في الواقع إلى مزيد من الكلام (كمحاولة لجذب الانتباه ثانية). وينطبق الشيء نفسه على المقاطعة، التي قد تزيد من حدة التوتر وتخلق منافسة حوارية.
والمفارقة هنا هي أنه يجب علينا تقليل استجابتنا مؤقتاً، واتخاذ تعبير وجه محايد وعدم قول أي شيء. هذه هي "نظرية التعزيز" المباشرة؛ أي قطع الصلة بين السلوك والموقف الاجتماعي المعين، وفي هذه الحالة، تجنب تعزيز التعبيرات الطويلة. وفي المقابل، يجب أن نولي اهتماماً للسلوك المرغوب، ونقدم التعزيز عندما يكون الشخص الثرثار حكيماً وموجزاً في كلامه.
6. الوضوح والمباشرة
إذا كنا مستعدين لذلك، فإن المباشرة يمكن أن تنجح. نخبر الشخص بصعوبتنا مع الإفراط في الكلام من خلال التركيز على كيفية تأثير ذلك علينا، ووضع حدود لفيض الكلام بدلاً من انتقاده. قد نسأل: "هل يمكننا الحصول على وقت متساوٍ للحديث؟".
عندما نكون مباشرين مع الأشخاص الثرثارين، يجب أن نظهر أننا سمعنا ما قالوه، ولكن نتبع قاعدة "المعطى والجديد"، ونضيف شيئاً خاصاً بنا، لنرسم إيقاعاً للمحادثة. قد يقاطعوننا، ولكن يمكننا حينها أن نكون حازمين بدبلوماسية ونقول إننا نود إنهاء ما كنا نقوله.
أحياناً، أحتاج إلى تذكير نفسي بأن المباشرة لا تعني الفظاظة. عندما يسيطر شخص ما لفظياً على تفاعل جماعي، يميل "عالم الاجتماع" بداخلي إلى استخدام تطبيق "ساعة الإيقاف" لحساب وقت الشخص الثرثار ثم إعلان النتيجة: "في الساعة الماضية، تحدثتَ لمدة 42 دقيقة، بينما تقاسمنا نحن البقية 18 دقيقة. في الواقع، لم يتحدث إيفا وجون على الإطلاق". لكنني لا أفعل ذلك؛ فأنا لست عالم اجتماع في تجمع، تماماً كما أن الشخص المسيطر لفظياً ليس محاضراً ضيفاً.
7. الترحيب بالتعبير الضروري
يمكن أن تكون أسباب الثرثرة عملية ومنطقية؛ فالأشخاص الذين يقضون أيامهم أمام الشاشة أو مع أطفال صغار سيتوقون لمستمعين بالغين. في هذه الحالة، من المفيد السماح للشخص "بتفريغ شحنته" والتكيف مع البيئة الاجتماعية للبالغين. بعد الاستماع لفترة، قد نرغب في التعليق بتعاطف حول ضغوط يومهم، ثم طرح مواضيع جديدة بلباقة.
أخيرا:
الإفراط في الكلام هو في الأساس خلل في التوازن بين التحدث والاستماع. نحن لا نريد "إسكات" الشخص الثرثار، بل نريد استعادة التوازن. في النهاية، إذا لم يلحظ الشخص إحباطنا أو لم يعترف به، فيجب أن نسأل أنفسنا ما إذا كان هذا التفاعل يستحق هذا الإحباط المستمر.